محنة الدستور

a49(3)

 

من المقالات الرائعة يفند دكتور عصام العريان بلفته تاريخية دعاوى من يقول الدستور أولا قبل الانتخابات  فلنقرأ ما قاله :

إنه ليس الدستور القادم الذي يدور حوله الجدل الآن.

بل هو الكتاب الذي أصدره الكاتب الراحل "محمد زكي عبد القادر" في يناير 1955م في سلسلة كتاب "روز اليوسف" عقب إجهاض محاولة الرئيس "محمد نجيب" إصدار دستور جديد بتشكيل لجنة في 13 يناير 1953م، انتهت من وضع مشروع دستور في منتصف 1954م، ولم يصدر ذلك الدستور أبدًا بسبب تنظيم مظاهرات قادها رئيس نقابة عمال الترام "الصاوي" يوم 26 مارس 1954م.

وظل مجلس قيادة الثورة في الحكم حتى خرجوا منه، واحدًا تلو الآخر، وانفرد عبد الناصر بالحكم، ثم مع عبد الحكيم عامر، ووصل الأمر إلى اعتقال رفيق الثورة كمال الدين حسين.

وامتدت محنة الدستور منذ 1954م حتى يومنا هذا.

يقول الكاتب الكبير في مقدمة كتابه: "هذا الكتاب وحي أمل في مستقبل مصر، ونبع قلبٍ وعى الحوادث، وقلم عاش معها بكيانه".

ويضيف: "وقد ضللنا في كثير من الأحيان معالم الطريق، ولكنه وحي الفطرة السليمة في ضمير هذا الشعب، هداه دائمًا- حتى وهو في أشد عهوده ظلامًا- إلى حيث ينبغي أن يسير".

ويقول الكاتب: "وظل المطلبان الأساسيان للشعب- بعد الحرب الأولى- هما المطلبان الأساسيان له قبل الحرب العالمية الأولى، ونعني بهما الاستقلال والدستور، والأول موجه إلى المحتلين، والثاني موجه إلى السراي، وكلاهما- على كل حال- مكملان أحدهما للآخر".
هل تغير شيء بعد 56 عامًا، أو بعد حوالي قرن؟

إنهما مطلبا الشعب حتى الآن: الاستقلال الحقيقي: الحضاري والثقافي والسياسي والاقتصادي والروحي، والدستور الذي يتم تفعيله وتطبيقه في حياتنا، وليس مجرد نصوص على الورق.

ويقول الكاتب- الذي لم ينتم في حياته للإخوان المسلمين، ولم يكن متعاطفًا معهم- عن الفرق بين رؤية الوفد للمطلبين، ورؤية الأحرار الدستوريين: "ولا بد من إظهار الفرق بين تصوير الوفد- ممثل الشعب- لفكرة الدستور، وتصوير الأحرار الدستوريين لها، فكلاهما كانا على اتفاق في المطالبة بالدستور، إلا أن الوفد كان يريد الدستور معليًا إعلاءً تامًا لكلمة الشعب وإرادته، منصرفًا إلى التعبير عن هذه الإرادة، واشتراك الجميع فيها، دون أن يكون الاشتراك في توجيه سياسة الأمة مشروطًا بشرط من مال، أو ثقافة أو مصالح، بل نابعًا أصلاً من مجرد الوجود على الأرض المصرية، والانتماء إلى الشعب المصري، بينما كان الأحرار الدستوريون يرون أن الاشتراك في الانتخاب وظيفة، وليس حقًّا، ومن ثم لا بد من اشتراط شروط لها، تتعلق بالمركز الاجتماعي وتمثيل المصالح".

ويشرح الكاتب سبب هذا الافتراق في الرؤية بين الحزبين، الشعبي والنخبوي: "الوفد- وهو ممثل الكتلة الشعبية الغالبة- واثق من أن كل سلطة الشعب سترتد إليه، بينما كان الأحرار الدستوريون فريقًا من كبار الملاك أو كبار المتعلمين، الأولون منفصلون انفصالاً طبقيًّا عن بقية الشعب، والآخرون منفصلون عنه انفصالاً ذهنيًّا".

ثم يؤكد أهمية هذه الملاحظة قائلاً: "هذه الملاحظة طبعت فيما بعد كل ما وقع في الحياة المصرية من صراع دستوري، وكل ما عرقل أو أدَّى إلى عرقلة النمو الدستوري للشعب".

ويقول عند الحديث عن المطلب الوطني الآخر، الاستقلال: "رأينا الفارق جوهريًّا، فالوفد الذي يمثل الشعب كان يطلب الاستقلال على أنه القضاء التام على النفوذ البريطاني، والتخلص من الاحتلال بكل مظاهره وآثاره.

أما الأحرار الدستوريون فكانوا يرون أن التعاون مع البريطانيين هو السياسة المثلى، فإنه في الاستطاعة عن طريق هذا التعاون بلوغ الاستقلال المنشود شيئًا فشيئًا، متى نضج الشعب واستقام أمره في التعليم والسياسة والصحة، وما إليها من مظاهر التقدم".

أيها القارئ الكريم..

هل ترى فرقًا بين ذلك الجدل الذي ثار بين المصريين في أعقاب الثورة العظيمة عام 1919م، وحتى إصدار دستور 1923م، وقد سبقه تصريح 28 فبراير 1922م الذي رفضه الوفد، ومع ذلك عمل بنتائجه، وبين ذلك الجدل الذين يدور الآن في أعقاب الثورة الشعبية العظمى في 25 يناير 2011م، وهل سمعت ما دار في مؤتمر "مصر الأول" من الدعوة إلى حرمان المصريين البسطاء من نصف أصواتهم بحيث يُحتسب صوت الأمي أو الفلاح بنصف صوت؟!.

ماذا حدث بعد إعلان دستور 1923؟

اسمع منصتًا لكاتب رحل عن دنيانا منذ أكثر من عقدين.. "في أبريل 1923 أُعلن الدستور، وتهيأت الأحزاب القائمة حينئذٍ لخوض المعركة، وهي الوفد والأحرار الدستوريون، والحزب الوطني- القديم.. حزب مصطفى كامل- وكان الوفد عارض تصريح 28 فبراير، وكان من مفهوم ذلك أن يستمر في استنكار التصريح وما ترتب عليه، بخاصة أنه حمل حملة شديدة على لجنة الثلاثين التي أعدت الدستور، ووصفها بأنها "لجنة الأشقياء"، وكانت نظرية الوفد أن الدستور، وهو أبو القوانين، وحامي الحقوق والحريات، يجب أن تضعه جمعية تأسيسية منتخبة انتخابًا حرًّا، وبذلك لا يكون منحة من أحد أو عرضه للعبث والتعديل".

"وتولت وزارة يحيى إبراهيم إجراء الانتخابات التي جرت في جو مشبع بالحرية الكاملة، واكتسح الوفد المعركة اكتساحًا لم يسبق له مثيل، وجاءت النتيجة مفاجأة لكل المراقبين السياسيين".

"وكانت هذه الانتخابات بمثابة حكم أصدره الشعب على القيم الحقيقية للأحزاب والقوى التي تقدمت تلتمس ثقته".

لا أريد أن أطيل عليك في الاقتباسات، وأنصحك أن تراجع الكتاب الذي أصدرته الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2010م "العدد 16 في سلسلة أدباء القرن العشرين، محمد زكي عبد القادر، محنة الدستور 1923–1952- دراسة". وللهيئة كل الشكر على إصداراتها، ولكل القائمين عليها أ.د. محمد صابر عرب، وحلمي النمنم، ورئيس تحرير السلسلة حسين البنهاوي.

اليوم ونحن في صدد إصدار دستور جديد، يليق بمصر في القرن الخامس عشر الهجري والألفية الجديدة الميلادية يثور الجدل من جديد.

هل نهدر فرصة الحياة الديمقراطية مرة ثالثة؟

لقد ضاعت منَّا محاولة إقامة نظام ديمقراطي في أعقاب ثورة 1919م العظيمة، عندما أفسد الاحتلال والسراي الملكية وأحزاب الأقلية الحياة البرلمانية والسياسية، فكانت النتيجة هي الوصول إلى طريق مسدود مع حرب فلسطين عام 1948م.

وأجهضت حركة الجيش المباركة في يوليو 1952م المخاض الشعبي التغييري الذي كان ينذر بولادة طبيعية لنظام سياسي جديد، فجاءت ولادة قيصرية بانقلاب تحول إلى ثورة عندما تبنى المطالب الاجتماعية والاقتصادية والتنموية، ولكن عهد الجمهورية أهدر فرصة أخرى للحياة الديمقراطية في أحداث مارس 1954م، رغم مطالبة الإخوان المسلمين وبعض ضباط الثورة مثل خالد محيي الدين، ورئيس البلاد وقتها محمد نجيب، بالحياة البرلمانية، وعودة الجيش إلى الثكنات، وهذا حديث يحتاج إلى مقالات أخرى.

وكانت النتيجة أنه رغم كل الإنجازات التي حققها عبد الناصر، ورغم زعامته الكاريزمية الهائلة في مصر والوطن العربي، أننا أفقنا على هزيمة مروعة، وانهيار كامل في يونيو 1967م، ثم كان الانقلاب على كل ما صنعه عبد الناصر في عهد السادات، ثم السرقة الكبرى للسلطة والثروة في عهد مبارك، وضاعت الديمقراطية أيضًا.

اليوم في أيدينا فرصة قد لا تتكرر، أن نرسي أساسًا ثابتًا لحياة ديمقراطية حقيقية، نستفيد فيها من التجربتين الفاشلتين.

ويثور الجدل حول الدستور الجديد، ومن يصنعه؟

وأتساءل: كيف يصدق الشعب أستاذًا للقانون يُدَرِّس لطلابه- وأنا كنت منهم- أن التشريع لا يلغيه إلا تشريع، والدستور لا يسقط من تلقاء ذاته، فإذا به يقول ما هو أبشع: "إن مظاهرة تُلغي الاستفتاء والإعلان الدستوري"؟!!.

وأتساءل: كيف يثق الشعب في رئيس حزب، ورئيس تحرير كبير يقول إن حكمًا صدر للمحكمة الدستورية يلغي الطريقة التي تم استفتاء الشعب عليها لإصدار الدستور بانتخاب جمعية تأسيسية من مائة عضو على مرحلتين. أي أن ينتخب الشعب برلمانًا جديدًا من مجلسين- شعب وشورى- يقوم أعضاؤه بانتخاب جمعية تأسيسية من مائة عضو من خارج أو داخل البرلمان، تمثل الشعب تمثيلاً متوازنًا وحقيقيًّا، فإذا بنائب رئيس المحكمة الدستورية يُكَذِّب هذا الكلام المعيب ويشرح الحكم الصادر بشأن مسألة التحكم في بنك فيصل عام 1994م؟!!.

أيها السادة.. كُفوا عن هذا الجدل العقيم، واستمعوا إلى صوت الشعب الذي شَبَّ عن الطوق، ولا يحتاج إلى من يعلمه أو يظن في نفسه أنه أعلم منه شأنًا ومكانةً ومكانًا.

وإذا كان هناك قلق ومخاوف من أغلبية لا يعلمها إلا الله، فلنتفق على أن نذهب إلى الانتخابات في قائمة واحدة، ببرنامج واحد، وحينئذٍ ستكون لهذه القائمة أغلبية تشكل حكومة وحدة وطنية لإنقاذ الوطن، وتحمل أعباء المرحلة الانتقالية، وبدلاً من أن نظل في موقع المطالبين، نتحول إلى موقع المسئولية، وهناك نُخب فكرية تستطيع الإبداع والابتكار والتجديد والاجتهاد.

ولنا عودة إن شاء الله تعالى.

هذا المنشور نشر في الثورة المصرية, ثقافة تاريخية, عام. حفظ الرابط الثابت.

رد واحد على محنة الدستور

  1. يقول عادل:

    مقال أفادنى كثيرا بارك اللهم فيكم وكثر من امثالكم

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s