الشريعة والقصاص ( من تراث المستشار حسن الهضيبى رحمه الله )

 

من مقالات المستشار حسن الهضيبى رحمه الله والتى تبرز محاسن الشريعة يقول :

ولكم في القصاص حياة :

قرأت في ما قرأت أنه وقعت حادثة قتل في إحدى قرى مديرية الشرقية في زمن محمد علي , فألف لها محكمة خاصة لتحقيقها والحكم فيها , فوقفت عند هذه الحقيقة أتأملها : حادثة قتل واحدة يؤلف لها الحاكم محكمة خاصة . واليوم محاكم الجنايات مقامة في عاصمة كل مديرية , وتفصل في قضايا القتل التي لا تعد بالآحاد بل تعد بالعشرات , وأصبح القضاة لا ينفعلون بهذه الحوادث ولا يهتمون بها , ويحكمون فيها كأنها مسائل عادية لا توجب الفزع ولا الاهتمام . وقل أن يحكم في واحدة منها بالقصاص , بل يحكم في بعضها بعقوبات تافهة لا تشفي الغليل .

وقفت عند هذه الحالة وتأملتها , فوجدت أن حال الناس قد عادت إلى جاهلية مظلمة , فالقاتل لا يقتل , بل يتهم غيره لعلم الناس أن المحكمة لا تحكم بالقصاص . فيقدم غير القاتل حتى يحكم عليه , ويبقى هذا طليقا خارج السجن ليقتص منه أهل القتيل . فإذا قتل انتقم أهله من أهل قاتليه , عرف القاتل من بينهم ولم يعرف وقد عدد لي أحد الشهود إذ كنت أحقق ببعض القضايا ثلاثة عشر قتيلا ترتيب قتلهم على قتل رجل لم يحكم على قاتله بالقصاص , وقد حصل في بعض قرى الوجه القبلي أن قتيلا قتل فذهب أهله إلى عمدة القرية – وهو كبير عائلة القاتل – وطلبوا منه أن يسلمهم القاتل ليقتلوه , فكبر عليه ذلك وردهم ردا غير جميل , فكان هو أول قتيل , ثم استمر القتل بين العائلتين إلى أن بلغ القتلى ثمانية عشر وشرع في قتل نحو أربعين , وأصبح الواحد منهم لا يأمن على نفسه أن يبرز خارج البيت , وبارت زراعتهم وتجارتهم , وركبهم الفقر , وأصبحوا في حالة يرثى لها . . .

وأمثال ذلك كثيرة في قرى الريف وحوادث القتل دائما في ازدياد .

والذي يتأمل هذه الحال ويتعرف أسبابها يجزم بأن القانون الذي نحكم به قانون وضعي , لم ينزل بأمر الخالق وهو أعلم بخلقه وأعلم بما يصلحهم وبما يفسدهم , ولو اتبعنا ما أمر لله به لكان لنا في ذلك حياة . . . حياة القاتل الذي يتروى إذا عرف أنه لا محالة مقتول بمن قتل , وحياة أهله الذين ينتقم منهم جهلا وكيدا . . .

القانون الوضعي يقضي بألا يقتل القاتل إلا إذا كان القتل مع سبق الإصرار أو الترصد , ثم هو يبيح مراعاة الظروف لمخففة فيجوز للمحكمة أن تنزل عن عقوبة الإعدام إلى عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة , وذلك مع مراعاة لأحوال الجاني وظروف ارتكابه الجناية اعتبارا بأن القاتل والمقتول ملك الدولة وأنها تصلح من شأن القاتل بما يتفق وحاله . . ولا يلقى القانون بالا لأهل المقتول الذين تلتاع أفئدتهم من رؤية القاتل يمشي على الأرض بعد قتل والدهم أو أخيهم أو أحد أقاربهم . ومن هنا كان التخفيف عن القتلة , ومن هنا كانت النفوس التي لا تطمئن إلى هذه الحال فتجري في القاتل وأهله العقاب الذي يشفي غليلها ويبرد قلوبها .

إن خالق الخلق هو أعلم بهم , لذلك كان وضعه للعقوبات متفقا مع أحوال النص , جانين ومجنيا عليهم , وما يرضيهم وما يسخطهم . وكان القرآن لذلك جبارا في عقوباته إذا شاء أهل الدم القصاص , وكان كذلك رءوفا رحيما إذا عفوا وغفورا , أو إذا رضوا بأن يأخذوا الدية . . .

فعقوبة القاتل – بسبق إصرار أو بدونه – القتل , ولأهل القتيل أن يأخذوا الدية – ولهم أن يعفوا ويصفحوا – وهذا يفيد أنه لا يراعى في القصاص إلا مرضاة أهل القتيل وبراءة نفوسهم من الضغن الذي يدعو إلى القتل وتجاوز الحد فيه , .

" ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل " فإذا طلبوا القصاص فقد وجب , ولا يرضى نفوسهم إلا هذا , وإذا قبلوا الدية فقد قدروا مصلحتهم . ولعلهم يجدون الخير كل الخير في أن يفعلوا ذلك إذا كانت بينهم وبين القاتل قربة , أو كان للمقتول صبية يستفيدون من الدية أو غير ذلك من الأسباب , ولهم أن يعفوا عمن قتل , وذلك أقرب للتقوى , وليس للدولة أن تتدخل في ما بينهم فتقتص من القاتل إذا لم يشاءوا – على ما ذهب إليه بعض الفقهاء وما دخولها بينهم إذا صفت نفوسهم ولم يعد فيها من دواعي الحفيظة شيء ؟ إن ادعاء أن القاتل والمقتول ملك للدولة بعيد عن المعقول , والدولة في هذه الصورة ليست إلا قوامة على حفظ الأمن , فإذا استقامت أموره فلا عليها بعد ذلك أن يكون الناس أحبابا لا أعداء وصدق الله العظيم . " وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ " .

" ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما " .

" من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا " .

" ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق , ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا " .

" يا أيها الذين امنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى , فمن عفي له من أخيه شيء , فإتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان , ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم . ولكم في القصاص حياة يا أولى الألباب لعلكم تتقون " .

اللهم إنا نسألك أن تهدي أولى الأمر منا إلى العودة إلى أحكام كتابك الكريم والعمل به ,حتى تصلح أحوالنا في الدنيا والآخرة . .

هذا المنشور نشر في من تراث الإخوان المسلمين. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s