ومضات في التعامل مع الفتن (1 من 2)

7d1a4f0e81 

هذه الجزء الأول من مقالتين نشرتا بموقع منارات للأستاذ جمال زوراى وهو مفكر جزائرى يضع أنوار وومضات فى التعامل مع الفتن يقول :

إن فضائح الفتن وثمارها المرّة، تجعل المرء يفكر ألف مرة قبل أن يقدم على الاستجابة لرؤوسها وصانعيها وحاملي لوائها مهما كانت مبرراتهم ودوافعهم وحججهم، فلا يمكن لصاحب عقل راجح وقلب نابض وغيرة حيّة وتربية سليمة وتضحية عزيزة ووفاء ثابت وخلق أصيل، أن يتجاوب مع إرادات التمزيق والتفجير والانشقاق والتشرذم والتهديم، وبما أن المسؤولية فردية والتبعة

كذلك، فإنه يتعين على كل مَن تورّط أو ورّط ليكون معول هدم لصرح شامخ بني بدماء وعرق، وجهود وتضحيات، وآلام وآمال على مدار السنين، تراكمت حتى جعلت منه علما بارزاً وجبلا أشما استهوى ويستهوي كل المخلصين ومحبي الخير في شتّى البقاع، عليه أن يعدّ إجابة واضحة جلية لا لبس فيها ليقدمها في حضرة مولاه عز وجل ـ الذي لا تخفى عليه خافيةـ لمّا يسأله: لما أقدمت على هذا الفعل؟

حرر عقلك ـ أخي الفاضل ـ من التبعية والتقليد لفلان أو علاّن مهما علا شأنه، وارتفعت منزلته، وشع بريقه، وتجرّد من الشخصنة، وابتعد عن المجاملة والتبرير لأي كان، ولا ترضى لنفسك أن تكون وقوداً للفتنة وبوقا لمثيريها ومؤججيها ومسعري نارها، ولا تدع أحداً مهما كان أن يستعملك إسفينا، وكن فيها كابن اللّبون لا ظهراً فيركب ولا ضرعا فيحلب، وليكن شعارك قاعدة الإمام ابن القيم رحمه الله: (شيخ الإسلام حبيب إلى قلوبنا ولكن الحق أحب إلينا منه)، فعلى نهجه قل: فلان حبيب إلى قلبي ولكن الحركة والجماعة والمنهج أحب إلي منه.

بهذه العقلية، وهذا الشعور بالمسؤولية الذاتية أريدك أن تستقبل ومضاتي التي أهديها لك ــ بلسان الصالحين والبلغاء والشعراء ــ بعيداً عن الأحكام المسبقة المانعة من المراجعة والاستدراك، والمكابرة الحاجزة عن الاعتراف بالخطأ، والتأويل السيئ الحائل دون الرجوع إلى الحق.

1ــ الومضة الأولى: فليكن المنطلق القاعدة الحسنية:- قال الحسن البصري رحمه الله: (ما ضربت ببصري، ولا نطقت بلساني، ولا بطشت بيدي، ولا نهضت على قدمي، حتى أنظر أعلى طاعة أم على معصية، فإن كانت على طاعة تقدمت، وإن كانت على معصية تأخرت).

2ـ الومضة الثانية: نقض العهد بريد لقسوة القلب:- قال ابن عقيل الحنبلي رحمه الله:(يا مَن يجد في قلبه قسوة، احذر أن تكون نقضت عهداً، فإن الله تعالى يقول:( فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً)( المائدة13).

3ـ الومضة الثالثة: استشعار بشاعة التفريق بين الأحبّة:- عن عبد الرحمن بن غنم مرفوعا:(خيار عباد الله الذين إذا رؤوا ذكر الله، وشرار عباد الله: المشّاءون بالنميمة، المفرّقون بين الأحبة، الباغون للبرآء العنت)(أخرجه أحمد).

وقال الشاعر:

ثلاث يعزّ الصبر عند حلولها        ويذهل عنها عقل كل لبيب

خروج اضطرار من بلاد تحبها     وفرقة إخوان وفقد حبيب

وقال الآخر: وكل مصيبات الزمان وجدتها         سوى فرقة الأحباب هينة الخطب.

4ـ الومضة الرابعة: الأعراض خط أحمـــــــــــر:- عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( الربا اثنان وسبعون بابا، أدناها مثل إتيان الرجل أمه، وإن أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه)(السلسلة الصحيحة).

وقال أحد السلف: أربعة من علامات اللؤم: إفشاء السر، واعتقاد الغدر، وغيبة الإخوان وإساءة الجوار.

5 ـ الومضة الخامسة: الرضا والتمالي مشاركة:- قال عبد الواحد: قلت للحسن: يا أبا سعيد، أخبرني عن رجل لم يشهد فتنة ابن المهلب إلا أنه عاون بلسانه ورضي بقلبه !! قال: يا ابن أخي، كم يد عقرت الناقة ؟ قلت: يد واحدة، قال:أليس قد هلك القوم جميعا برضاهم وتماليهم ).

6ـ الومضة السادسة: الثلاثية التي تعود على صاحبها:- قيل: ثلاث من كنّ فيه كنّ عليه: البغي لقوله تعالى:( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم)( يونس23)، والمكر لقوله تعالى:( وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ)( فاطر43)، والنكث لقوله تعالى:( فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ)( الفتح10).

7 ـ الومضة السابعة: تنبه إلى أهم خصائص الفتن:- قال عادل عبد الله شويخ رحمه الله:( وإن من أهم خصائص الفتن: أن أهلها عيّابون طعّانون يلبسون قليل الحق بكثير الباطل، ويكتمون الكثير من المحاسن، ولا تنجو رواياتهم من التدليس، ويسيؤون تفسير المواقف ويتأولون الألفاظ)..

8 ـ الومضة الثامنة: لا تكن من أعداء المروءة:- قال النسّابة البكري لرؤبة بن الحجاج:(ما أعداء المروءة ؟ قال: تخبرني، قال: بنو عم السوء، إن رأوا حسنا ستروه، وإن رأوا سيئا أذاعوه).

9ـ الومضة التاسعة: عواقب الفجور في الخصومة:- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(… ومن خاصم في باطل وهو يعلمه، لم يزل في سخط الله حتى ينزع…)(جزء من حديث أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم).

وقال الشيخ محمد الغزالي رحمه الله:(وكثير ما تطيش الخصومة بألباب ذويها، فتتدلي بها إلى اقتراف الصغائر المسقطة للمروءة، والكبائر الموجبة للّعنة، وعين السخط تنظر من زاوية داكنة، فهي تعمي عن الفضائل، وتضخم الرذائل، وقد يذهب بها الحقد إلى التخيل وافتراض الأكاذيب، وذلك كلّه ممّا يسخطه الإسلام ويحاذر وقوعه، ويرى منعه أفضل القربات… فصاحب الصدر السليم يأسى لآلام العباد، ويشتهي لهم العافية، أما التلهّي بسرد الفضائح، وكشف الستور، وإبداء العورات، فليس مسلك المسلم الحق).

10ـ الومضة العاشرة: جرّد مقصدك واعتبر من عمرو بن الحمق:- ( وأما عمرو بن الحمق فوثب على صدره وبه رمق ( أي سيدنا عثمان رضي الله عنه )، فطعنه تسع طعنات فقال: أما ثلاث فإني طعنتهن إياه لله تعالى، وأما ستّ فلما كان في صدري عليه ).

11ـ الومضة الحادية عشر: صنف نفسك من أي المعادن أنت ؟:- قال مصطفى السباعي رحمه الله:(الناس معادن، خيارهم في السرّاء خيارهم في الضراء، وخيارهم في التولية خيارهم في العزل، وخيارهم في الجاه خيارهم في الخمول، وخيارهم في القوة خيارهم في الضعف، وخيارهم في الجندية خيارهم في القيادة ).

12ـ الومضة الثانية عشر: تحرّى الصدق لتنجو من الخيانة:- روي عن سفيان بن أسيد مرفوعا:(كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك به مصدق وأنت به كاذب )( رواه البخاري في الأدب وأبو داود).

13ـ الومضة الثالثة عشر: شتّان بين الجماعة والفرقة:- قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:(يا أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة، فإنهما السبيل إلى حبل الله الذي أمر به، وإنّ ما تكرهون في الجماعة خير ممّا تحبّون في الفرقة ).

وقال الطحاوي رحمه الله في متن عقيدته:(ونرى الجماعة حقّا وصوابا، والفرقة زيغا وعذابا).

14ـ الومضة الرابعة عشر: احرص على رضا ربك، فإن إرضاء الناس غاية لا تدرك مهما فعلت:-

قال الشاعر:

ضحكت فقالوا: ألا تحتشم             بكيت فقالوا: ألا تبتسم

بسمت فقالوا: يرائي بها               عبست فقالوا بدا ما كتم

صمتّ فقالوا: كليل اللّسان             نطقت فقالوا كثير الكلم

حلمت فقالوا: صنيع الجبان             ولو كان مقتدراً لانتقم

بسلت فقالوا: لطيش بــــــــه            وما كان مجترئا لو حكم

يقولون شذّ إذا قلت: لا                  وإمّعة حين وافقتـــــــهم

فأيقنت أنّي مهما أردت                  رضا النّاس لابد لي أن أذم

15ـ الومضة الخامسة عشر: تحقيق صدق الأخوة منجاة:- قال الإمام الشافعي رحمه الله:(من صدق في أخوة أخيه: قتل علله، وسدّ خلله، وعفا عن زلله).

وقال يونس الصدفي رحمه الله: (ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يوما في مسألة، ثم افترقنا ولقيني فأخذ بيدي، ثم قال: يا أبا موسى، ألا يستقيم أن نكون إخوانا وإن لم نتفق في مسالة).

16ـ الومضة السادسة عشر: اربأ بنفسك أن تكون الورقة الجافة أو الحطبة اليابسة من الشجرة الضخمة:- قال سيد رحمه الله: (المرّة بعد المرّة يصاب بعض أفراد الجماعة بنزوات، وفي كلّ مرّة يسقط أصحاب هذه النزوات كما تسقط الورقة الجافة من الشجرة الضخمة، وقد يمسك العدو بفرع من الشجرة ويظن أنّه بجذب هذا الفرع سيقتلع معه الشجرة كلّها، حتّّى إذا آن الأوان وجذب الفرع خرج في يده كالحطبة الجافّة لا ماء ولا حياة، وبقيت الشجرة).

17ـ الومضة السابعة عشر: تشجّع ومارس الهبّة الصالحية:- يقول الراشد: (وقد ضرب الأستاذ صالح عشماوي رحمه الله مثلا لهؤلاء، لعلّهم بقصته وتوبته يقتدون.

كان الأستاذ رحمه الله ورفع درجته من قدماء الدعاة ورجال الرعيل الأول، ولبث مع الإمام المؤسس دهراً كأحسن ما يكون الداعية عملا، وأصبح عضو المكتب، فلمّا قتل الإمام رحمه الله والمحنة جاثمة: اختلطت أوراق، واشتبهت أمور، وتحرّكت وساوس، فافتتن نفر، وجعلوا الأستاذ رأسا عليهم، ثم مرّت السنوات الحالكة، وطالت المحنة، فندم على ما كان منه، وطلب أبلغ صور التوبة النّصوح.

وقد زرت دار مجلّة الدعوة يوما فوجدت شيخا وقوراً يجلس بتواضع على كرسي خيزران قديم خارج باب الشقّة كأنّه بوّاب، ولكنّه مهيب، وله طلعة نورانية.

فسلّمت عليه واستأذنته، فأذن، فدخلت، فقال لي أخ ممّن هناك: هل عرفت ذاك الرجل المحترم الذي كأنّه بوّاب.

قلت: لا، لكنّه استرعى اهتمامي.

قال: ذاك صالح عشماوي، يرى نفسه استروحت يوم جعله المشاكسون رأسا ونادوا به أميراً، وعزم على أن يرجع جنديا في آخر الصف، ويصرّ على أنّ ذلك من تمام توبته، فأختار أن يكون بوّابا، ولو يعلم أنّ هناك منزلة أدنى من منزلة البوّاب لسارع إليها، يلغي بذلك ما سلف منه من تطلّع للصّدارة.

فعجبت ودهشت لهذه الرّوح الصّافية والقلب الكبير.

ثمّ قال لنا الأستاذ عمر التلمساني رحمه الله: دعونا له، ودعوناه أن يكون أخا لنا يشارك كالآخرين، ويتوب الله على مَن تاب، ولكنّه أبى ورفض، وأصررنا وبلغنا غاية الجهد في إقناعه، لكنّه أصر إصراراً على أن يعاقب نفسه بالتأخير.

ثمّ خطبنا الأستاذ عمر رحمه الله بعد سنوات فقال: لقد تاب الأستاذ صالح عشماوي توبة أحسبها لو وزّعت على دعاة الإسلام في القاهرة جميعا لوسعتهم. رحمهم الله جميعا، وعصمنا من الفتن بعدهم).

18ـ الومضة الثامنة عشر: لن تذهب بعيداً وستحنّ لبيتك الأول العامر إن صدقت:-

قال الشاعر:

نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى             ما الحب إلا للحبيب الأول

كم منزل في الأرض يألفه الفتى              وحنينه أبدا لأول منـــــزل

19ـ الومضة التّاسعة عشر: الاعتذار وقبوله من شيم العظماء:- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(مَن اعتذر إلى أخيه بمعذرة لم يقبلها كانّ عليه مثل خطيئة صاحب مكس)(رواه ابن ماجه).

وقال الشاعر: قيل لي:

قد أساء إليك فلان   وقعود الفتى على الضيم عار

قلت: قد جاءنا فأحدث عذرا           ديّة الذنب عندنا الاعتذار

20ـ الومضة العشرون: فلنطوي الصفحة ولنجدّد العهد:-

قال الشاعر: من اليوم تعارفنا         ونطوي ما جرى منّا

فلا كان ولا صار         ولا قلتم ولا قلـــــــــنا

وإن كان لابـد من        العتب فبلحسنـــــــى

وقال الآخر:

تعالوا نطوي الحديث الذي جرى                ولا سمع الواشي بذاك ولا درى

تعالوا بنا حتّى نعود إلى الرضــا                وحتّى كأنّ العهد لم يتغيــــــــرا

لقد طال شرح  القال والقيل بيـننا                وما طال ذاك الشرح إلاّ ليقصرا

من اليوم تاريخ المحبّة بيننـــــــــا               عفا الله عن ذاك العتاب الذي جرى

21ــ الومضة الواحدة والعشرون: التحلّي بآداب النصيحة وتجنّب التشهير:- قال الإمام الشافعي:(من وعظ أخاه سرّا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه).

وقال مسعر:(رحم الله من أهدى إلي عيوبي في سرّ بيني وبينه، فإنّ النصيحة في الملأ تقريع).

وقال الإمام البنا: (يا أخي لتكن نصيحتك لأخيك تلميحا لا تصريحا وتصحيحا لا تجريحا).

قال الشاعر:

تعمّدني بنصحك في إنفراد        وجنّبني النصيحة في الجماعة

فإنّ النصح بين الناس نوع       من التقريع لا أرضى استماعه

فإن خالفتني وعصيت قولي      فلا تجزع إذا لم تعط طاعة

22ــ الومضة الثانية والعشرون: إيّاك وكفران العشيـر فإنّه مطية اللّؤم:

عن ابن عمر رضي الله عنهما أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(… قال: تكثرن اللّعن وتكفــرن العشيـــــر)(البخاري وابن ماجة).

قال الإمام الشافعي:(الحــرّ مَن راعى وداد لحظـة، أو تمسّك بمن أفاده لفظــــة).

وقال أيضا شعراً:

إذا لم يكن صفو الوداد طبيعة        فلا خير في ودّ يجيْ تكلّفـــــــــــــا

ولا خير في خلّ يخون خليلـــه       ويلقاه من بعد المودّة بالجفــــــــا

وينكر عيشا قد تقادم عهــــــده      ويظهر سرّا كان بالأمس قد خفـــــا

سلام على الدنيا إذا لم يكن بها      صديق وفيّ يصدق الوعد منصفا

وقيل في منثور الحكم:( إيّاك أن تبصق في بئر شربت منها يوما، لعلّك تعود إليها عطشانا).

23ــ الومضة الثالثة والعشرون: أنصف القادة من نفسك:- قال الإمام علي رضي الله عنه:( أنصفونا يا معاشر الرعية، تريدون منّا أن نسير فيكم سيرة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ولا تسيرون فينا ولا في أنفسكم بسيرة رعيّة أبي بكر وعمر) يقول الراشد شارحا:(ونقول لك كالّذي قال: أنصف أيّها الداعية، وكن عادلا واقعيا، فإنّك تريد من القادة إنجازاً لعلّه الآن في مثل صعوبة فتوح أبي بكر وعمر، وأنت لا تهب دعوتك ما وهبه جند أبي بكر وعمر، تجمع الأموال، وتخشى الفقر، وتطيل السمر مع زوجك، وتعطي الدعوة فضول الأوقات، ثم تريد أن ترى المعجزة، كلاّ، كلاّ، بل شرط بشرط، مَن أراد أميراً كأبي بكر وعمر، فليكن كخالد وكسعد رضي الله عنهم أجمعين).

24ــ الومضة الرابعة والعشرون: أقل ذوي الهيئــــات عثراتهــــم:- عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم:(أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلاّ الحدود)(أبو داود).

علّق ابن القيم عن الحديث في بدائع الفوائد:(والظاهر أنّهم ذوو الأقدار بين الناس من الجاه والشرف والسؤدد، فإنّ الله تعالى خصّهم بنوع تكريم وتفضيل على بني جنسهم، فمن كان منهم مستوراً مشهوراً بالخير، حتّى كبا به جواده، ونبا غضب صبره، وأديل عليه شيطانه، فلا تسارع إلى تأنيبه وعقوبته، بل تقال عثرته، ما لم تكن من حدود الله).

وقال الماوردي: ( لا يزهّدك في رجل حمدت سيرته، وارتضيت وتيرته، وعرفت فضله، وبطنت عقله، عيب خفيّ يحيط به كثرة فضائله، أو ذنب صغير تستغفر له قوة وسائله…).

وقال الشاعر: ومن ذا الّذي ترضى سجاياه كلّها        كفى بالمرء نبلا أن تعدّ معايبه.

25ــ الومضة الخامسة والعشرون: اكس ألفاظك أحسنهــــــــا:- روى البخاري في كتاب الأدب حديث:( لا يقولن ّأحدكم خبثت نفسي، ولكن ليقل لقست نفسي)، قال ابن حجر في الفتح:(يؤخذ من الحديث استحباب مجانبة الألفاظ القبيحة والأسماء، والعدول إلى مالا قبح فيه.. وإن كان المعنى يتأدّى بكلّ منهما).

قال المزني:( سمعني الشافعي يوما وأنا أقول: فلان كذاب، فقال لي: يا إبراهيم اكس ألفاظك أحسنها، لا تقل كذّاب، ولكن قل: حديثه ليس بشيء).

26ــ الومضة السادسة والعشرون: سلامة الصدر لا تحد عنها مهما كان:-

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم:(أيّ الناس أفضل؟ قال: كلّ مخموم القلب، صدوق اللّسان، قالوا: صدوق اللّسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: هو التقي النقي، لا إثم فيه ولا بغي ولا غلّ ولا حسد)(ابن ماجة).

وقال عليه الصلاة والسلام أيضا:(إنّ بدلاء أمتي لم يدخلوا الجنة بكثرة صلاة ولا صوم، وإنّما دخلوها بسخاوة الأنفس وسلامة الصدور ورحمة الله).

وقال السري السقطي:(من أجلّ أخلاق الأبرار سلامة الصدر للإخوان والنصيحة لهم).

وقال قاسم الجوعي: ( أصل الدين الورع، وأفضل العبادة مكابدة اللّيل، وأقصر طرق الجنّة سلامة الصدر).

27ــ الومضة السابعة والعشرون: كن واقعيا في تعاملك مع إخوانك ولا تشطط:- قال عيسى عليه السلام: (كيف تصنعون إذا رأيتم أخاكم نائما، وقد كشفت الريح ثوبه عنه ؟ قالوا: نستره ونغطّيه، قال: بل تكشفون عورته، قالوا: سبحان الله، مَن يفعل هذا؟ قال: أحدكم يسمع بالكلمة عن أخيه فيزيد عليها وينشرها بأعظم منها).

وقال ذو النون:(لا خير في صحبة مَن لا يحب أن يراك إلاّ معصوما).

وقال الفضيل:( من طلب أخا بلا عيب بقي بلا أخ).

وقال الإمام علي رضي الله عنه:( شرط الصحبة إقالة العثرة ومسامحة العشرة والمواساة في العسرة).

وقال الشاعر:

وشرّ الإخلاّء من لم يزل        يعاتب طورا وطورا يذم

يريك النصيحة عند اللّقاء      ويبريك في السرّ بري القلم

28ــ الومضة الثامنة والعشرون: أدرك الثمار المرّة للفتنــــــة:- قال معاوية رضي الله عنه مخاطبا الناس في الفتنة: (..فإن لم تجدوني أقوم بحقّكم كلّه فأرضوا ببعضه، فإنّها ليست بقابية قوبها، وإنّ السيل إذا جاء يبري وإن قلّ أغنى، إيّاكم والفتنة فلا تهموا بها فإنّها تفسد المعيشة، وتكدّر النعمة، وتورث الاستئصال..)

29ـ الومضة التاسعة والعشرون: تجنّب المهلكات ولا تدع الشيطان يظفر منك بما يريد:

قال صلى الله عليه وسلم: ( ثلاث مهلكات: شحّ مطاع، وهوى متّبع، وإعجاب المرْ بنفسه).

وقال الفضيل: (إذا ظفر إبليس من ابن آدم بإحدى ثلاث خصال قال: لا أطلب غيرها، إعجابه بنفسه، واستكثاره عمله، ونسيانه ذنوبه).

وقال ابن القيم:( إن الهوى ما خالط شيئا إلاّ أفسده…)

30ــ الومضة الثلاثون: حب الرياسة والتصدّر قبل الأوان باب كلّ فتنة فكن منه على حذر:- قال الفضيل:( ما من أحد أحبّ الرياسة إلاّ حسد وبغى وتتبّع عيوب الناس، وكره أن يذكر أحد بخير).

وقال ابن عبد البرّ:

حبّ الرياسة داء يخلق الدنيا         ويجعل الحب حربا للمحبّينا

يفري الحلاقم والأرحام يقطعها       فلا مروءة يبقي ولا ديــنـــــا

وقال الثوري: (من طلب الرياسة قبل مجيئها فرّت منه).

وقال عبيد الله بن الحسن العنبري:(لأن أكون ذنبا في الحق، أحبّ إليّ من أكون رأسا في الباطل).

يتبــــــــــــــــــــــع……

هذا المنشور نشر في مقالات, دعوى, سلسلة تربوية. حفظ الرابط الثابت.

رد واحد على ومضات في التعامل مع الفتن (1 من 2)

  1. يقول belal bob:

    بورك فيكم شكرا على الافادة

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s