بين الشورى والديمقراطية (دراسة وقراءه فى موسوعة التشريع الجنائى للشهيد عبد القادر عوده )

Pic293 

نواصل القراءة فى موسوعة التشريع الجنائى فى الإسلام للشهيد عبد القادر عوده وفى المقدمة والتى شرح فيها الشهيد بعض الفوارق بين الشريعة والقانون الوضعى وضع رحمه الله هذه المقارنة البديعة بين الشورى والديمقراطية قال :

  جاءت الشريعة الإسلامية مقررة لمبدأ الشورى في قوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38]، وفي قوله: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران: 159]، ولم يكن تقرير النظرية نتيجة لحال الجماعة، فقد كان العرب في أدنى دركات الجهل وفي غاية التأخر والانحطاط، وإنما قررت الشريعة النظرية لأنها قبل كل شئ من مستلزمات الشريعة الكاملة الدائمة المستعصية على التبديل والتعديل، ولأن تقرير النظرية يؤدي بذاته إلى رفع مستوى الجماعة وحملهم على التفكير في المسائل العامة والاهتمام بها، والنظر إلى مستقبل الأمة نظرة جدية، والاشتراك في الحكم بطريق غير مباشر، والسيطرة على الحكام ومراقبتهم فالنظرية إذن مقررة لتكميل الشريعة ولتوجيه الجماعة ورفع مستواها.

وظاهر من صيغة النصين المقررين لمبدأ الشورى أنهما عامان مرنان إلى آخر حدود العموم والمرونة، بحيث لا يمكن أن يحتاج الأمر إلى تعديلهما أو تبديلهما في المستقبل

ولهذه الاعتبارات أكتفت الشريعة بتقرير الشورى كمبدأ عام وتركت لأولياء الأمور في الجماعة أن يضعوا معظم القواعد اللازمة لتنفيذها، لأن هذه القواعد تختلف تبعاً لاختلاف الأمكنة والجماعات والأوقات، فلأولياء الأمور مثلاً أن يعرفوا رأي الشعب عن طريق رؤساء الأسر والعشائر، أو عن طريق ممثلي الطوائف، أو بأخذ رأي الأفراد الذين تتوفر فيهم صفات معينة: إما بطريق التصويت المباشر وإما بطريق التصويت الغير مباشر، ولأولياء الأمور أن يسلكوا أي سبيل آخر يرون أنه أفضل من غيره في تعرف رأي الجماعة، بشرط ألا يكون في ذلك كله ضرر ولا ضرار بصالح الافراد أو الجماعة أو النظام العام.

أما القواعد الأساسية الخاصة بتطبيق مبدأ الشورى وتنفيذه وهي قليلة فقد بينت الشريعة أحكامها ولم تتركها لأولياء الأمور، وهذه القواعد حكمها حكم مبدأ الشورى لا تقبل التعديل ولا التبديل؛ لأنها قواعد جاءت بها نصوص خاصة، والقاعدة أن ما نُصَّ عليه لا يعدل ولا يبدل.

ومن هذه القواعد الأساسية التي توجب الشريعة اتباعها في تطبيق مبدأ الشورى وتنفيذه أن تكون الاقلية التي لم يؤخذ برأيها أول من يسارع إلى تنفيذ رأي الأغلبية، وأن تنفذه بإخلاص باعتباره الرأي الواجب الاتباع، وأن تدافع عنه كما تدافع عنه الأغلبية، وليس للأقلية أن تناقش رأياً اجتاز دون المناقشة، أو تشكك في رأي وضع موضع التنفيذ، وتلك هي سنة الرسول التي سنها للناس والتي يجب على الناس اتباعها، طبقاً لقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر: 7].

ولقد سن الرسول صلى الله عليه وسلم هذه السنة وعمل بها في حياته، واتبعها أصحابه بعد وفاته عمل الرسول بهذه السنة لما علم باستعداد قريش لغزوة أحد وأنهم أقبلوا إلى المدينة ونزلوا قريباً من جبل أحد، فجمع عليه السلام أصحابه، واستشارهم أيخرج إليهم أم يمكث في المدينة؟ وكان رأيه أن لا يخرجوا من المدينة وأن يتحصنوا بها فإن دخلوها قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة والنساء من فوق البيوت، ووافقه على هذا الرأي عبد الله بن أبيّ وبعض الصحابة، ولكن جماعة الصحابة أشاروا بالخروج وألحوا عليه في ذلك. فكان الرسول أول من وضع رأي الأكثرية موضع التنفيذ، إذ نهض من المجلس فدخل بيته ولبس لأمته، وخرج عليهم ليقود الأقلية والأكثرية إلى لقاء العدو خارج المدينة، وقد سارع الرسول بتنفيذ رأي الأغلبية بالرغم من مخالفته لرأيه الخاص الذي أظهرت الحوادث فيما بعد أنه كان الرأي الأحق بالإتباع.

وعمل أصحاب الرسول بهذه السنة بعد وفاته في حروب الردة، فقد كان رأي الغالبية أول الأمر متجهاً إلى عدم محاربة المرتدين و مسالمتهم، وكان رأي الأقلية وعلى رأسهم أبو بكر متجهاً إلى محاربة المرتدين وعدم التسامح معهم، وانتهت المناقشة بجنوح الكثيرين إلى رأي أبي بكر بعد اقتناعهم به، فلما وضع هذا الرأي موضع التنفيذ كان المخالفون في الرأي هم أول المنفذين له والمضحين في سبيل تنفيذه بأموالهم وأبنائهم وأنفسهم.

وهذه السنة المباركة التي تكمل مبدأ الشورى العام تعتبر في وقتنا الحاضر العلاج الناجع لفشل الديمقراطية. فمن المسلم به أن البلاد الديمقراطية فشلت فشلاً ذريعاً في تطبيق مبدأ الشورى، والسبب الاساسي في هذا الفشل أنهم يسمحون للأقلية أن تناقش الرأي الذي أقرته الأغلبية بعد انتهاء دور المناقشة، وأن تشكك في قيمته وصلاحيته أثناء تنفيذه، بل أنه يظل موضع الانتقاد والسخرية حتى بعد تمام تنفيذه.

ولما كانت القاعدة أن فريق الأغلبية هو الذي يتولى الحكم فإن آراء هذا الفريق وأعماله لا تقابل بما يجب لها من الاحترام، بل تكون دائماً محل تشكيك وسخرية ويطعن عليها بتفاهتها وعدم صلاحيتها، بل قد يحدث أن تمتنع الأقلية من تنفيذ القوانين التي تسنها الغالبية، وتظل الحال هكذا حتى يصبح الفريق الحاكم أقلية، فيترك الحكم ليتولاه فريق الأكثرية الذي تقابل آراؤه وأعماله بمثل ما قوبل به فريق الأكثرية السابق، وهكذا لا يتولى الحكم فريق إلا كانت آراؤه وأعماله محل النقد والتشكيك والسخرية.

وقد يكون النقد سبيلاً من سبل الإصلاح إذا أبدى الناقد رأيه وقت المناقشة أو نقد آراء لم تناقش من قبل، أما نقد الآراء التي سبقت مناقشتها والتشكيك فيها بعد أن وضعت موضع التنفيذ فذلك هو الفساد بعينه، بل إنه ليتناقض مع الأساس الذي تقوم عليه الشورى؛ فأساس الشورى هو أن يحكم الشعب طبقاً لرأي الأغلبية، ومعنى ذلك أن أغلبية الشعب إذا أجمعت على رأي كان رأيها قانوناً أو حكماً تجب له الطاعة والاحترام.

ولقد أدى موقف الأقلية من الأغلبية إلى نتيجته الطبيعية، فظهر أولو الأمر في البلاد الديمقراطية بمظهر العاجز الذي لا يحسن التصرف، وفقد الأفراد ثقتهم في الزعماء والجماعات والأحزاب، وأصبحوا يتشككون في قدرتهم على حكم الشعب وإدارة أموره، وحق لهم أن يفقدوا ثقتهم فيمن تصدوا لقيادتهم فلم يسمعوا عنهم في يوم ما أنهم ارتأوا رأياً فكان موضع التقدير، أو جاءوا بفكرة لم تكن موضع السخرية، أو هموا بعمل لم يكن موضع النقد والتشكيك.

وإذا كان فشل البلاد الديمقراطية في تطبيق مبدأ الشورى يرجع في الأصل إلى انعدام الثقة فيمن يتصدون لقيادة الشعب، إلا أن تفشي هذا الفشل في كل البلاد الديمقراطية جعل الناس يعتقدون أن مبدأ الشورى نفسه غير صالح للتطبيق، فانتقل الشك وعدم الثقة من القائمين على تطبيق المبدأ إلى المبدأ ذاته، واعتنق كثير من البلاد الديمقراطية مبدأ الديكتاتورية وهم يظنون أنهم سيجدون فيه علاجاً لحالة الشك وعدم الثقة التي تعيش فيها الشعوب.

ولكن التجارب أثبتت أن الدكتاتورية انتهت بفشل أفظع من فشل الديمقراطية لأنها تؤدي إلى كم الأفواه، وتعطيل حرية الرأي وحرية الاختيار، وانعدام الثقة بين الشعوب والحكام، وتوريط الشعوب والحكومات فيما لا تريده أو فيما لا يعود عليها إلا بالضرر.

وإذا كانت الديكتاتورية تبدأ غالباً بالنجاح إذا استبدلت بالديمقراطية الفاشلة فإن النجاح لا يرجع إلى النظام ذاته، وإنما يرجع –كما أثبتت التجارب- إلى ثقة المحكومين بشخصية الحاكمين وتعضيدهم إياهم، وإلى حرص الحكام على صالح الجماعة، فإذا تغير الحكام الموثوق بهم، أو فشلوا في القيام بمهمتهم، انعدمت الثقة بين الحكام والمحكومين، وابتدأ الفساد يدب في النظام الديكتاتوري، وكان ذلك إيذاناً بتغيير نظام الحكم، وإن كان التغيير ذاته يتوقف على عوامل أظهرها ضعف الحاكمين أو شجاعة وقوة المحكومين.

ونستطيع الآن أن نقول بحق: إن النظام الإسلامي لا يعتبر فقط علاجاً ناجعاً لفشل الديمقراطية ولكنه أيضاً صمام الأمن الذي يحمي الأمم من الديكتاتورية، لأن هذا النظام يحفظ لمبدأ الشورى قيمته النظرية، ويحقق صلاحيته العملية، ويجيش كل القوى لخدمة الجماعة، ويدعو إلى الثقة بالشورى والقائمين بأمرها، ويسد الطريق على المبادئ الهدامة والديكتاتورية.

ونستطيع أيضاً أن نقول: إن النظام الديمقراطي يقوم في الأصل على الشورى والتعاون، ولكنه انتهى بسوء التطبيق إلى تسليط المحكومين على الحاكمين، وانعدام التعاون بينهما، وإن النظام الديكتاتوري يقوم في الأصل على السمع والطاعة والثقة بين الحاكمين والمحكومين، ولكنه انتهى بسوء التطبيق إلى تسليط الحاكمين على المحكومين وانعدام الثقة بينهما. أما النظام الإسلامي فيقوم على الشورى والتعاون في مرحلة الاستشارة، وعلى السمع والطاعة والثقة في مرحلة التنفيذ، ولا تسمح قواعده بتسليط فريق على فريق، وبهذا جمع النظام الإسلامي بين ما ينسب إلى الديمقراطية من فضائل، وما ينسب إلى الديكتاتورية من مزايا ومحاسن، ثم هو في الوقت نفسه برئ من العيوب التي تنسب للديمقراطية والديكتاتورية معاً.

ولقد سبقت الشريعة الإسلامية القوانين الوضعية في تقرير مبدأ الشورى بأحد عشر قرناً، حيث لم تعترف هذه القوانين بمبدأ الشورى إلا بعد الثورة الفرنسية، اللهم فيما عدا القانون الإنجليزي فقد عرف مبدأ الشورى في القرن السابع عشر، وقانون الولايات المتحدة الذي أقر المبدأ بعد منتصف القرن الثامن عشر، أما القانون الفرنسي فقد أخذ بمبدأ الشورى في أخر القرن الثامن عشر، وعلى أثر ذلك انتشر مبدأ الشورى وأخذت به معظم القوانين في القرن التاسع عشر، فالقوانين الوضعية حين قررت مبدأ الشورى لم تأت بجديد، وإنما انتهت إلى ما بدأت به الشريعة الإسلامية، وسارت في الطريق الذي سلكته الشريعة من القرن السابع الميلادي.

هذا المنشور نشر في دعوى, علوم سياسية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s