الإخوان “الفكرة” و الإخوان “التنظيم”

2

هذه مقالة هامة تطرح إشكالية هامة حول الفكرة والتنظيم للدكتور سعودى حسنين ونشرت فى جريدة 25 يناير الإلكترونية :

أعتقد أن هناك فعلا اشكالية بين مفهوم الوطن و مفهوم الجماعة، فالوطن وعاء يتسع لجميع من فيه…المؤمن والكافر…المسلم والمسيحي، اليهودي والبهائي… اليميني واليساري…المتفق معي والمختلف

أما الجماعة فليست وطنا، وهي بالطبع لا تتسع للجميع، فالجماعة تتسع فقط للمؤمنين بمبادئها، والملتزمين بقراراتها.

كما أن هناك فرق أيضا بين الجماعة كمؤسسة وتنظيم وهيكل إداري، وبين الجماعة كفكر وثقافة ودعوة وتيار.

فالجماعة كفكرة وثقافة ومنهج إصلاح هي ملك للأمة جميعا وليست ملكا للتنظيم، وأفضل ما يقال عنها هو التعريف الذي قدمه الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح في تحقيقات القضية العسكرية حين عرف الإخوان بأنها “دعوة الإسلام السني الوسطي المعتدل في العصر الحديث”.

وبهذا التعريف تصبح الإخوان “الفكرة” ملك للأمة كلها وليست ملكا للإخوان “التنظيم” وكثير من الناس اليوم ينتمون للإخوان “الفكرة”  دون أن يكون لهم أي صلة بالتنظيم، ومنهم علماء وأزهريون ومفكرون وكتاب، وهذا الباب مفتوح لكل من آمن بفكر الإخوان، ولا يترتب عليه أي التزام تنظيمي أو حزبي أو مالي أو إداري وهو ما عناه د. عبد المنعم حين قال لو استقلت عن الإخوان سيكون استقلالاً إدارياً وليس فكرياً فالفكرة هي كياني وشخصي، وهذا الاستقلال “الإداري” لا يمنع الشخص قطعا من الدعوة إلى الله وفق منهج الإخوان لأن هذه الدعوة ليست حكرا على التنظيم ، وإنما هي ملك لكل مؤمن بها.

فإذا ما تحدثنا عن الإخوان كهيئة ومؤسسة وتنظيم فالأمر يجب أن يكون مختلفا تماما، فللمؤسسة نظم ولوائح وأدبيات وهياكل شورية وإدارية منتخبة لها الحق في دراسة كافة الأمور المطروحة على الساحة واتخاذ قرارات بشأنها ترى فيها مصلحة للجماعة أو للوطن، وعلى الجماعة أن تتحمل مسئولية وتبعات قراراتها، وعلى أعضاء التنظيم جميعا الالتزام بقرارات هذه الهيئات “المنتخبة” مع الحق الكامل في إبداء الرأي والنصيحة بل والاعتراض على بعض القرارات ولكن في إطار الضوابط الأخلاقية والتنظيمية التي “تعارف” عليها التنظيم وصارت من سمته ومن أدبياته ، وإلا لا تكون الجماعة جماعة ولا التنظيم تنظيماً،

ومن الظلم للجماعة أن تتحمل مسئولية وتبعات قرارات اتخذها بعض أفرادها دون الرجوع لمؤسسات القرار في الجماعة،  وهذا أمر متعارف عليه في كل التنظيمات المدنية والليبرالية  سواء كانت سياسية أو غيرها، فلا يجوز في حزب سياسي مثلا أن يتصرف الفرد بخلاف ما استقر عليه الحزب كتنظيم، ولذلك رأينا حزب العمال في بريطانيا يطرد النائب جورج جالاوي من عضوية الحزب لأن آراءه ومواقفه صارت مغايرة للموقف الرسمي للحزب، وايضا قيام حزب الوفد في مصر بتجميد عضوية أعضائه الذين نزلوا انتخابات المرحلة الثانية في مجلس الشعب 2010 بالمخالفة لقرار الحزب بالمقاطعة، وهذا ما يعرف في الحياه الحزبية ب”الالتزام الحزبي”، وهو من واجبات الحياة الحزبية ولكنه في الجماعات الدعوية أوجب، إذ أن الجماعات الدعوية تقدم نموذجا أخلاقيا انضباطيا قلما يوجد في عالم السياسة، كما أن أي أخطاء لمنتسبيها تتعرض لتكبير مجهري عالٍ ثم تنسب للدعوة ذاتها،

ومن ثم كان لزاما أن يكون الالتزام التنظيمي في الجماعات الدعوية أقوى وأشد، وليس في ذلك تعارض مع سماحة الإسلام أو قبول الرأي الآخر، فليس معني السماحة “تسييح التنظيم” وأن يفعل كل واحد ما يشاء ثم “يشرب” التنظيم تبعات هذا كله، وإنما السماحة داخل التنظيم أن يقول الجميع رأيه بحرية ومسئولية، وأن يطرح الرأي والرأي الآخر داخل المؤسسة، ثم يتم نقاش داخلي حولها، ثم يتم اتخاذ القرار النهائي الذي يكون ملزما لكافة أفراد التنظيم، وعلى الأفراد أن يكون لديهم من “السماحة” وقبول الرأي الآخر ما يجعلهم يلتزمون بالشورى التي اتفق الجميع على أنها  “ملزمة” وهذه إحدى تبعات الانتماء التنظيمي، وهو ما يجعل العمل الجماعي أشق من العمل الفردي، وتبعاته أكبر في الوقت ذاته، لأن ثمراته في النهاية تكون أعظم ولا شك.

فإذا ما ضاق التنظيم على بعض الدعاة، ولم يستوعب كل طموحهم الحركي والعملي، أو ضاق الفرد ذرعا بتبعات التنظيم ولم يتحمل مسئوليات العمل الجماعي، فلا مانع إذا من خروجهم “من” التنظيم دون خروجهم “عليه”، أي يبقوا حراساً للفكرة ودعاة لها من خارج أطرها التنظيمية، دون تجريح في مؤسساتها وقيادتها، أي أن الفرد لو ترك “التنظيم” سيتبقى له في الانتماء “للفكرة” متسع يستطيع أن يمارس من خلاله الدعوة والحركة دون أن يورط التنظيم في مواقف وتصرفات لم يدرسها أو يقررها، أو درسها وقرر غيرها، وهنا يجب على التنظيم أن يتقبل ذلك بصدر منشرح دون تشنج أو تخوين أو تشكيك، وأن يكون لدى الجماعة من السماحة وسعة الصدر أن تستوعب هؤلاء ولا تعاديهم، وألا تنظر إليهم على أنهم خونة أو معادين، وإنما هم “رسل فكرتها” وحاملوا منهاجها حيث ذهبوا، وفي ساحة العمل متسع للجميع، ويبقى التعاون للخير والمصلحة بين إخوان الفكرة وإخوان التنظيم قائما، وقديما قال الإمام البنا: كم منا وليس فينا وكم فينا وليس منا.

ولكن ليس من المقبول أن يبقى الفرد في التنظيم بينما مواقفه وتحركاته انفرادية، وهذا ما استقر عليه  د. أبو الفتوح حين ارتأى في ولوج انتخابات الرئاسة مصلحة للأمة ورأى التنظيم عكس ذلك، فكان له أن يترشح “منفردا” ولكن بعد أن يترك التنظيم حتى لا يورطه في موقف يراه ضارا بمصر أو بالتنظيم أو بهما معا، وكان للتنظيم هنا أن يسانده أو لا يسانده وفق رؤيته للمصلحة الوطنية ومصلحة الجماعة ، وهو القرار الذي درسته مؤسسات التنظيم واتخذت قرارا بشأنه، ولا ينبغي هنا أن يفهم بأن القرار موجه “ضد” أحد أبناء الجماعة وإنما هو قرار منسجم مع موقف الجماعة “المبدئي” بعدم تقديم مرشح لانتخابات الرئاسة لأسباب ارتأتها لنا أن نتفق معها أو نختلف، ولكن لكل جماعة الحق في أن تحدد مواقفها ورؤاها، وفق مصالحها ومبادئها أو ما تراه مصلحة للوطن وقتية أو دائمة. وليس عليها أي التزام أدبي بمساندة أي فرد فيها يتبنى قرارا شخصياً لم تقرره المؤسسات الشورية أو القيادية المنتخبة.

وأعتقد أن الالتزام بهذا المنهج الراقي عند الخلاف يمكن أن يشكل نموذجا رائعا يعلم الأجيال أخلاق الدعاة عند الاتفاق وعند الاختلاف.

يبقى هنا تساؤل هام، هل يكفي وجود التيار ويغني عن “التنظيم” أم أن التنظيم “ضرورة” لا يغني عنها التيار؟ هذا ما نتناوله في مقال قادم إن شاء الله

هذا المنشور نشر في الفقة الحركي. حفظ الرابط الثابت.

2 ردان على الإخوان “الفكرة” و الإخوان “التنظيم”

  1. يقول abo Elzahraa:

    مقالة اكثر من رائعة

  2. مقال جيد .. رفع فيه الكاتب وهو مشكور اللثام عن معنى التنظيم ومعنى الفكرة ومايز بين التزام كل منهما وتبعات ذلك..أحب أن يجيب في المرة القادمة عن تبعات الالتزام بالتنظيم بين مكتب الإرشاد في مصر وبين بقية الأٌقطار على أن يوضح لنا طبيعة العلاقة التنظيمية بين الأقطار جميعها وصلاحيات هذا وذاك .. أرجو الاستعانة بأمثلة حية كعلاقة مكتب الإرشاد بإخوان الجزائر ، اليمن ، موريطانيا، المغرب ، فلسطين ، الأردن ..

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s