الإصلاح الاقتصادي الليبرالي.. مخرج أم مأزق؟

 

عبر سبعة فصول شملها الكتاب، تدور فكرته الرئيسية حول أن الإصلاح الاقتصادي ليس بالضرورة هو ذلك النموذج الليبرالي الذي تقدمه المؤسسات الدولية، وعلى رأسها البنك والصندوق الدوليان, وأن تجارب الدول التي شملها الكتاب لبلدان عربية وآسيوية وأوروبية، بتطبيق نموذج الإصلاح الليبرالي، توقفت على شروط عدة من بينها: مدى ملاءمة برامج الإصلاح للبيئة الاقتصادية لكل بلد على حدة، ووجود نقابات عمالية قوية تحافظ على مكتسباتها، وقيام البرلمانات بدورها الرقابي، وبخاصة فيما بتعلق بتنفيذ برامج الخصخصة، ومحاربة الفساد.

-الكتاب: الإصلاح الاقتصادي الليبرالي .. مخرج أم مأزق؟ (دراسة مقارنة لتجارب مصر والمغرب وتركيا والهند وتشيكيا)
-المؤلف: أحمد السيد النجار
-الناشر: مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام, القاهرة
-عدد الصفحات: 264
-الطبعة: الأولى/ 2011

وبقدر نجاح الدول في الأخذ بهذه الضوابط بقدر نجاحها في الوصول إلى نتائج إيجابية في تطبيق نموذج الإصلاح الليبرالي.

وإذا ما أختل أحد هذه الضوابط، فإن السلبيات معروفة، وأظهرتها النتائج عبر تطبيق البلدان التي شملها الكتاب، من انتشار الفقر، والبطالة، والتفريط في القواعد الصناعية، ومقدرات القطاع العام، وزيادة عجز الصادرات، والاعتماد على الخارج، وسوء توزيع الدخل، ووجود أنظمة مالية وضرائبية تتسم بعدم العدالة، والتحيز لصالح الأغنياء.

وقد اتبع المؤلف منهجية ثابتة في تقيمه لتجربة البلدان الخمس التي شملها الكتاب، من حيث تناوله للأوضاع الاقتصادية لكل بلد قبل تطبيق برامج الإصلاح الاقتصادي، من خلال قراءة تحليلية لأهم المؤشرات الاقتصادية الكلية، كما ركز على سمات مرحلة التطبيق، وما آلت إليه التجربة، مع ذكر إيجابياتها وسلبياتها، والظروف السياسية المحيطة بها.

مفهوم الإصلاح الاقتصادي
تناول الكتاب في فصله الأول مفاهيم الإصلاح الاقتصادي، من خلال طرح بعض الاقتصاديين، وناقش جوانب النقص بها، ثم طرح تجربتين للإصلاح الاقتصادي تعودان إلى أوائل القرن العشرين، وهما التجربة الكينزية في إنجلترا والغرب بصفة عامة، بعد أزمة الكساد الكبير، والتي تمثلت أهم ملامحها في أهمية وجود دور للدولة، وكذلك التجربة السوفياتية، التي اتسمت بمراعاة الجوانب الاجتماعية.

غير أن المؤلف خلص إلى تعريف للإصلاح الاقتصادي، من وجهة نظره وبعد سرد ومناقشة المفاهيم الأخرى، ورأى أنه يعرف بـ "تلك العملية التي تنهض على حزمة متناسقة من السياسات الاقتصادية الكلية، والمالية، والنقدية، والإدارية، التي تؤدي إلى تطوير الفعالية الاقتصادية الاجتماعية، وإصلاح الإدارة الاقتصادية وإطلاق قوى الإنتاج، وإتاحة أفضل الشروط لها للعمل بصورة تعالج اختلالات الاقتصاد، وتؤدي إلى تطويره، وتنوع هيكله، وتنشيط قدرته الذاتية على النمو المتواصل، وترفع مستوى الجهاز الإنتاجي، وقوة العمل، وتؤدي إلى تحسين إنتاجية العمل ورأس المال، ورفع متوسط نصيب الفرد من الناتج بشكل متواصل، وتوزيع الناتج بصورة عادلة، تضمن مكافحة الفقر، وتشكل آلية مستمرة لتطوير الطلب الفعال الضروري لحفظ الاستمرار والنمو الاقتصادي المتواصل، وبناء المؤسسات المستقلة لمنع ومكافحة الفساد.

مبررات اللجوء لبرامج الإصلاح

"
على الرغم من أن الظروف الاقتصادية كانت متشابهة للبلدان الخمسة التي شملتها الدراسة, فإن هناك عوامل أخرى أدت إلى اختلاف التعامل والنتائج مع برامج الإصلاح فيها
"

تعتبر مصر والمغرب من أسبق البلدان الخمسة التي شملها الكتاب في اللجوء إلى الصندوق والبنك الدوليين، وقبول أجندة برامج الإصلاح الاقتصادي، فالمغرب بدأ التجربة مبكرًا في النصف الأول من الثمانينيات، بينما مصر قبلت تطبيق هذه البرامج مطلع التسعينيات. ثم تشيكيا (التشيك) منتصف التسعينيات، وتلتها الهند نهاية التسعينيات، وكذلك تركيا التي حاولت تطبيق هذه البرامج عام 2000، وانتهي تطبيق برامج الإصلاح بفشل كبير، أدى إلى إعادة المحاولة عام 2002 مع مجيء حكومة العدالة والتنمية.

وعلى الرغم من أن الظروف الاقتصادية كانت متشابهة للبلدان الخمسة من حيث معاناتها من مشكلات اقتصادية، مثل تباطؤ معدلات النمو الاقتصادي، وزيادة معدلات البطالة، وارتفاع معدلات الديون الخارجية، وكذلك معدلات التضخم، فإن هناك عوامل أخرى أدت إلى اختلاف التعامل والنتائج مع برامج الإصلاح في البلدان الخمسة.

فمثلًا البنية الصناعية والعلمية والبشرية للتشيك، جعلتها تحصل على أفضل النتائج من تطبيق هذه البرامج. كما أن مساهمة هذه البلدان في مؤشر الصادرات عالية التقنية توضح البون الشاسع في إمكانيات وأداء هذه البلدان مع برامج الإصلاح الاقتصادي، فالأرقام التي ذكرها الكتاب تشير إلى أن الصادرات عالية التقنية قد بلغت في مصر نحو 85 مليون دولار فقط عام 2008 مقارنة بـ 858 مليونا بالمغرب، و6.4 مليارات بالهند، و1.8 مليار بتركيا، و18.2 مليارا بالتشيك نفس العام.

نجاح وإخفاق
يوضح الكتاب أن ظروف التطبيق كانت مختلفة في البلدان الخمسة، ففي مصر تم تطبيق نموذج الإصلاح الاقتصادي الليبرالي ولكن من خلال ضغوط خارجية وإقرار سلطوي داخلي، لم ينظر في تعديل شروطه، أو البحث عن طرق ملائمة للبيئة الاقتصادية والاجتماعية في مصر، كما فعلت بلدان أخرى مثل الهند التي كان لنقاباتها العمالية دور في تخفيف حدة الاستغناء عن العمالة في برامج الخصخصة، وتأمين حماية اجتماعية للعاطلين عن العمل –إعانة البطالة عام 2006 بلغت أجر مائة يوم في العام- على الرغم من حالة الفقر التي تعاني منها الهند، فضلا عن الحالة الديمقراطية وتداول السلطة التي تشهدها الهند، مما مكنها من غياب ظاهرة الفساد في برامج الخصخصة، وتعديل شروط تطبيق برامج الإصلاح الاقتصادي الليبرالي بما يتوافق مع ظروفها وبيئتها الاقتصادية.

"
نجحت التجربة التركية حيث اتسمت حكومة العدالة والتنمية بالنزاهة في استخدام القروض الخارجية، بينما كانت التجربة المصرية الأسوأ من بين التجارب الخمس
"

ونفس التجربة في تركيا منذ عام 2002، حيث اتسمت حكومة العدالة والتنمية بالنزاهة في استخدام القروض الخارجية، التي تضاعفت عما كانت عليه، ولكنها اُستخدمت بطريقة سليمة، وفي الأغراض المحددة لها، وأرجع المؤلف حالة تركيا وحسن تصرف حكومتها إلى تربص كل من الجيش والحركة العلمانية لأداء حكومة العدالة والتنمية.

ويتضح من سرد الكتاب للتجربة المصرية، أنها كانت الأسوأ من بين التجارب الخمس، وفي قراءة رقمية لبعض ما ورد بالكتاب لمعرفة المردود السلبي لتطبيق الإصلاح الاقتصادي الليبرالي في مصر، أشار المؤلف إلى بعض المؤشرات، مثل: تراجع معدلات الادخار كنسبة من الناتج المحلي من 16% عام 1990 إلى 14.6% في المتوسط خلال الفترة 2002–2010، وكذلك تراجع معدلات الاستثمار من 29% عام 1990 إلى 18% خلال الفترة من 2002–2010.

كما تراوحت معدلات التضخم بالفترة ما بين عام 2002 و2008 ما بين 15.5% و29.9%. وتراجع نصيب قطاعات مهمة في الناتج المحلي الإجمالي مثل الصناعات التحويلية حيث وصلت إلى نحو 16% عام 2008، بينما كان هذا المعدل 18% عام 1990.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل لم تراع الاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية في تحرير قطاع الزراعة والخدمات، مما ترتب عليه العديد من السلبيات، كما مورس الفساد بشكل كبير في برنامج الخصخصة، وفقدت الإحصاءات والأرقام الرسمية مصداقيتها، فبدأت متضاربة وغير مقبولة، سواء فيما يتعلق بمعدلات البطالة أو السكان أو معدلات النمو أو الاستثمارات الأجنبية.

"
التجربة الهندية متميزة من حيث توظيفها لبرامج الإصلاح في إطار أجندة وطنية، ولذلك تمكنت من تعظيم إيجابياتها من تنفيذها للإصلاح الليبرالي
"

وحقق المغرب بعض النجاحات المتمثلة في السيطرة على سعر الصرف، والدخول في صادرات عالية التكنولوجيا، فكان أداؤها الأعلى بين الدول العربية، وزادت معدلات الادخار الكلي، والاستثمارات الأجنبية، ولكن على الصعيد الآخر فشل المغرب في ظل برامج الإصلاح الليبرالي في أن يحقق معدل نمو مرتفعا ومستمرا لفترات طويلة، كما اتسم توزيع الدخل بعدم العدالة، فقد حصل أعلى 10% من السكان على 33.2% من الدخل القومي، بينما حصل أفقر 60% من السكان على 31.5% من الدخل القومي، كما استمر عجز الميزان التجاري في المغرب ليمثل ظاهرة تاريخية على حد تعبير المؤلف.

ويذهب المؤلف إلى أن التجربة الهندية متميزة من حيث توظيفها لبرامج الإصلاح في إطار أجندة وطنية، ولذلك تمكنت من تعظيم إيجابياتها من تنفيذها للإصلاح الليبرالي، فكانت النتائج الإيجابية في تطوير هيكل الناتج المحلي الإجمالي، وزيادة حصتها في الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وزيادة معدل المدخرات المحلية، إلا أن النتائج السلبية تتمثل في: سوء توزيع الدخل حيث حصل أفقر 20% من السكان عام 2004/2005 على نحو 8.1% من الدخل القومي، بينما حصل أغنى 10% من السكان في نفس العام على 31.1%، كما زادت أعداد الفقراء والعاطلين.

ويرصد الكتاب إيجابيات التجربة التركية، وبخاصة بعد عام 2002، في السيطرة على سعر الصرف للعملة الوطنية، وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية، والاستمرار في معدل نمو مرتفع، ويقلل من مخاوف زيادة الدين الخارجي، نظرًا لوضعه المقبول لقياسه بمؤشرات نسبته للناتج المحلي الإجمالي، أو نسبته إلى حصيلة الصادرات.

ويُرجع المؤلف حسن إدارة تركيا لديونها الخارجية إلى الشروط التي حصلت بها على القروض، ونزاهة حزب العدالة والتنمية رغم تربص الحركة العلمانية والجيش بالحكومة.

"
برامج الإصلاح الليبرالي لم تغير من بنية اقتصاد التشيك كبلد متقدمة صناعيًا، إلا أنها استطاعت أن تدفع بها لتحقق معدلات عالية في الصادرات عالية التكنولوجيا
"

ويرى المؤلف أن تجربة التشيك هي النموذج في التعامل مع برامج الإصلاح الليبرالي، حيث عانت في بداية التطبيق من الركود وارتفاع معدلات التضخم، إلا أنها استطاعت أن تخرج من هذه الحالة مطلع الألفية الثالثة.

ويذهب المؤلف إلى أن برامج الإصلاح الليبرالي لم تغير من بنية اقتصاد التشيك كبلد متقدمة صناعيًا، إلا أنها استطاعت أن تدفع بها بما لديها من ميزة نسبية لتحقق معدلات عالية في الصادرات عالية التكنولوجيا.

في الختام يستخلص القارئ من التجارب الخمس التي تناولها الكتاب أن لكل بلد طريقته التي تعامل بها مع هذه البرامج الليبرالية، فيمكن جعلها إيجابية وتحقق مصالحه، ويمكن جعلها نقمة وتزيد من تخلفه وفقره.

عرض/ عبد الحافظ الصاوي

المصدر

هذا المنشور نشر في عام. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s