المجاهدة وأركانها (نظرات حديثة فى كتاب تربيتنا الروحية للشيخ سعيد حوى)

ikh1018 

قبل أن ننقل الجزء الجديد من كتاب تربيتنا الروحية للشيخ سعيد حوى فهذا تجميع لما سبق من تدوينات -نظرات حديثة فى كتاب تربيتنا الروحية للشيخ سعيد حوى :

معانى فى السير إلى الله

البداية الصحيحة فى التربية الإسلامية

الأوراد اليومية والدورات الروحية

أمراض النفوس والقلوب

النفس مطالبها وأمراضها

فى هذا الباب يتحدث الشيخ سعيد حوى عن المجاهدة وأركانها ومكانها فى السير إلى الله عز وجل :

قال تعالى {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت: 69] من هذه الآية ندرك أن الهداية إلى الطرق الموصلة إلى الله ورضوانه هي أثر المجاهدة.

فالمجاهدة كسب الانسان، والهداية هبة الله للإنسان، والمجاهدة والهداية كلاهما لا يتم إلا بتوفيق الله وبمعونته لذلك علمنا ربنا أن نقول في صلاتنا {إياك نعبد وإياك نستعين} فالمجاهدة هي وسيلة الهداية القلبية إلى الله ورضوانه.

والهداية هي مقدمة التقوى قال تعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم}. فالتسلسل إذن على الشكل التالي: مجاهدة توصل إلى هداية وهداية توصل إلى تقوى وكل ذلك لا يتم إلا بتوفيق الله ومعونته وعطائه.

وههنا وفي هذه الدوائر توجد أغلاط كثيرة فهناك ناس تصورهم عن المجاهدة خاطئ وهناك ناس يقفون عند المجاهدة ولا يصلون إلى السبل، قال تعالى: {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم} [المائدة: 16] فهم يشتغلون فيما يتصورونه مجاهدة ولا يصلون إلى السبل بأن يفهموها ويسيروا في مسالكها، وهناك ناس يتنقلون من مجاهدة إلى سير في السبل ولكنهم لا يصلون إلى حقيقة التقوى. إن في الفهم أو في الملكة أو في السلوك وكل ذلك منشؤه الجهل وكل ذلك سببه أن نقطة البداية التي هي المجاهدة ليست صحيحة وعلى هذا فلا بد من فهم لقضية المجاهدة ولا بد من فهم لقضية التقوى ولا بد من فهم لقضية السبل.

ونحن هنا بسبيل أن نرسم صورة لقضية مجاهدة النفس في أسسها العامة التي نصل بها إلى ان تتخلص النفس من أمراضها، وتتحقق بمعاني صحتها مفترضين أن السائر في هذا الطريق سائر في طريق العلم الصحيح ومستوعب لما يلزمه من العلم ابتداء وانتهاءً فليلاحظ ذلك.

تبدأ المجاهدة من نقطة الإيمان بالله ووحدانيته وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال تعالى: {ومن يؤمن بالله يهد قلبه} [التغابن: 12].

ثم تأتي المرحلة الثانية في المجاهدة وهي القيام بفروض الوقت من صلاة إذا جاء وقتها أو صيام رمضان إن جاء أو أداء زكاة إذا حال الحول أو أداء حج إذا حضر وقته وكان الإنسان مستطيعاً، أو نكاح إذا كانت الدوافع الجنسية إليه كبيرة وتيسر ذلك للإنسان أو ضبط معاملة من بيع أو إجارة على مقتضى الشرع إن كان يمارسها أو صلة رحم وبر والدين إن كان هناك رحم ووالدان وغير ذلك من فروض الوقت ولكل إنسان فروض وقته التي قد تتفق مع فروض الآخرين وقد تختلف على حسب حاله ووضعه وغير ذلك.

ثم جزء ثالث في المجاهدة وهي قضية ما يرتبه الإنسان على نفسه من نوافل العبادات من صلاة وزكاة وصيام واعتكاف وحج وأدعية وأذكار وقراءة قرآن ويدخل في ذلك ما مر معنا من قضايا الدورات الروحية والأوراد اليومية فهذا الجانب الثالث.

ثم تأتي القضية الرابعة: وهي التي نطلق عليها أركان المجاهدة:

إن الذين تكلموا عن أركان المجاهدة ذكروا أركاناً أربعة هي: العزلة والصمت والسهر والجوع. وسنتكلم عنها بإجمال ليعود الأخ إذا أراد تفصيلاً إلى الكتب الموسعة كالإحياء وغيره.

ثم تأتي القضية الخامسة وهي عملية تأمل النفس والقلب، واكتشاف الأمراض ومعالجتها وهي القضية الأخيرة للمجاهدة واحدى ثمارها الرئيسية. والقضيتان الأخيرتان هما محل التفصيل فيما يأتي وهما اللتان تدور حولهما عبارات الكثيرين إذا تكلموا في موضوع المجاهدة وفي هذا الباب سنكتفي بذكر أركان المجاهدة وفي الباب التالي سنعرض لقضية معالجة الأمراض، فلنبدأ الكلام عن الأركان الأربعة للمجاهدة ولنبدأ بالعزلة:

ليست العزلة هي الأصل في حياة المسلم بل الخلطة الصالحة والاجتماع الطيب والألفة للخير وأهله. هذا هو الأصل في حياة المسلم

والجانب المكمل لهذا الأصل في حياة المسلم أنه يعتزل الكفر والنفاق والفسوق وأهل ذلك ويعتزل المجالس التي فيها استهزاء بآيات الله وغير ذلك مما ينبغي العزلة عنه قال تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام: {واعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقياً} [مريم: 19]. {قد كان لكم أسوة حسنة في ابراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء، أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده} [الممتحنة: 04].

  فلا عزلة عن الجماعة الإسلامية، والعزلة كل العزلة عن الضلال وأهله. هذا هو الأصل العام في حياة المسلم في قضية الخلطة والعزلة. فإذا اتضح هذا الأصل ندرك متى تجب العزلة المطلقة في حياة المسلم؟ وإذا وجبت فعليه أن يجاهد نفسه ليحملها عليها لأن من طبيعة النفس أنها تألف الأنس بالناس.

فالتقوى تقدر زماناً ومكاناً وشخصاً ومن ثم فمحل بحثنا ههنا إذن هو العزلة كدواء للقلب ومحلها في المجاهدة فلنر بعض عبارات الصوفية في هذا الشأن يقول ابن عطاء: "ادفن وجودك في أرض الخمول فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه. ما نفع القلب شيء مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة، كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته، أم كيف يرحل إلى الله وهو مكبل بشهواته، أم كيف يطمع أن يدخل حضرة الله ولم يتطهر من جنابة غفلاته، أم كيف يرجو أن يفهم دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته".

في هذه الكلمة لخص ابن عطاء مجموع المعاني التي يحتاج الإنسان فيها إلى عزلة كدواء. متى اشتهر الإنسان كثرت علائقه وإذا كثرت علائقه ضاع كثير من وقته بسبب هذه العلائق، وإذا ضاع كثير من وقته تعذر عليه تكميل نفسه علماً وعملاً وحالاً فهذه حالة من أجلها تطلب العزلة وإذا خلا الإنسان بنفسه وجال بفكره في ملكوت السموات والأرض، انعكس ذلك على قلبه صلاحاً. فهذه حالة ثانية من أجلها تطلب العزلة.

وما دام الإنسان يخالط فصفاء قلبه ضعيف وانطباع الأشياء في هذا القلب قوي، وعزلة معها فكر وذكر تساعده على جلاء مرآة قلبه وما دام الإنسان في خلطة فكثير من مثيرات الشهوات يمكن أن تجر قلبه والعزلة تقطعه عن مثل هذا وذلك يساعد قلبه على التحرر من رق الشهوات فهذا جانب آخر تساعد عليه العزلة.

وما دام الإنسان على خلطة فالغفلة تغلبه فإذا أتيحت له عزلة مع ذكر وفكر فإن هذا يساعده على يقظة قلبه ما دام القلب كثير الخلطة فهو كثير الهفوات. وهذا يحول بينه وبين فهم دقائق الأسرار.

والعزلة تساعده على الخلاص من هفوات القلب وعلى التأهل لصالح فهم دقائق الأسرار هذه مجموعة من المعاني التي اعتمدت من أجلها العزلة الشاملة أو العزلة الجزئية كجزء من مجاهدة النفس، بل كركن فيها مع ملاحظة أن ذلك كله ينبغي أن يكون مرحلياً في حياة الإنسان وألا يكون على حساب واجبات الوقت وآدابه وتضييع حقوقه، ولعل في خلوة رسول الله صلى الله عليه وسلم في غار حراء قبل الوحي ما يمكن أن يستأنس فيه للعزلة الشاملة.

وفي سنة الاعتكاف ما يمكن أن يستأنس فيه للعزلة الحزئية. وعلى كل الأحوال فالعزلة إذا لم يكن فيها تضييع حق أو واجب فهي من باب المباحات حتى ولو لم يترتب عليها أي مصلحة أما إذا ترتب عليها مصالح من إصلاح قلب أو تحصيل علم أو زيادة إيمان فإنها تنتقل من كونها مباحة إلى ما هو أرقى من ذلك. فإذا تعينت طريقاً لتحقيق فرض أو للتخلص من حرام فقد تأخذ طابع الفرضية. ولم يزل كل المفكرين في العالم يجدون في العزلة فرصة للتأمل وإنتاج الأفكار.

ولذلك كان الإنكار على من يعتزل عزلة مؤقتة، شاملة أو جزئية للتخلص من داء أو لتحقيق مصلحة علمية أو إيمانية ما دام ليس على حساب حق أو أدب وقت. إن من ينكر ذلك، إبصاره للأمور ضعيف وآفاقه الفكرية ضيقة. ونكتفي بهذا القدر في الإشارة إلى الركن الأول من أركان المجاهدة في اصطلاح السائرين إلى الله.

هذا المنشور نشر في مشروع إحياء الربانية. حفظ الرابط الثابت.

رد واحد على المجاهدة وأركانها (نظرات حديثة فى كتاب تربيتنا الروحية للشيخ سعيد حوى)

  1. رائع ومفيد للغاية

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s