"الإسلام والحكومة الدينية".. دراسة للأستاذ عمر التلمساني

 

دراسة رائعة نشرها موقع اخوان اون لاين للأستاذ عمر التلمسانى رحمه الله عن الحكومة الدينية وأضيفها إلى سلسلة المقالات عن الدولة المدنية والمرجعية الإسلامية :

   الحكومة الدينية شعار جديد بدأ يتردد على صفحات الجرائد بأقلامٍ لا يجهل أحد اتجاهاتها الفكرية، وميولها المذهبية، شعارٌ لا عهدَ للإسلام به، ولا يعرفه، بل ويُنكره، مبنًى ومعنًى؛ ذلك لأن الإسلام لا يعرف في تعاليمه رَجلَ دِين، وغير رَجُل دِينٍ، أو رَجُلٌ دَيِّنٌ ورَجُلٌ غير دَيِّنٍ، إنْ صحَّ في الأذهان مثل هذا الهُراء، فهل لي أن أتصور مفترضًا أن أصحاب هذا الشعار، يترآى في أذهانهم حال السلطة البابوية في القرون الوسطى، يوم أن كان البابا والمطارنة والقُسس يحللون ما يشاءون، ويُحرِّمون ما يشاءون، ويُدخلون الجنةَ من يريدون، ويقذفون في النار مَن يكرهون، يوم أن كانت صكوك الغفران والحرمان وشلح الناس من الكنيسة وبركاتها ورضاها، يوم أن كان غضب البابا على أي أميرٍ أو ملك كفيلاً بإثارة شعبه عليه وإشاعة الفزع في أوصاله.

أجلْ، وإلا فما كان لهم أبدًا أن يكتبوا للناس شيئًا اسمه الحكومة الدينية، ويخوفونهم منها، زعمًا منهم أن هذه الحكومة الدينية ستنتهي إلى مثل هذه الحكومة المسيحية في القرون الوسطى، من تمزقٍ وحروبٍ وحرمان وتكفير.

ما كان لهم أن يضعوا هذا الوصف، إذا كان حديثهم عن حكومة تحكم بشرع الله، الذي لا يقبل في الإسلام سواه.

إن هذه الصورة لا وجودَ لها في الإسلام على الإطلاق؛ لأن الله سبحانه وتعالى ساوى في الإسلام بين الناس جميعًا، رجالاً ونساءً، ساوى بينهم في كل شيء من ناحيةِ الحقوق والواجبات، وبين الحاكم والمحكوم، لا فضل لشيخ الأزهر- مثلاً- على بوابِ الجامع الأزهر، ولا فرق بين رئيس الجمهورية وبين الحارس الذي يقف على بابه، إلا في أمرٍ واحد جاءت به الآية الكريمة (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: من الآية 13)، وعرف المسلمون هذه الحقيقة وتعارفوا وتعاملوا بهذ الميزان، فرسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول لابنته السيدة فاطمة: "اعملي فإني لا أغني عنكِ من الله شيئًا"؛ أي رغم أني رسول الله وأقربهم منه وأحبهم إليه، فإن مكانتي هذه لا تنفعكِ بشيءٍ عند الله ولكن ينفعكِ عملكِ، ويقول للناس: (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) (الكهف: من الآية 110) ويؤكد هذا المعنى بأن يطلب صلى الله عليه وسلم من المسلمين أن يستقيدوا منه، إذا مسَّ أحدهم بسوء، وحاشاه، صلى الله عليه وسلم.

ومعنى هذا أنه وهو رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ورئيس الدولة ومفتيها، لا يملك لهم من الله شيئًا، وأن مكانته هذه لا تبيح أن يشقَّ عن صدور الناس ليعلم خباياها، وأنه يكفيه منهم أن يقولوا لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ليحقنوا دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وبهذه الصورة ينتفي تمامًا أن الرسول نفسه، صلى الله عليه وسلم، لا يحلل ولا يُحرِّم إلا طبقًا لما يُجيئه به الوحي من لدن رب العالمين، وأنه لا يملك أن يُدخلَ أحدًا الجنة أو يحرمه منها، ما دامت أوامر الله منفذة، ونواهيه مجتنبة، إذا كان ذلك كذلك، فكيف يبيح مسلم لنفسه أن يصف الحكومة التي تُطبِّق شرع الله، أنها حكومة دينية، وهو يقصد متعمدًا أن ينفر الناس من حكومة تشريعها مستمد من كتاب الله وسنة رسول، صلى الله عليه وسلم، والإجماع، وما انتهى إليه فقهاء العقيدة الإسلامية عند الكلام التشريعي في الدين الإسلامي، الدين الذي ارتضاه الله لعباده يوم أن قال جل وعلا: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ)(آل عمران: من الآية 19) يوم أن قال: إن الإسلام هو الدين الوحيد الذي تعبَّد به عباده وغير مرفوض (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) (آل عمران: من الآية 85).

وعلى هذ الصورة الدقيقة سار الخلفاء الراشدون من بعده، لم يدعوا لأنفسهم قداسةً، ولم يقولوا إن ذواتهم مصونة لا تُمس، ولم يختصوا أنفسهم بمزايا لا تستمتع بها الرعية، بل إنهم يعترفون صراحةً بأنهم ليسوا خير المسلمين، فهذا أبو بكر يقول في أول خطبةٍ له عقب توليه الخلافة: "وليتُ عليكم ولستُ بخيركم، فإن استقمتُ فأعينوني، وإن انحرفتُ فقوموني".

وما أظن بعد ذلك من دليلٍ أقطع على أن الحكومة الإسلامية تدعي لنفسها، ما ادَّعاه البابوات وخلفاؤهم وأتباعهم، ومن مزايا ترتفع بهم فوق مستوى الآخرين من أتباع الكنيسة، بل لما سمع أبو بكر بنات الحي الذي كان يُقيم فيه في أعلى المدينة، يندبون حظَّهم بعد توليه الخلافة، فيقلن: يا حسرتنا.. مَن سيحلب لنا منائحنا بعد أن تولَّى أبو بكر الخلافة؟؟ فيطمئنهن ويقول لهن: إني سأبقى على حالي معكن قبل أن أتولى الخلافة.

أهذا هو رئيس الحكومة التي تُحرِّم وتحلل وفق هواها، مدعيةً حقًّا ليس لها؟! أهذه هي الحكومة التي يخشاها أصحاب شعار الحكومة الدينية، خالطين بين العقيدة والشريعة؟! أهذا هو الحكم الذي يُنفرِّون الناس منه لحاجةٍ في صدروهم، ما عادت تخفى على أحدٍ من المسلمين أو غيرهم. إنها محاربة شرع الله الذي لا يبقي على فوارق بين الطبقات إلا بتقواه.

إن الأمر في هذه الصورة لم يقتصر على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وصاحبه أبي بكر، رضي الله عنه، فها هو عمر بن الخطاب يعرض نفسه وهو أمير المؤمنين على الرعية، طالبًا منهم تقويم اعوجاجه، فيصيح أحد الرعية قائلاً ومتحديًا: لو وجدنا فيك اعوجاجًا لقومناه بسيوفنا، فلا يغضب أمير المؤمنين رئيس الدولة ولا يثور، ولا يعتقل، بل يرد سعيدًا منشرحَ الصدر: "الحمد لله الذي جعل في أمةِ محمد مَن يقوِّم اعوجاج عمر بسيفه".

أهذه هي الحكومة التي تسمونها دينية وتخشون حكمها؟؟ أم في خيالكم أشباح الماضي السحيق الذي قرأتموه في التاريخ، ثم تحكمون على كل حكومةٍ تُطبِّق شرع الله، أنها حكومة دينية على هذا الغرار الذي تترآى أشباحه في أذهانكم!! أليس من الإنصاف أن تجعلوا للتاريخ الإسلامي نصيبًا في تقديراتكم مساويًا على الأقل لتصوراتكم في حكومات البابوية!!

إني أعيذكم أن تكونوا متعمدين تشويه صورة حكومة تحكم بما أنزل الله، أيًّا كان سيرها في الرعية، ولئن انحرف التطبيق أحيانًا فإن الأصل ثابت لم يتغير، فشرع الله كفيلٌ بتوفير الأمن والأمان والحرية والرخاء.

وجاء عثمان بن عفان بعد الشيخين، فحصلت في أواخر حكمه قلاقل، وحاصره بعض المناوئين له في داره، وأرسل إليه الصحابة يعرضون حمايته وتفريق المجتمعين، فيأبى تاركًا أمره لبعض شعبه يفعل به ما يريد، هذا هو الحاكم المسلم الذي لا يستعدي بعض شعبه على البعض الآخر، مضحيًا بحياته فداءً لوحدة الأمة، وعدم التقائها بسيوفها من أجله.

أهذه هي الحكومة التي تسمونها الحكومة الدينية، وتخشون أن تُحكم البلادُ بما أنزل الله، وسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم؟! أتجدون في عالمكم المتحضر حاكمًا يقف موقف ذي النورين من شعبه؟؟ لماذا هذا التعصب؟؟ وهذا التحامل على حكومةٍ تحكم بشرع الله، فتطلقون عليها من الأوصاف والأسماء، ما لا يعرفه ولم يسمع به الإسلام في تاريخه الطويل العريض؟! سيبقى شرع الله، وسينفذ ولو بعد حين فوفروا على أعصابكم احتراقها وعلى أقلامكم تهاويها.

وتولى علي- رضى الله عنه وكرَّم الله وجهه- الخلافة، وضربه أحد المتعصبين بخنجر مسموم، وأراد بنوه أن ينتقموا ويثأروا، فأبى عليهم مذكرًا بشرع الله الذي يطبقه في رعيته، وقال ما معناه: "إن شفيتُ ففي عقوبته التعزير، وإن متُ فلا تأخذوا فيَّ سواه واحذروا المُثلة".

أرايتم أسلوب الحكومة التي تحكم بما أنزل الله في شئون الرعية؟؟ هذا الجلال تنكرونه وترفضونه؟!

أما الحاكم الذي يُدبِّر مؤامرة وهمية لاغتياله لخلع شعبية مضللة على حكمه، فيعتقل الآلاف ويعذب وينتهك ويقتل مئات المئات لمجرد جريمة شروع في قتل؟! مثل هذا الحاكم تمدحونه وتحتفلون بمولده ووفاته؟؟ أهذه هي معايير التقدير والإنصاف عند الكتاب المثقفين المتحضرين؟!

إن أمركم لم يعد خافيًا على أحد، وإن أهدافكم مآلها البوار؛ لأنها أوهام مغرضة، ولن يبقى على الأرض إلا ما ينفع الناس، وما من شيء ينفع الخلق ما ينفعهم تطبيق شرع الله الذي تحاولون تشويهه بتلك الأوصاف التي لا وجود لها إلا في عقول مريضة بداء كراهية الحكم بشريعة الإسلام، ويا له من داء وبيل، لن تبرأوا منه إلا بالتوبة والإقلاع عنه لعل الله يهيئ لكم من رحمته مرفقًا.

لست أدري، هل عن عمد أو غير عمد، تسكتون عن مقومات ونظام وأسلوب الحكومة الدينية؟؟ ما هي؟؟ وما الأخطار التي تنجم عن توليها الحكم؟! وإذا كان الإسلام في تاريخه كله لا يعرف هذا الشعار ]شعـار الحكومة الدينية[ فلماذا تصرون على إلصاق هذا الوصف على كل مَن يطالب بحكومة تطبق شرع الله في هذا البلد المسلم؟!

كان جديرًا بكم أن تشرحوا للناس مفهومكم للحكومة التي تسمونها بالحكومة الدينية، وأنتم لا ينقصكم العلم والدراسة والكفاءة في الشرح والبيان. هل تسمون كل حكومة تطبق شرع الله في عباده، حكومة دينية؟! إذا كان هذا قصدكم لماذا لا تُفصحون عنه؟؟ وأنتم لا تنقصكم الشجاعة الأدبية في شرح آرائكم وأهدافكم ومناهجكم؟! قولوا لنا في وضوحٍ حتى نتبيَّن ما عندكم، فلعلنا نقتنع أو نقنع، فنلتقي على أمرٍ سواء نسد به ثغرة من الثغرات المتفتحة على المسلمين من كل جانب.

إن الحكومة التي تخشونها سبقت الحكومات التي تتغنون بها، فإن كانت هناك جمهوريات رئاسية وأخرى نيابية، فقد عرفت الحكومات التي تطبق شرع الله وزارة التفويض ووزارة التنفيذ، فلماذا تعجبكم تلك وتنكرون هذه؟! أهي المقارنة العادلة، أم هي الكراهية المردية تشجَّعوا وأفصحوا يا فرسان القلم، ويا غزاة الفكر بكل غربي ينال من الإسلام.

إننا نقرأ عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ونقرأ له، ونحن مؤمنون بكل ما نُقل عنه، صلى الله عليه وسلم، عن طريق الأحاديث الحسنة الصحيحة والمتواترة، هذا الرسول الذي نلتزم بكل ما صحَّ عنه يقول لنا: "إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تُودع منهم".. هل أرايتم أوضح من هذا في وجوب التزام الحكومة الإسلامية بالعدل والشورى، واجتناب الظلم والانفراد بالرأي؟! ووجوب قيام الشعب بواجبه نحو إلزام الحاكم بالتزام العدل والكف عن ظلم الرعية، ماذا يُراد من الحكومة والشعب اللذين يلتزمان بهذا المنهاج القويم؟؟ أليس هذا بأفضل من الانفراد بالرأي في ظلِّ الحكومات التي عانينا من ظلمها واستبدادها منذ عشرات أو مئات السنين؟؟ لماذا تسمون هذه الحكومات بالحكومات الدينية؛ تنفيرًا للناس من حكومة تُطبِّق شرع الله، إن الرسول الذي يحضنا على هذا السمو في التعامل بين الرعية وحكومتها الإسلامية، وحق الشعب في المطالبة بحرية الرأي والكلمة، فيقول: "إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يدفع رزقًا، ولا يُقرِّب أجلاً".

حكومة هذا الرسول الذي يقول هذا القول، تسمونها حكومة دينية؛ تشنيعًا وتشهيرًا وتنفيرًا. لماذا؟؟ ارحموا أنفسكم، واشرحوا لنا مبررات ما تقولون وإذا كانت الحزبية والمجالس النيابية ضمانًا للحرية، فإن الإسلام لم ينكر فكرة الشورى، ولكنه أمر بها، وترك لكل عصرٍ أن يضع الشكل الذي تتم به الشورى؛ طبقًا للتطورات والأحداث التي تستجد جيلاً بعد جيل.

إن الحكم الذي يطبق شرع الله كفل الحرية التطبيقية للشعوب، ومنع الحاكم من التجسس على أفراد الرعية، وفي ذلك يقول رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "إن الحاكم إذا ابتغى الريبة في الرعية أفسدهم"، وقد عجز عمر بن الخطاب عن إقامة حدِّ الخمر عندما وصل إلى ذلك عن طريق التجسس، ودخول المنازل دون إذنٍ من أصحابها.

إذا تحدد هذا، وثبت أن علماء الإسلام الصالحين كانوا يواجهون حكام المسلمين بأخطائهم وظلمهم، واثقين بأنه ليس لهم في الدنيا ما يخافون الحاكمَ من أجله، وليس عند الحاكم في الآخرة ما يرجونه له، إنهم كانوا يُحذِّرون الحاكم من بطانة السوء، الذين لا ينصحونه حرصًا على الدنيا.

وإذا ثبُت أن الحاكم المسلم مقيدٌ بشرع الله الذي لا يظلم ولا يحابي ولا يجور.. ثبت على وجه القطع واليقين أن الحكومة الإسلامية، التي اخترعوا لها اسم الحكومة الدينية، هي خير الحكومات على وجه الأرض.

إذا ثبت هذا كله- وهو ثابت لا شك ولا جدال- انهارت حجج الكارهين لحكم الإسلام، تحت شعار الحكومة الدينية، مثل واحد من آلاف الأمثلة على التعامل بين الحاكم والمحكوم في الدولة التي تنفذ شرع الله، جاء أعرابي إلى أبي بكر يقول لقد أصبت صيدًا وأنا محرم؟ فالتفت أبو بكر إلى أُبي بن كعب، وكان حاضرًا مجلسه هذا، وقال له: ماذا ترى يا أُبي؟ فاستشاط الأعرابي غضبًا، وقال مؤاخذًا أبا بكر: جئتك وأنت خليفة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، اسألك، فإذا بي أجدك بدورك تسأل؟ فلم يغضب أبو بكر ولم يقابل ثورته بمثلها ولم يعنفه، ولكنه قال له، وفي غاية الهدوء: يا أخي إن الله يقول: }فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ{ (المائدة: من الآية 97) فاستشرت أخي حتى إذا ما أجمعنا على شيء، أمرناك به.

فهل رأيتم فيما قرأتم مثل هذا الموقف السامي الجليل في الحوار بين حاكم عادل، ومحكوم متعجل؟؟ قولوها واضحة ماذا تريدون، حتى يعرفكم الناس على حقيقتكم، وحقيقة موقفكم من الإسلام، أم أنكم تهاجمون شرعنا كما تشاءون حتى إذا شرحنا لكم ووضحنا وأبنا الخطأ في موقفكم، لطمتم الخدود على الحرية المهدرة، وشققتم الجيوب خوفًا من الإرهاب الفكري، وغير ذلك مما تخترعه أفكاركم المسممة بكراهية الإسلام وكل ما ينتسب إليه. هداني وهداكم الله.

لعل أكبر الأسباب التي دعت هؤلاء الناس، إلى ابتداع شعار الحكومة الدينية، هو فزعهم من ظهور المدِّ الإسلامي، ويوم أن أهاب الإمام الشهيد حسن البنا أول مرشد للإخوان المسلمين، يوم أن أهاب بالمسلمين أن أمتكم خير أمةٍ أخرجت للناس، تهدي وتصلح وترشد وتُقِّوم وتقوي، كي يستعيدوا مكانهم على الأرض عزةً ومنعةً وتقدمًا ورقيًّا وحضارة، منذ ذلك الحين وصرخات محمومة، بأقلام مريبة على صفحات من الجرائد التي تشكك في كل ما هو إسلامي، محذرًا الناس من قيام ما يسمونه خداعًا بالحكومة الدينية، قياسًا على الحكومة البابوية.

إن الحكومة الدينية تعبير مستحدث لم يرد في كلام ومؤلفات أي واحد من فقهاء المسلمين، الذين عنوا بالحكم ومقوماته، إنهم لم يعرفوا شيئًا اسمه الحكومة الدينية، ولكنهم تعرَّضوا لحكومة تطبق شرع الله، وهو المطلب الذي ينادي به الإخوان المسلمون منذ قيامهم بدعوتهم الطاهرة النقية البريئة، إنهم تحدثوا عن حكومة يتساوى أمامها خلق الله جميعهم، حاكمهم ومحكومهم، لا يتفاضلون إلا بمقدار تقواهم لربهم العلي القدير، تأسيسًا على أن كل مسلم هو رجل دين، فحكومته حكومة إسلامية؛ لأن أشخاصها مسلمون متدينون، حتى ولو جرف بعضهم شيء من الانحراف أو الأهواء.

لقد كان في الإسلام حكام ظلمة طغاة، حدثنا عنهم التاريخ في كتب السير، وقد كان من بينهم الحجاج بن يوسف الثقفي، ولكن هؤلاء الطغاة كانوا رجَّاعين إلى الحق إذا ما ألقى به أمام أعينهم، ولم يكونوا كالظلمة الذين يسَّبح النفعيون بحمدهم، والذين لا يرجعون إلى الحق مهما كان واضحًا وجليًّا.

وهكذا يقوم الفارق قاطعًا للشك بين حكام يطبقون شرع الله، حتى ولو ظلموا، حتى ولو سميتم حكومته بالحكومة الدينية، وبين حكام لا يطبقون شرع الله مهما أطلقتم عليهم من صفات العدالة والإنصاف والحريات. إنه لا عدالة بمعناها الصحيح إلا في شرع الله، ولا إنصاف بمعناه السليم إلا في شرع الله، ولا حرية بمعناها الشامل الكامل الذي يحفظ كرامة الفرد ومصلحة المجتمع إلا في شرع الله. إنها حقيقة ناطقة شكلاً وموضوعًا مهما حاول أصحاب الأهواء أن يلقوا عليها من ظلال أو غبش.

إن في الناس عقولاً تفهم فتقدر فتحكم، وهذا ما يمزق أغراض المغرضين، بعد ما رأوا أن المد الإسلامي أخذ طريقه بعون الله محطمًا في طريقه كل ما يعترضه من عقبات كتابية أو دعائية، والله غالب على أمره إن كانوا لا يعلمون. وبارك الله في هذا الجيل الصاعد الطامح الذي لا يرضى إلا بدينه، وشرع الله، قرآنًا عن الحجاج ومظالمه، فانظر إليه كيف يخضع للحق إذا ما ووجه به في جرأة واعتداد. أرسل الحجاج إلى بشر بن يعمر يقول له مهددًا: أأنت الذي تزعم أن الحسن والحسين من ذرية رسول الله، وأن ذلك في كتاب الله، وقد قرأت كتاب الله كله فلم أجد، فرد عليه بشر بن يعمر متحديًّا: أقرأت سورة الأنعام عند الحديث عن سيدنا إبراهيم عليه السلام: }وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلًا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنْ الصَّالِحِينَ{ (الأنعام: الآيتان 84،85) وأنت تعلم أن عيسى ليس من ذرية إبراهيم فماذا تقول؟! فلم يسع الحجاج إلا أن يخضع للحق، فيرسل إليه: أن صدقت.

هذه صورة بسيطة من صور حكام المسلمين حتى الظلمة منهم، الحكام الذين تسمون حكومتهم بالحكومة الدينية تشكيكًا للمسلمين في نصاعة شرعتهم الربانية. فحسبنا الله ونعم الوكيل منكم، وستعلمون غدًا أي منقلب تنقلبون.

إن الإسلام لا يعرف شيئًا اسمه حكومة دينية في سياسته لأمور الرعية، فلو سلمنا جدلاً بشعار الحكومة الدينية، على شريطة أن تحكم بما أنزل الله وما قرره رسوله عليه عليه الصلاة والسلام، ما الذي يضير لو قامت حكومة بهذا الشرط أيًّا كان اسمها؟! ما الأخطار التي يتعرض لها الوطن والمواطنون؟!

إن الإسلام بيَّن حقوق الحاكم والمحكوم، كما بيَّن واجباتهما على السواء؟؟ لا شيء على الإطلاق إلا ما يتبجح به هؤلاء الكتاب من انحرافٍ لبعض حكام البلاد الإسلامية، الذين يدَّعون أن حكومتهم إسلامية. إن العيب ليس عيب الإسلام، ولكنه عيب الحكام الذين يدَّعون تطبيقه، وهم أبعد ما يكونون عن هذا التطبيق التزامًا وسلوكًا وتنفيذًا، إنني لا اتهم هؤلاء الكُتَّاب في عقيدتهم ولا أجرؤ على إخراجهم من دائرة الإسلام، إلا إذا أنكروا معلومًا من الدين بالضرورة.
إن اتهام المسلم في عقيدته جرأة على الله، لا أقربها، ولا أحب لأحد بأن يرددها، مهما ارتكب من المعاصي. وهنا أقول: إن الاجتهاد لم يقفل بابه إذا توفرت شروطه، التي أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، نقلاً عن كتب الأصول:

1- العلم بالدلالات.

2- العلم بظهور المعنى وخفائه.

3- العلم بالمشترك.

4- والعام والخاص.

5- والمطلق والمقيد.

6- والمنطوق والمفهوم.

7- والأمر والنهي.

8- والناسخ والمنسوخ.

9- والحكم عند تعارض الأدلة.

10- عادات العرب وعلاقة التشريع بها وبكل حالاتهم الاجتماعية.

11- أسباب نزول الآيات.

12- ورود الأحاديث.

13- والمتن والمسند.

14- الإحاطة الكافية باللغة العربية.

15- واختلاف اللهجات.

فهل توفَّر شيء من هذا عند المتعرضين للكلام في الإسلام بحجة الاجتهاد، فيحللون ويحرمون ويبيحون ويمنعون ما لم ينزل به من الله برهان؟؟ لا يا سادة، فإن التعرُّضَ لهذه المعضلات ليس بالأمر المباح لكل من هبَّ ودبَّ، وقال يا رب مدعيًّا الاجتهاد.

إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حدد الحاملين للعلم في هذا المجال فقال: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين"، وأنتم في هذه الناحية، لستم عدوله، لا طعنًا في كفاءاتكم، ولكنكم درستم النظريات والآراء الوضعية بتوسع وإتقان، ولم تدرسوا من الإسلام وعلومه إلا القشور، بدليل ما تكتبون عن الإسلام.

ويوم أن جاء إلى المدينة مَن يدعى صبيغ، وأخذ يناقش في المتشابه، وبلغ ذلك عمر بن الخطاب، استحضره وقال له: من أنت قال: أنا عبد الله صبيغ، قال عمر: وأنا عبد الله عمر، وأخذ يضربه بعراجين النخل على رأسه، حتى صاح الرجل: حسبك يا أمير المؤمنين، فقد ذهب الذي في رأسي، فنفاه من المدينة.

وفي غاية الإيجاز أعرض للحكومة الإسلامية، ودورها في الحكم، استكمالاً للموضوع، فإن صحَّ ما أقول، فانزلوا عند كلمة الحق، وإلا فصفحات مجلة (الدعوة) تستقبل وتنشر لكم كل ما تريدون، وللأمة الإسلامية أن تقول كلمتها، ثم الرأي الأعلى والأول والأخير لمن بيده ملكوت كل شيء.. (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) (الأحزاب: من الآية 4).

الحكومة الإسلامية، هي التي تُطبِّق شرع الله كاملاً غير منقوص، فهل لأحدٍ على هذا اعتراض، مقدرةً أن التحريم والتحليل ليس إليها، ولكنه لله، وأنها لا تملك إدخال أحد الجنة أو قذفه في النار، وأن مسئولية الحاكم أمام الله أضعاف مسئولية أي فردٍ من رعيته، فهو إذا جار أو ظلم كان أتعسهم حظًّا يوم القيامة، وهو إن استقامَ وعدلَ كان أوفرهم أجرًا يوم الحساب.

ليس من حقِّ الحكومة الإسلامية أن تعتقل أو تحبس أو تُعذِّب أو تقتل أو تؤمم أو تصادر أو تستولي على مال أحد، إلا في حدود ما أباح لها الله ذلك، وأنها تصرف سياستها في حدود ما أنزل الله، في حكمةٍ ودقةٍ تتناسب مع ظروف العصر وملابساته، كل ذلك داخل حدود الحل والحرمة، وقد ثبت هذا عملاً.. فرسول الله، صلى الله عليه وسلم، الذي جاء بعقيدة التوحيد، صلى إلى الكعبة وعلى سطحها ما يزيد على الثلاثمائة صنم؛ لأن الوضع كان يقتضي ذلك، وجاء أبو بكر فحارب مانعي الزكاة خشيةَ أن يهتز أساس تشريع الزكاة في نفوس المسلمين، وفي ذلك من الإضرار بالمجتمع الإسلامي ما فيه، وتبعهما عمر بن الخطاب، فأوقف حد القطع في أعوام الرمادة، كما استخدم بعض الذميين في بعض شئون الدولة، وجعل في دواوينه الكثير من الروم؛ لأن المسلمين لم يكونوا قد تمرَّسوا بمثل تلك الأعمال حينذاك.

أليست هذه إنجازات رائعة للحكومة الإسلامية؟؟ ولقد انتبه العالم المتحضر أخيرًا إلى أهمية النقابات في الدفاع عن حقوق أفرادها، ورأوا ذلك قمة في العدل والإصلاح، فقد سبقتهم الحكومات الإسلامية في هذا المضمار بمئات السنين؛ إذ كان لكل أبناء حرفة في الدولة الإسلامية نقيب، يرعى مصالح أبناء حرفته، فهذا حي النحاسين، وهذا حي المغربلين، وهذا حي الفحامين، وغيره وغيره وغيره، ترى أي نقص يعتري دولة تحكم بشرع الله، بعد أن كانت أستاذة لدول العالم المتحضر في كل شيء. حتى الطرقات كان لها نظام، والحوانيت والدكاكين كذلك.

وطالما نبَّه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المسلمين لحقوق الطريق، وقد قام عمر بن الخطاب بإزالة كل الميازيب التي تطل على الطريق، ووضع الحكام المسلمون بعد ذلك اللوائح والقوانين التي تحمي مصالح الأفراد العاجلة، ولعل من هذا القبيل نظام المحتسب ونظام قاضي السوق. أكل هذا تغفلونه فلا تذكرون إلا أن الحكومة الدينية شيء فظيع؛ لما ترونه من بعض الانحرافات في بعض الدول أكثرها تقوم على الأغراض الملتوية، والشائعات غير الصحيحة، انظروا إلى حكم الله وشرعه، ولا تنظروا إلى من انحرف فتعتبروه مقياسًا تقيمون عليه محاربتكم لتطبيق شرع الله، بمثل شعار الحكومة الدينية. اللهم أنر بصائرنا حتى لا نرى سواك فنخضع له ونتبع أوامره ونجتنب نواهيه.

ماذا تنكرون على حكومة إسلامية يقول نبيها، صلى الله عليه وسلم،: "والذي نفس محمد بيده لتأمرُنَّ بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر، ولتأخذُنَّ على يد السفيه، ولتأطرنه على الحق أطرًا، أو ليضربنَّ الله بقلوبِ بعضكم على بعض، ثم ليلعنكم كما لعنهم"، ويقول: "ما من قومٍ يُعمل فيهم بالمعاصي، هم أعز وأكثر ممن يعمله، لم يغيروه إلا عمَّهم الله بعذاب".

ومن أعز وأكثر من الحكومة القائمة بالأمر، أتنكرون هذه الحكومة؟ وترضون حكومة تحمي البغاء! وتبيح القمار وتفسح المجال للحانات والكباريهات؟! إن قلتم نعم، فأنتم أهل فسق، وإن قلتم لا فأي شيء تنكرون؟!

إن الإسلام يهتم بالأمة في مجموع تشكيلها، ويرضى بالحكم الذي يطبق شرع الله وما دام مستقيمًا ولو في الظاهر على الأقل لا يجاهر بمعصية. ومعنى هذا أن الفوارق الطبقية لا وزن لها أمام تقوى الله. فقد كان أبو بكر تاجر حبوب، وعمر تاجر أقمشة، ومع ذلك فقد حكموا الأغنياء وسادة قريش وغيرهم من العرب والروم والعجم عن طريق الاختيار. وبلغ من دقة الإسلام في التنظيم ووحدة الكلمة وجمع الشمل أن أوصى الرسول، صلى الله عليه وسلم، بالتأمير في حيز الثلاثة؛ حيث يقول ما معناه: إن كنتم ثلاثة فأمروا عليكم واحدًا منكم. وليس بعد هذا من نظرة أسمى وأدق من هذه النظرة، في حفظ الاستقرار ورعاية المصلحة.

الحكومة صاحبة هذا التنظيم البدهي يسميها المغرضون بالحكومة الدينية، لا لشىء إلا تشكيكًا في صلاحية الإسلام وتشريعة لحكم البلد المسلم؛ خوفًا من أن يحاسبهم الحاكم بشرع الله على احتساء الخمر ولعب الميسر، وانتشار الفحشاء التي يحرصون على انتشارها عن طريق كل أجهزة الإعلام، في وقاحة وتحدٍّ لكل أوامر الله جل وعلا، ومشاعر المسلمين المقهورين على تقبل هذا السوء الذي تحميه حكوماتهم، وأنا لا أغالي، فقد كتب الكثيرون من الصالحين في هذا الأمر، وألحوا في المطالبة بتغير هذه البرامج ولكن لا استماع ممن بيدهم هذا التغير.. وماذا عسى أن نسمي مسئولاً يرى شرر المعاصي يتطاير من تلك الأجهزة، فلا يعمل على أخماده، هو يسمع صراخ الصالحين المصلحين فلا يستجيب، وكأن في عينيه رمادًا وفي أذنيه صممًا.

إني وربي لأخشى، تحت هذا الفهم أن تدركنا النذر التي تحدث عنها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فيما يرويه عنه ابن عمر: "والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى يبعث الله أمراء كذبة، ووزراء فجرة، وأعوانًا خونة، وعرفاء ظلمة، وقُرَّاء فسقة، سيماهم سيماء الرهبان، وقلوبهم أنتن من الجيف، أهواؤهم مختلفة، فيفتح الله عليهم فتنة غبراء مظلمة فيتهاوكون فيها".. "والذي نفس محمد بيده، لينقضن الإسلام عروة عروة، حتى لا يقال الله.. الله".. "لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم شراركم يسومونكم سوء العذاب، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم".. "لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليبعثن الله عليكم من لا يرحم صغيركم، ولا يوقر كبيركم".

حقًّا إني أسال الله ضارعًا ألا تدركنا ويلات هذا الحديث بسبب ما تكتبون مناهضين لقيام حكومة إسلامية تحكم بما أنزل الله؛ محتجين بشعار الحكومة الدينية.

الحكومة الإسلامية، التي تعرف واجبها، وتقدر مهمتها، تأخذ الإسلام على أنه عمل جاد، ودأب متواصل، لتقويم حضارة فاضلة عزيزة منيعة، مليئة بالروحانيات والأخلاق، وليسود في العالم سلام ضلَّت طريقه كل الدول التي تتغنون بأمجادها وتاريخها، وكأنما الإسلام لا أمجادَ له ولا تاريخ!!

ما أتعس حظ أمة، يتنكر بعض مفكريها لأدوارها الماجدة في هذه الحياة، يتنكرون لأمةٍ حافظت على الحضارات القديمة، بترجمتها لكتب المنطق والاجتماع والفلسفة، التي أوصلت الغرب إلى ما هو عليه، بعد أن أهملنا كل أسباب العزة والإبداع، وليس للإسلام ذنب في ضعف أبنائه؛ لأنهم هم الذين تنكروا لتعاليمه؛ فعمهم الضعف والفقر والمرض.

لم يحدثنا التاريخ عن أمة رحيمة مجيدة، ما حدثنا عن الحكومات الإسلامية في تعاملها مع خصومها ومحاربيها، إن الحكومة الإسلامية إذا حاربت لم تُحارب إلا دفاعًا عن حقها في تبليغ كلمة الله إلى الناس أجمعين، وفي حربها لا تتجاوز المعنويات الإنسانية الحقة، فهي تدفع الأعداء بمثل ما اعتدوا به بلا إمعان في الانتقام، لا تنتهك حرمة، ولا تعتدي على عرض ولا تتبع الفارين، ولا تُجهز على المجروحين، ولا تعذب المأسورين، مَن الذي لا يرضى عن قيام حكومة إسلامية على هذا الغرار، إلا عديم الإحساس، سقيم الوجدان؟!.

ما الذي يزعجكم من قيام حكومة إسلامية؟ تطبق دستورًا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، دستورًا لا يميل مع الأهواء، ولا يخضع للنزوات والأغراض، تنزيل من لدن حكيم عليم، إن ترك التشريع للبشر ظلم ما بعده ظلم، ذلك أن الظلم من شيم النفوس، فإذا شرع الفرد، فهو ناظرٌ إلى مصلحته أو مصلحة طبقته، أما شرع الله فهو لمصلحة البشر جميعهم، مسلمهم وغير مسلمهم؛ ليسود السلام في ظل سيادة العقيدة.

إن الفرد مُعرَّض للجهل أو الحمق أو الغرور أو التعصب أو الظلم، فأي ضمان لترك التشريع لمن هذا هو حاله؟ لقد قامت في مصر دساتير وضعية، أنكرها الجميع أو الأغلبية الساحقة، ثم ألغيت دستورًا بعد دستور، وكل حاكم يأتي بدستور يُمكِّن له في الحكم، ويفرده بالتصرف في شئون الرعية، مهما ذكر فيه من حرية وأمان، ولقد ذقنا الأمرَّينِ من كل هذه الدساتير، هل يترك التشريع لعامة الناس، ولهم أهواء، وفيهم شطحات، وبينهم خلاف، وهم أوزاع، فمن أين تأتي عدالة التشريع في مثل هذه الصورة؟؟! أيُترك التشريع لمجلس الشعب، وفيه الـ51% والـ49%، مَن يضمن عدم تحكم فريق ضد فريق؟ ولقد لمسنا بأنفسنا، ما عادت به هذه النسب من عداوات بين أهل الوطن الواحد، كل ذلك بحجة تذويب الفوارق، وتكافؤ الفرص، والقضاء على التفاوت الطبقات، وهي الأمور التي حرص الإسلام على تثبيتها وتدعيمها بأعدل تشريع وأدق نظام.

ومن هنا يتبين وجوب أن يكون التشريع صادرًا من جهة لا تظلم ولا تحابي، إنها الذات العلية، التي أوجدت هذا الكون بما ومَن فيه، ذات علية تعلم ما يضرُّ وما ينفع، ذات لا تنزل إلى الأرض ولكنها تُرسل الرسل ومعهم الكتب والموازين التي تخرج الناس من أدغال الاستبداد إلى بساتين الحرية والأمان، تُخرجهم من الاستعلاء إلى المساواة، ومن الأثرةِ إلى الإيثار، ومن الكسل إلى العمل، ومن التواكل إلى التوكل، ومن الخيانة إلى الأمانة، ومن الحضيض إلى القمة، ومن الذلة إلى العزة، أليس من صالح الناس، ألا تتحكم طبقة في طبقة؟؟ أليس من صالح الشعوب والأمم، أن يتوحد مصدر تشريعها، حتى لا تتخالف أهواؤها، وتقوم المنازعات والحروب بينها؟؟ ما عيب حكومة إسلامية تسير هذا السير الحميد؟! أهذا خيرٌ أم التقلب في مختلف الدساتير بين حين وحين؟! أنرضى بالخضوع لبشرٍ مثلنا، ونتعالى على الخضوع لمن خلقنا ورزقنا وأبدع تكويننا، وفي يده وتحت سلطانه كل شيء؟! كيف تفكرون يا جهابذة؟!

وماذا تريدون يا دعاة التقدم ولا تقدم؟!! أليس ثبات التشريع بصفة مستمرة خير من تغير الدساتير حينًا بعد حين، في حين لا جدال في تشريع رباني ولا موازنة بينه وبين تشريع وضعي.

إن المال الذي من أجله يتحارب الناس، قد بين إدارته والتصرف فيه صاحبه، وحدد للحكومة الإسلامية وجوه الإنفاق والتداول والتعامل، إن كان في يدها أو يد أحد أفراد من شعبها، لقد قرر الله في كتابه أن المال مال الله، وأن الناس مستخلفون فيه، فهو إذًا حق لكل أفراد الشعب وفيه حق معلوم، للسائل والمحروم، وبهذا تندك حجة الرأسماليين والاشتراكيين والشيوعيين، أو ما شئت من أسماء ومسميات، هذا المال الذي تستبيح من أجله الحكومات الظالمة، كل حق وعدل، وفق أهواء حكامها ونزواتهم.. دماء وحروب وظلم واغتصاب واستبداد وخراب وتدمير.

إن هذا المال ملك للغني الحميد، والحكومة الإسلامية تلتزم بما يأمر به صاحب التشريع العليم الخبير، فالعدالة إذًا قائمة، والاجتهاد الفردي له ضوابطه.. يغتني الغني كما يشاء، ما دام يغتني من حلال، ويتصرف فيه كما يشاء حسبما يروق له ويحلو، ما دام يؤدي حق الله فيه، بلا سرفٍ ولا إسراف، ولا رعونة ولا جهالة، وينبني على ذلك أنه ليس في ظلِّ حكم الحكومة الإسلامية فقر مدقع أو مجاعات؛ لأنه إذا جاع المسلمون فلا مالَ لأحد، أإن قامت فينا حكومة إسلامية على أساس من هذا المنهاج الجليل الجميل، نشكو لطوب الأرض، من خطر قيام حكومة إسلامية ؟! ترى ماذا أقول لكم، وأنا الحريص على مشاعركم، المصدق لإسلامكم، إني لا أطالبكم إلا بشيء من الإنصاف، والتجرد من كل دافع، إلا ابتغاء وجه الله.

في كل دولةٍ من دول العالم أقليات، فهل يمكن للباكين، أن يتحدّوني بأن هناك أقليةً تستمتع بما تسمتع به الأقليات في ظل الحكومة الإسلامية؟ أم أنهم يبكون دون مبرر للبكاء؟ إنى لا أتعرض لنياتهم، فذلك أمر مرده إلى الذي يعلم السر وأخفى، ولكني لا أرضى لهم هذا البكاء، وهذا من حقي، إعمالاً لحرية الرأي، التي بلغت في ظلِّ الحكومات الإسلامية، مستوى لن ترقى إليه مجتمعات اليوم؛ وذلك أن القوي الأقوى، الكبير الأكبر، الذي لا حدَّ لقدرته وسلطانه، ترك الحرية المطلقة لعباده الذين خلقهم ورزقهم في الإيمان به أو عدم الإيمان به فقال: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر﴾،وليس بعد هذا حرية لإنسان، إن الأقليات منذ بدء التاريخ إلى اليوم، لم تسعد بأمن واستقرار وحرية عبادة، وحرية معاملات شخصية ومالية وعقيدية، كالذي سعدت بها في ظل الحكومات، الإسلامية، ولولا الإسلام وحكوماته، لما بقى يهودي واحد على وجه الأرض في العصور الوسطى، هل هناك دولة قوية متحضرة بها أقلية مسلمة، عينت مسلمًا وزيرًا من بين وزرائها؛ ولكننا نرى في ظلِّ الحكومات الإسلامية، مسيحيين أو أرمن تولوا رئاسة الوزارة والوزارات ورئاسة مجلس النواب، وتملكوا العديد من العمارات والآلاف من الأفدنة، بل لا أكون مغاليًا إذا قلت إنه جاء وقت على مصر كان كل المستوردين للأقمشة بالجملة، كانو جميعًا من اليهود.

إن القانون الذي يُطبَّق على الأغلبية هو هو بحذافيره الذي يُطبَّق على الأقليات في تكافؤ الفرص وتولي الوظائف من أصغرها إلى أكبرها، بلا تفرقةٍ ولا تمييز ولا إجحاف، إنك لترى عشرات المسلمين في مكاتب وعيادات ومستشفيات المسيحيين بلا حساسية، إذا اعتدى مسلم على غير مسلم عُوقب بمثل ما يُعاقب في اعتدائه على مسلم.

وقد روى الحسين بن محمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل مسلمًا بكافر، وقد ضرب عمر بن الخطاب ابن والي مصر، لأنه ضرب قبطيًّا، هذا إلى أن الحكومات الإسلامية قمة في تنفيذ المعاهدات، والالتزام بمراقبة بنودها نصًّا وروحًا.

لقد أمرنا قرآننا أن ننبذ إليهم على سواء، وأن نفي بالعقود أيًّا كانت هوية الذي تعاقدنا معه أو عاهدناه ووفاء الرسول صلى الله عليه وسلم ببنود صلح الحديبية أكبر شاهد على ذلك.

موضوع المرأة الذي يقيمون الدنيا دون أن يقعدوها، حسرة على حالها في المجتمع الإسلامي، وضياعها فيه، وهضم كل حقوقها، وجعلها في زوايا الإهمال والنسيان، هل هم حقًّا جادون في ذلك؟ هل قرءوا عن مكانتها في الإسلام، فوجدوها الجنس المضيع المحتقر؟ فقاموا يدافعون عنها، ليجعلوها في مكانة المرأة الغربية تبذلاً واستهانةً بكل القيم الفاضلة!!.

مهلاً يا سادة.. إن المرأة في ظل الحكومة الإسلامية، لها مثل الذي عليها بالنسبة للرجل، كن يفتين ويتصدرن مجالس العلم، ويعلمن ويروين الحديث وينشرن الدين في كل الأوساط والمناسبات، خرجت الصديقة بنت الصديق لتحجز بين فريقين متقاتلين من المسلمين، ويتردد عليها الكثيرون من الرجال سائلين ومستفتين ومستبينين، وكانت زينب بنت أم أبي سلمة أفقه نساء عصرها، وكانت إحدى نساء بني أسد- ولا يحضرني اسمها الآن- تدخل بيوت المشركين لتبلغ الدعوة إلى النساء حتى ضاق بها المشركون فنفوها من مكة.

المرأة المسلمة تتصرف في مالها كيفما تشاء دون التوقف على إذن من زوجها، وتعمل في المجالات التي تتناسب مع أنوثتها، وتكوينها الطبيعي.

كانت امرأة عبد الله بن مسعود تعمل للإنفاق على زوجها وأولادها، وكانت أم المؤمنين زينب بنت جحش تعمل في الأدم الطائفية الممتازة، وتبيع وتتصدق، ونعم لهوها في بيتها المغزل، وليس "الريميل" و"الروج" و"المانكير"، ألا ترضى أن تحتفظ المرأة بعفافها وطهرها؟! لقد قرأت من بين ما قرأت أن المرأة لا يمكن أن تماثل الرجل في كل شيء؛ لأنها تخالفه في التركيب العضوي، كما ثبت علميًّا أن أنسجة جسم الرجل تختلف عن أنسجة جسم المرأة، وأن كل خلية في جسم الأنثى تحمل طابعًا أنثويًّا.

إن القول بمساواة الرجل بالمرأة، مخالفٌ كل المخالفة الطبيعية الربانية، إن الإسلام يساوي بينهما في الحقوق والواجبات، أما في مجالات العمل وضروب الحياة فلا.

المجتمعات التي يسمونها راقية تقدم المرأة على الرجل في الدخول والخروج والمناسبات، ويُقبِّل الرجل هناك يد المرأة، ولا تُقبِّل المرأة يد الرجل، ويقف الرجل للمرأة في المواصلات لتجلس مكانه، لماذا كل هذا؟؟ قطعًا وبلا شك لأن هناك فوارق بين المرأة والرجل، ولكنه الجفاف العاطفي نحو الإسلام، أزيد على هذا أنني قرأت أن الإحصائية التي نشرتها هيئة الأمم المتحدة سنة 1959م أثبتت أن العالم يواجه مشكلة الحلال والحرام، فيما يختص بالمواليد، ففي بنما مثلاً جاوزت هذه النسبة 75%، وأن نسبة الأطفال غير الشرعين قد تصل إلى حدِّ العدم في البلاد الإسلامية.

هذا السمو الرائع في المجالات، الخلقي والاجتماعي والعقدي، جديرٌ أن يحفزنا على المطالبة بقيام الحكومة الإسلامية التي تُطبِّق التعاليم الإسلامية على وجهها الصحيح.

قد يتوهم البعض من هؤلاء أن تقدم الأمم الغربية، راجعٌ إلى هجرها لدينها وتعاليمه، وأن الأمم الإسلامية تأخرت بسبب تمسكها بدينها، وهذا وَهْمٌ لا يقوم إلا في أذهان لا ترتاح إلى دينها، والحق أن العالم الغربي ما يزال متمسكًا بدينه، فالكنائس عامرةً بروادها، ويوم الأحد له اعتباره في نظرهم والبابا له قداسته والإرساليات التي تُبشِّر بالدين المسيحي تملأ الأرض وينفق عليها الملايين.

فالدين إذًا ليس هو السبب، حتى ندعي أن مَن ترك دينه تقدَّم وعز وعلم، ومَن تمسك بدينه انحط وزل، وجهل، لا.. إنما الغرب أعطى العلم قدره فنفعه العلم، وأهمل المسلمون فمنحهم الجهل، ولو قامت فينا حكومات إسلامية تُعطي العلم النافع، ما أعطاه له الإسلام، لما كان هذا حالنا، ولما كان فينا مَن يعارض قيام الحكومة التي تحكم بما أنزل الله.

الإسلام رفع العلم وأهله إلى أعلى المستويات، فقد شهد الله لنفسه بالوحدانية وأشهد معه في هذه الشهادة الملائكة وأولى العلم، وهو الغنى عن شهادة خلقه أجمعين؛ لأنه واحد واجب الوجود، شهد الناس أو أنكروا: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ﴾ (آل عمران: من الآية 18) كما عطف جل جلاله العلم على الإيمان في رفعة المكانة وعلو المنزلة الرفيعة: ﴿يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾(المجادلة: من الآية 11) كما فرق بين العالم والجاهل: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: من الآية 9) وقد استفاضت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاهتمام بالعلم، ورفع مكانة العلماء، فقال: "من طلب علمًا فأدركه كتب له من الأجر ما كتب، ومن طلب علمًا فلم يدركه، كتب له كفل من الأجر"، وقال: "خلق الله أربعة أشياء بيده، ثم قال لسائر الحيوان كن فكان… القلم والعرش وجنة عدن وآدم عليه السلام"، وقال: "طالب العلم بين الجهال، كالحي بين الأموات" وقال: "من طلب العلم كان كفارةً لما مضى" وغير ذلك من مئات الأحاديث.

ولو أن الحكومات الإسلامية أعطت العلم النافع حقَّه من العناية والاهتمام، لما وجد مَن ينكر قيام الحكومة الإسلامية، إننا نرسل أبناءنا إلى الكليات الغربية دون أن نحصنهم بقدرٍ وافٍ من العلوم الدينية، فتبهرهم المظاهر الغربية من القوة والحضارة فيظنون مخطئين أن السبب في ذلك هو الدين، وهذا عين الجهل والخطأ.

ما أظن أحدًا يجهل ما كفله الإسلام للعمال والأجراء من الحقوق التي لا تصل النقابات إلى معشار ما كفله الإسلام منها، فإما أن نكون مؤمنين بالله، وهذا يقتضي الالتزام بما أنزل، وإما ألا نكون كذلك، فلا شأن لنا بكم؛ لأنكم إذا لم تقتنعوا بما قاله الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فلن يقنعكم كلامي ولا البلايين من أمثالي.

إن الفارق بيننا وبينكم أننا نُقدِّم الدليل النقلي على العقلي، ونلتزمه وننفذه، مهما حاول العقل غير ذلك، ونؤمن بأنه لن تتعارض حقيقة علمية صحيحة مع نص قرآني أو حديث شريف؛ لأننا طلاب حق لا طلاب جدل، ونحن نربأ بديننا أن ننزله منزلة الحوار بين تقدمية ورجعية، أو بلغة العصر بين الأوضاع الحديثة والأوضاع القديمة.

إن شرع الله ليس معرضًا للبحث؛ لأنه الحق الذي لا مراءَ فيه ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (4)﴾ (الأحزاب: من الآية 4) وما عداه باطل بطلانًا ظاهرًا وباطنًا، ونحن لسنا على استعداد للحوار بين الحق وباطل ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (آل عمران: من الآية 7) وإن كانت القوة تنقص أصحاب الحق في أيامنا هذه فالحق سيظل حقًّا، مهما ضعف المستمسكون به ويبقى الباطل باطلاً ولو ناصرته قوى الأرض المادية جميعًا ﴿قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88)﴾ (الإسراء) ولا شك أن الباطل زهوق.

إن الحكومات الإسلامية، لا تسمح لأحد بالتطاول على شرع الله والادعاء بأنه قاصرٌ عن متطلبات العصر، وعليها أن تُسكت كل مَن ينال من هذا الجلال؛ لأن حرية الرأي تقف عند حدِّ الإلحاد وإنكار الذات، وعند فصل الدين عن السياسة، وبئست الحرية حرية تبيح لكائنٍ مَن كان، أن ينكر على الله تشريعه القويم، إن الحكومة الإسلامية التي تسمح بهذا العبث في العقيدة، هي أول ضحايا هذا العبث المقيت.

لن تقوم في الكون حكومة تحرس الحرية وتسهر على حمايتها، مثل الحكومة الإسلامية تأمينًا وتطمينًا وهدوءًا واستقرارًا لكلِّ المواطنين على مختلف مللهم ونحلهم.

إن الحرية ليست حقًّا فحسب، ولكنها عنصر من عناصر الحياة الفاضلة العزيزة، إنها منحة الله لعباده، وليست منحة من مخلوق لمخلوق.. الحرية شيء تلقائي للبشر، فكما تهضم المعدة الطعام دون أن يكلفها أحد بذلك من تلقاء نفسها- وحسبما أعدها الله لذلك- فكذلك الحرية نعمة ربانية هيأها الله لإسعاد عباده حتى لا يطغى أحد على أحد، أو يبغى عليه، فمن يحارب الحرية لا يسلب الناس حقًّا، ولكنه يحول بينهم وبين عنصر من عناصر الحياة كالهواء والماء، سواء بسواء، فإذا تقرر أنه لا حياة لإنسان بغير طعام ولا شراب، كذلك لا حياة لفرد أو مجتمع أو شعب بغير حرية.

إنني لا أنكر نور العقل وتأثيره في الحياة، ولا أهمل جانبه أبدًا؛ لأنه الفرق بين الإنسان المدني بطبعه والوحش الضاري بفطرته، إن العقل مناط التكليف في الإسلام، ولكني أتحدث عنه بهذه الصورة، إذا ما قام من يقدمه على تشريع رب العالمين، فواجب العقل أمام شرع الله.. الخضوع والتسليم والالتزام: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)﴾ (النساء)، والحكومة الإسلامية تلتزم هذا المعنى تمامًا، وتخرجه إلى الناس عملاً محسوسًا، حتى ينتفع الناس بهذا الفيض العظيم، ولو أن الحكومات الإسلامية عنيت في برامجها التعليمية والتربوية بدراسة الإسلام عناية دقيقة مستفيضة كما تعنى بنظريات دارون وسقراط ومن إليهما مما يعرف عنه طلبتنا أكثر مما يعرفون عن دينهم، لو أنها فعلت هذا في جد وإخلاص وأدب لوجدت في الإسلام من مقومات الحضارة الحقة، والقوة العادلة الدافعة غير الباغية ما يغنيها عن اللجوء إلى أي مصدر آخر، إنها بهذا تخرج عدالة زاهية منصفة، تحرر الناس من الجهل والخوف والأوهام والخزعبلات. ولكنها لا تفعل!!، لماذا؟! لو أن الحكومات الإسلامية حرصت على إنزال شعوبها عند تعاليم كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم في السياسة والاقتصاد والاجتماع والأخلاق والمعاملات، ولم تقتصر في مناهجها على ما تستورده من مصادر غير إسلامية، ظنًا منها أن ما عندهم خير مما عند الله لوصلت بالمسلمين إلى أعلى مكان أدبي ومعنوي في الوجود.

الحكومة الإسلامية يقوم بها حاكم، أساس تصرفاته المادية والمعنوية شرع الله، أما الحاكم غير المسلم فتقوم كل تصرفاته على دساتير وضعية، قابلة للتغيير والتبديل حسب الظروف والملابسات، كما شاهدنا في الدساتير التي عايشناها، فهي تلغي بالكلية مرة مع التشنيع عليها والتشهير بها، مع أنها كانت في وقت من الأوقات صنمًا لا تمس بنوده، إن الحاكم المسلم عليه رقابة من الله، رقابة لا تخفى عليها خافية، فهو على وجل منها دائمًا، إلا من طمس الله على قلبه، رقابة قادرة فعلاً على البطش بمن يجور أو يظلم ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12)﴾ (البروج)، أما غير الحكومات الإسلامية فعليها رقابة من دساتيرها، التي يمكن التحايل على مخالفة نصوصها أو تغييرها وفق أهواء الحاكم المتسلط، وشتان بين الرقابتين- رقابة تُخْضِع، ورقابة تَخْضَع- والعدالة في الحكومة الإسلامية أصل مقرر مع النطق بالشهادتين، وبغيرها تتجرد الحكومة من صفة الإسلامية، وهنا سر الجلال، فالحكومة الإسلامية يقظة واعية حذرة، والفرد مدين لها بالطاعة والاحترام في معصية، وورد في الأثر أنه لا توبة لِمَن يحاول إذلال الحاكم، وهكذا يربط الإسلام بين الراعي والرعية، بروابط الثقة المتبادلة، والتعاون الكامل، والإحساس بكلِّ موجبات الإنسانية الفاضلة، التي تتجلى في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المتمسك بسنتي عند فساد أمتي، له أجر مائة شهيد" ومن أحق بهذا الفضل من الحاكم وحكومته؟!؛ لأن مهمتهم هنا تضحية بالصحة والجهد والوقت، وليست مهمة هيمنة وتسلط واستعلاء.

ألا تعلمون أن الحكومة الإسلامية ممنوعة من نصرة مسلم، على من بيده عهد وميثاق أيًّا كان دينه؟ وأنها ملزمة أن تفي بالمعاهدات في دقة متناهية وحرص كامل، احترامًا للأمر القرآني ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (المائدة: من الآية 1)، هل تنصر اليوم حكومة متحضرة غير بنيها على مواطنيها؟ حتى ولو كانت معاهدة عدم اعتداء أو حسن جوار؟؟ إن الحكومة الإسلامية التي تخشونها تفعل ذلك دينًا ﴿وَإِنْ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (الأنفال: من الآية 72) بهذا يتوفر الأمن والسلام قولاً وفعلاً، السلام الذي فشلت كل المعاهدات والمؤسسات العالمية في تحقيقه بين الناس، إن الحرب الباردة التي نشاهدها الآن، لها حد تنتهي عنده قريبًا أو بعيدًا، وحتما سيأتي اليوم الذي تنطلق فيه أدوات الدمار، ووسائل الهلاك لا تبقي ولا تذر! فإن هتفتم لها اليوم قليلاً فستصمتون غدًا طويلاً أو إلى الأبد، فكروا.. ما من العودة إلى شرع الله من بديل، لنصبر ولنعلم ولنتعلم كيف نستخرج من ضعفنا قوة، ودعوا هذه القضايا الباهتة، فمثلها أضاع الأندلس وفلسطين، ولبنان على الأبواب.

الحكومة الإسلامية التي تكرهونها، لا تعتقل ولا تعذِّب ولا تصادر ولا تؤمم، ولا تحرم الناس حرياتهم، وتعين على التفكير السليم والإبداع، إنها ليست الحكومات هنا وهناك التي تتلمسون من أخطائها وعطائها، التي لا يقرها شرع، تتلمسون من ذلك حججًا تقدمونها بين أيديكم لمقاومة الحكومة الإسلامية، التي لا تكل أمور الشعب إلى الأقارب والأصهار والأتباع وأهل الثقة المفتقدة!، وقد ثبت عن عمر بن الخطاب أنه لم يول الإمارة أحدًا من أقاربه إلا واحدًا، فلما بلغه أنه قال شعرًا لا يتفق مع وقار الإمارة واحترام الوالي بادر إلى عزله على الفور.

إنها لا تكتفي بالتصريحات، ولا تلجأ إلى الوعود في مناسبات بذاتها، حريصة على الطهارة وتزكية الناحية الروحية والفكرية، وتكون قدوةً لشعبها في المساجد والمناسبات الدينية، كما تعنى بالناحية الصحية والقوة البدنية والرياضية النظيفة التي لا ترتكب تحت ستورها المنكرات، هي حكومة الحق، والحق عنوان القوة، ووسيلة البقاء.

لقد حرم الله الربا، ولقد ثبتت علميًّا ونظريًّا أخطار هذه الآفة المالية المدمرة. وها قد قامت حكومات عصرية تحرمه، وها نحن ذا نرى اليوم أنه من الممكن أن نتخلص من البنوك الربوية عن طريق المصارف الإسلامية، على ما في تصرفاتها من ثغرات، نسأل الله أن تسد حتى تستقيم أمورنا المالية على أمر سواء من الناحية الدينية، فينقذها من هاوية الضلال الربوي المنتشر القاتل، إلى نور التعامل المالي الإسلامي، الذي يحض على إنظار المعسر إلى ميسرته، وعلى حكوماتنا أن لا تعقد عقدًا ماليًّا فيه ربا، وأن تفي بالمعاهدات المالية الدولية على ما فيها من خلل مشروع دفعًا للضرر الأكبر بالضرر الأصغر وألا تعود إلى عقد ربوي أبدًا، ولديها من الاختصاصيين الاقتصاديين من يعينها على الوصول إلى ذلك. إننا نمر بأزمات طاحنة في كل ناحية من نواحي الحياة، والإسلام كفيل بالقضاء عليها لو أخذنا به ونفذناه. ألا فلتعقد المؤتمرات الإسلامية المتوالية، حتى تخرج لنا من كنوز الإسلام، ما يفيض علينا أمنًا وإيمانًا وسلامًا وأمانا، فقد منح الله هذه المنطقة من الموارد الظاهرة والباطنة ما يجعلها أغنى أهل الأرض ويكفيها شر الحاجة إلى غيرها وتبلغ حد تصدير الفائض عن حاجتها.

إنني لا أدعو إلى العجلة في هذه العجالة؛ لأنني أعلم ما في التعجل من اختيار، ولأنني أعلم ما في الجو السياسي العالمي، من اتجاهات وضغوط واحتياج إليه، إننى أعلم فوق ذلك أن الله على كل شيء قدير، وأنه أقوى من قوى الأرض جميعًا، ولكنني أعلم في نفس الوقت أن هذا القوي القادر لم يكلف فردًا أو مجتمعًا أو شعبًا أو أمة أو حكومة فوق طاقتها وما تستطيع، وأنه أمر بالحكمة في التصرف، وبالرشد في تناول الأمور، إن ما حرمه الله ليس لنا أن نحله وما أحله فليس لنا أن نحرمه.

فإذا قلنا بالتؤدة في التصرف، فما ذلك لننكر حلالاً، أو نحل حرامًا، فهذا شيء منتهٍ عند المسلمين لا يحاولون فيه، بل وليس من حقهم أن يحاولوا فيه أو يغيروا في حدوده. وما دمنا نعلم أن الحلال بين وأن الحرام بين، فإننا لا ندعو إلى تحليل أو تحريم، ولكننا ندعو إلى أفضل السبل التي تمكننا من الوصول إلى تنفيذ ما أمر الله به، والقضاء على كل ما نهى الله عنه.

إن تشابك المعاملات الدولية وكراهية الصليبية والصهيونية والإلحادية أمر لا شك فيه. ولهذا ندعو إلى أن نقدر لأرجلنا قبل الخطو موضعها حتى لا ننتكس، وحتى لا نسيء إلى إسلامنا أو نلصق به ما هو براء منه.

إننا لا نريد أن نكون كالدبة التي قتلت صاحبها لتدفع عنه ذبابة نزلت على وجهه أثناء نومه، فالصبر والمصابرة والمرابطة والتقوى، سياسة إسلامية خاتمتها الفلاح الأكيد القاطع، إننا مجهدون متعبون، فيجب ألا نجري لئلا تنقطع الأنفاس، فلا حياة مجهدة أبقينا، ولا أملاً منشودًا حققنا، فخطوة خطوة، وعلى مهل، في حكمة وأسلوب حسن، وتبليغ بديع نصل إلى ما نريد، وقد تسبق العرجاء، فلنكن مع الله ليكون معنا، فما من معية أقوى من معيته، ولا من نصرة إلا نصرته، فهل نحن فاعلون.

وأعجب العجب أن أعداء الإسلام أعلم بقدرة الإسلام على العطاء والدواء والشفاء والإنقاذ من هؤلاء المسلمين الذين يتنكرون لدينهم، ويظنون أن السلامة مما نحن فيه كائنة في غيره، وقد أراد الله في قراءاتي لبعض الكتب المترجمة وغيرها، أن أعثر على كتب طائفة من علماء التاريخ الغربيين وما قالوه عن الإسلام، والفضل ما شهدت به الأعداء، فاقرا معي : يقول المؤلف د. فنرجرالد: ليس الإسلام دينًاAreligion  فحسب، ولكنه نظام سياسي أيضًا
a political System  وقد بني صرح الإسلام كله على أساس أن الجانبين متلازمان لا يمكن أن يفصل أحدهما عن الآخر.

وقال الأستاذ ناللينو : لقد أسس محمد في وقت واحد دينًا ودولة، وكانت حدودهما متطابقة طوال حياته.

وقال د. شاخت: الإسلام يعني أكثر من دين. إنه يمثل أيضًا نظريات قانونية وسياسية. وجملة القول أنه نظام كامل من الثقافة، يشمل الدين والدولة معًا.

وقال الأستاذ ستروثمان: الإسلام ظاهرة دينية سياسية، إذ إن مؤسسه كان نبيًّا وكان سياسيًّا حكيمًا، أي رجل دولة.

وقال الأستاذ ماكدونالد: في المدينة تكونت الدولة الإسلامية الاولى، ووضعت المبادئ السياسية للقانون الإسلامي.

وقال سيرتوماس أرنولد : كان النبي في نفس الوقت رئيسًا للدين ورئيسًا للدولة.

وقال الأستاذ جب: عندئذ صار واضحًا، أن الإسلام لم يكن مجرد عقائد دينية فردية وإنما استوجب إقامة مجتمع مستقل، له أسلوبه المعين في الحكم، وله قوانينه وأنظمته الخاصة به.

وقال جاردنر: إن الحروب الصليبية لم تكن لإنقاذ القدس، إنها كانت لتدمير الإسلام.

وقال أنطوني ناتنج: منذ أن جمع محمد أنصاره في مطلع القرن السابع الميلادي، وبدأ أول خطوات الانتشار الإسلامة، فإن على العالم الغربي أن يحسب حساب الإسلام كقوة دائمة وصلبة تواجهنا عبر المتوسط.

وقال مارد ديوك باكتول: إن المسلمين يمكنهم أن ينشروا حضارتهم في العالم الآن بنفس السرعة التي نشروها بها سابقًا، بشرط أن يرجعوا إلى الأخلاق كانوا عليها حين قامو بدورهم الأول، لأن هذا العالم الخاوي لا يستطيع الصمود أمام روح حضارتهم.

وقال هانوتو وزير خارجية فرنسا سابقًا: لا يوجد مكان على سطح الأرض، إلا واجتاز الإسلام حدوده وانتشر فيه، فهو الدين الوحيد الذي يميل الناس إلى اعتناقه بشدة تفوق أي دين آخر.

وقال المستشرق جاردنر: إن القوة التي تمكن في الإسلام هي التي تخيف أوربا.

وقال البير شادور: مَن يدري ربما يعود اليوم الذي تصبح بلاد الغرب مهددة بالمسلمين يهبطون إليها من السماء لغزو العالم مرة ثانية وفي الوقت المناسب.

وقال لورانس براون: كان قادتنا يخيفوننا بشعوب مختلفة، ولكننا بعد الاختبار، لم نجد مبررًا لتلك المخاوف، كانوا يخيفننا بالخطر اليهودي والخطر الياباني الأصفر والخطر البلشفي؛ لكن تبين لنا أن اليهود هم أصدقاؤنا، والبلاشفة الشيوعيون حلفاؤنا. أما اليابانيون فإن هناك دولاً ديمقراطية كبيرة تتكفل بمقاومتهم، ولكننا وجدنا أن الخطر الحقيقي علينا موجود في الإسلام، وفي قدرته على التوسع والإخضاع وفي حيويته المدهشة، وما دام هذا القرآن موجودًا في أيدي المسلمين، فلن تستطيع أوربا السيطرة على الشرق، ولا أن تكون هي نفسها في أمان.

ها هم أعداء الإسلام يعترفون أن الإسلام دين ودولة، أما بعض المسلمين فما يزالون ينكرون هذا المعنى ويقاومونه ويحاربونه في غير هوادة، إنني أقول إن الخطر على المسلمين ليس من أعدائهم ولكن كامن في صفوفهم بين أضلع هؤلاء الذين يثيرون حوله غبار التشكيك، وضباب الظنون، ويا ويل المسلمين من أمثال هؤلاء الغافلين أو المتغافلين.

ها هم أعداء الإسلام يعترفون بالقوة الكامنة في الإسلام والحيوية المتدفقة في تشريعاته، إنهم يرون أن المسلمين يمكن أن يعودوا إلى سالف أمجادهم، إذا ما تمسكوا بأخلاق وتعاليم دينهم، إننا نبحث عن الهمم التي تحرك هذه الحيوية الخارقة، إننا نلفت نظر الأجيال إلى هذه الحيوية البارعة، ونحضهم على تحريكها لتؤتي نتائجها المشتهاة، ولن يكون ذلك إلا بالعودة إلى تعاليم الإسلام وأخلاقه هذه الحيوية التي لن تموت، هي التي يرهبها الغرب كله على مختلف مذاهبه، وهي التي من أجلها يحاربون المسلمين العامة، والإخوان المسلمين خاصة بمختلف أساليب البطش والمؤامرات والنذالة والخسة، مستعينين بمن هنا ومن هناك، وللحزن المرير يجدون من بينهم مستجيبين لهم يعينونهم على أبناء دينهم.

ها هم أعداء الإسلام يعترفون أن الخطر كل الخطر عليهم كائن في الإسلام، لا في اليهود ولا البلاشفة والخطر الأصفر بل الإسلام والإسلام بالذات، أليس لدى الذين يتنكرون لدينهم وسموه وجلاله، من إحساس بالمسئولية، وشعور بالغيرة على دينهم بعد أن أجابهم الغرب بالعداوة والخصام؟ أما من قطرة دم مسلمة غيورة تتحرك في عروقهم تعيدهم إلى الصواب، وتمهد لهم طريق الحق الذي يجب أن يسلكونه، إنهم خافون حيوية ديننا. والبعض منا يخاف سلطان المادة الذي يعيش فيه هؤلاء الخائفون من الإسلام، أليس جديرًا بنا أن نثبت لهم أنهم على حق في نظرتهم لحيوية الإسلام، وأننا عائدون، وأننا أهل لأن يخاف الظالمون عدلنا، والمستعمرون قدرنا، والمستغلون حيويتنا؟ أما من إحساس أو شعور؟ هل تبلد فيكم كل شيء حتى وجوب التمتع بأستاذيتكم للعالم كله؟! ألا ترحمونا من كتاباتكم المغرضة، وتكفوا عنا أذاكم بهذه الشعارات الفاسدة المفسدة؟! ألا ينشط الأزهر نشاطكم، ألا تنشغل الجماعات الإسلامية بالتفكير في وحدتها وتضامنها، بدلاً من اشتغال بعضها ببعض وترك ميدان العمل المجدي للضالين المضلين. إن الإخوان المسلمين نادوا بهذا منذ بدء دعوتهم وهاجمهم الكثير من هذه الجماعات فلم يردوا سوءً- بسوء ولا شتمًا بشتم ولا اتهامًا باتهام، ولكن مروا على كل هذه المعوقات كرامًا، طاهرة أقلامهم، عفيفة ألسنتهم خالصة نياتهم ومقاصدهم عسى الله أن يهدي قومنا فإنهم أحق من ندعو لهم بالهداية، بأيد ممدودة وصدور منشرحه، وافئدة مفتوحة الجوانب لكل من قال لبيك.

هذه هي الحكومة الإسلامية التي يسمونها بالحكومة الدينية فهل آن لنا أن نستجيب أم ما يزال في علم الغيب، جهاد جاد من المخلصين ضد المنحرفين؟ اللهم إنا بايعناك على العمل والجهاد في سبيلك صادقين، اللهم أعنا على الوفاء بهذا العهد فائزين، وسيفنى الظالمون واحدًا بعد واحد وستبقى كلمة الله خالدة، ولو حملها رجل واحد وكانت السموات والأرض رتقًا عليه لفتقهما الله له استجابةً لدعائه وصبره ومصابرته وما ذلك على الله بعزيز.

من كان يريد معرفة الحكومة الإسلامية لغرض المعرفة في ذاته، فإني أحيله إلى رسائل الإمام الشهيد حسن البنا. هناك يجد كل ما يبحث عن الحق، كل محب للحق، كل مناصر للحق، بغيته، ويرى طلبته، ويريح نفسه ويريح الناس من كل ما يشغل باله من علم أو غير علم.

أيها المسلمون: هذه هي بعض معالم الحكومة الإسلامية التي تكاتفت قوى الأرض المادية، على أن تحول بينها، وبين أن تحكم العالم الإسلامي كله، لما يعملونه مما وراء ذلك من إنقاذ العالم الإسلامي من كبوته التي تعثر وما زال يتعثر منها محاولاً النهوض ليرفع رأسه عالية شامخة عزيزة، مستمتعة بكل ما أفاضه الله على هذه المنطقة من موارد لا حد لها، ومدد سكاني كفيل باستغلال كل ما سخره له في هذه المنطقة من الأرض. فمن كان يؤمن بالله حقًّا وصدقًا، قلبًا ولسانًا، عليه أن يجاهد في إقامة هذه الحكومة. أما أن نقول : إننا نعبد الله وندين له بالعبودية إقرارا بعظمته وجلاله وشمول علمه، ودقيق خبرته، ثم نرفض أن تقوم حكومة إسلامية تحكم المسلمين.

فكلام له خبء معناه ليست لنا عقول

اللهم أرنا الحق حقًّا، والزمنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وألزمنا اجتنابه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ (108)﴾ (يوسف).

والله أعلم.

——————–

* دراسة نادرة كتبها فضيلة المرشد الراحل الأستاذ عمر التلمساني رحمه الله

هذا المنشور نشر في من تراث الإخوان المسلمين, دعوى, علوم سياسية. حفظ الرابط الثابت.

رد واحد على "الإسلام والحكومة الدينية".. دراسة للأستاذ عمر التلمساني

  1. يقول abdelazeem:

    http://wawakoko.blogspot.com/2011/06/blog-post_17.html
    بحث يوضح الفروق بين النظام الاقتصادى الاسلامى والرأسماليه والاشتراكيه

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s