نظرية تقييد سلطة الحاكم:( قراءة فى موسوعة التشريع الجنائى للشهيد عبد القادر عوده)

7_1 

نواصل القراءة فى موسوعة التشريع الجنائى للشهيد عبد القادر عوده وفى المقدمة نواصل عرض ومقارنة بعض النظريات بين الشريعة والقانون الوضعى وهنا يتعرض الشهيد عبد القادر عوده لنظرية تقييد سلطة الحاكم :

جاءت الشريعة الإسلامية من يوم نزولها بنظرية تقييد سلطة الحاكم، فكانت أول شريعة قيدت سلطة الحكام، وحرمتهم حرية التصرف، وألزمتهم أن يحكموا في حدود معينة، ليس لهم أن يتجاوزوها، وجعلتهم مسؤلين عن عدوانهم وأخطائهم.

وتقوم النظرية على ثلاثة مبادئ أساسية: أولها: وضع حدود لسلطة الحاكم. ثانيها مسؤولية الحاكم عن عدوانه وأخطائه. ثالثها: تخويل الأمة حق عزل الحاكم.

المبدأ الأول: وضع حدود لسلطة الحاكم:

كانت سلطة الحاكم قبل نزول الشريعة سلطة مطلقة لاحد لها ولا قيد عليها، وكانت علاقة الحاكمين بالمحكومين قائمة على القوة البحتة، ومن القوة كان الحاكم يستمد سلطانه، وعلى مقدار قوته كانت سلطته فكلما كان قوياً امتد سلطانه لكل شئ، وإن ضعف انكمشت سلطته وأصابها القصور والوهم. وكان الناس يدينون للحاكم بالطاعة، لا لأنه يحكمهم بل لأنه أقوى منهم، فكلما كان الحاكم قادراً على أن يسوق الناس بعصاه أو يغريهم بماله وجاهه فهم من الطائعين السامعين، فإذا ضعف واستطاع أحد منافسيه أن يتغلب عليه فإنه يستطيع تبعاً لذلك أن يتحكم في رقاب الرعية، وكانت الرغية تعتبر خدماً وعبيداً لصاحب السلطان سواءً أورث سلطانه أم اكتسبه.

ولما كان الحاكم يستمد سلطته من قوتة لم تكن سلطة أي حاكم تساوي سلطة الآخر، ولم تكن هناك حدود مرسومة للحكام لا يتعدونها، بل كان للحاكم أن يأتي ما يشاء ويدع ما يشاء دون حسيب أو رقيب.

وجاءت الشريعة فاستبدلت بهذه الأوضاع البالية أوضاعاً جديدة تتفق مع الكرامة الإنسانية والحاجات الاجتماعية، فجعلت أساس العلاقة بين الحكام والمحكومين تحقيق مصلحة الجماعة لا قوة الحاكم أو ضعف المحكومين، وتركت للجماعة حق اختيار الحاكم الذي يرعى مصلحتها ويحفظها، وجعلت لسلطة الحاكم حدوداً ليس له أن يتعداها، فإن خرج عليها كان عمله باطلاً وكان من حق الجماعة أن تعزله وتولي غيره لرعاية شئونها. وقد بينت الشريعة مهمة الحاكم بياناً شافياً وحددت حقوقه وواجباته تحديداً دقيقاً؛ فمهمة الحاكم في الشريعة أن يخلف رسول الله في حراسة الدين وسياسة الدنيا([1])، ويسمى الحاكم في اصطلاح الفقهاء الإمام.

والإمامة أو الخلافة –كما يرى الفقهاء- عقد لا ينعقد إلا بالرضى والاختيار([2])، وبموجب هذا العقد يلزم الإمام -أي الحاكم- أن يشرف على الشئون العامة للأمة في الداخل والخارج)[3]( بما يحقق مصلحتها، بشرط أن يكون ذلك كله في حدود ما أنزل الله على رسوله، وفي مقابل التزام الإمام للأمة بهذا الالتزام تلتزم له الأمة على لسان ممثليها الذين اختاروه إماماً أن تسمع له وتطيع أمره، ما لم يتغير حاله فيصبح فاسقاً أو يعجز عن مباشرة عمله([4])، فإذا تغير حاله انعزل بفسقه أو عجزه.

فسلطة الإمام –أي الحاكم- في الشريعة ليست مطلقة، وليس له أن يفعل ما يشاء ويدع ما يشاء، وإنما هو فرد من الأمة اختير لقيادتها وعليه للأمة التزامات وله على الأمة حقوق، وله من السلطة ما يستطيع أن يؤدي به التزاماته ويستوفي به حقوقه، وهو في أداء واجباته واستيفاء حقوقه مقيد بأن لا يخرج على نصوص الشريعة أو روحها، وذلك طبقاً لقوله تعالى: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ} [المائدة: 49]، وقوله: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الجاثية: 18]، وقوله: {لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44].

وإذا كان الإمام –أي الحاكم- مقيداً بأن يتبع الشريعة وأن يحكم طبقاً لنصوصها، فمعنى ذلك أن سلطته مقيدة بنصوص الشريعة، فما أباحته فقد امتد سلطانه إليه، وما حرمته عليه فلا سلطان له عليه. والشريعة لا تبيح للحاكم إلا ما تبيحه لكل فرد، ولا تحرم عليه إلا ما حرمته على كل فرد.

المبدأ الثاني: مسئولية الحاكم عن عدوانه وأخطائه: وبعد أن بينت الشريعة واجبات الإمام –أي الحاكم- وحقوقه وحددت سلطته على وجه السابق جعلته مسئولاً عن كل عمل يتجاوز به سلطانه، سواء أتعمد هذا العمل أم وقع العمل نتيجة إهماله. ولم تكن الشريعة في تقرير مسئولية الحكام عن تصرفاتهم إلا متمشية مع منطق الأشياء، فقد بينت للحاكم حقه وواجبه وألزمته بأن لا يخرج عن أحكام الشريعة، وجعلته كأي فرد عادي فلم تميزه على غيره بأي ميزة، فكان من الطبيعي –تحقيقاً للعدالة والمساواة واستجابة للمنطق- أن يسأل الحاكم عن كل عمل مخالف للشريعة سواء أتعمد هذا العمل أم وقع منه نتيجة إهماله، ما دام كل فرد يسأل كذلك عن أعماله المخالفة للشريعة([5]).

المبدأ الثالث: تخويل الأمة حق عزل الحكام: بينا فيما سبق أن الإمامة تنعقد بناء على عقد يختار فيه الشعب الإمام أي الحاكم، ويلتزم له بالطاعة في مقابل التزام الحاكم بالإشراف على شئون الأمة وقيادتها في الطريق التي رسمتها الشريعة. وينبني على هذا المنطق أن الحاكم الذي يقوم بمهمته في الحدود المقررة لها يجب له على الشعب السمع والطاعة، أما الحاكم الذي لا يقوم بالتزاماته أو يخرج على حدودها فليس له أن ينتظر من الشعب السمع والطاعة، وعليه هو أن يتنحى عن مركزه لمن هو أقدر منه على الحكم في حدود ما أنزل الله، فإن لم يتنح مختاراً نحّاه الشعب مكرهاً واختار غيره.

وهذا الذي يقتضيه المنطق هو نفس حكم الشريعة الصريح، جاء به القرآن وأمر به الرسول، وعمل به الخلفاء الراشدين من بعده، فالله جل شأنه يأمر بطاعة أولي الأمر في حدود ما جاء به الرسول فيقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [النساء: 59]، والرسول عليه السلام يقول: ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق))، ويقول: ((إنما الطاعة في المعروف))، ويقول في ولاة الأمور: ((من أمركم منهم بمعصية فلا سمع ولا طاعة)).

وبعد موت الرسول اختار المسلمون أبا بكر خليفة عليهم، فكانت أول خطبة يقولها تطبيقاً دقيقاً لهذه النصوص حيث قال: ((أيها الناس، قد وليت عليكم ولست بخيركم، إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم)).

وولي عمر أمر المسلمين بعد أبي بكر، فكان حريصاً على إظهار معاني هذه النصوص وتثبيتها في الأذهان، خطب يوماً فقال: ((لوددت أني وإياكم في سفينة في لجة البحر تذهب بنا شرقاً وغرباً فلن يعجز الناس أن يولوا رجلاً منهم فإن استقام اتبعوه وإن جنف قتلوه. فقال طلحة: وما عليك لو قلت: وإن تعوج عزلوه؟! قال: لا، القتل أنكل لمن بعده)).

هذه هي نظرية الشريعة جاءت بها في وقت كانت سلطة الحاكمين على المحكومين سلطة مطلقة، فلم تكن الشريعة حين قررت هذه النظرية تأتي بما يلائم الجماعة ويصلح لحالها، وإنما جاءت بالنظرية لأنها ضرورية للشريعة الكاملة الدائمة من ناحية، ولترفع بها مستوى الجماعة وتدفعهم نحو الرقي من ناحية أخرى، فالنظرية إذن شرعت للتكميل والتوجيه.

وهذه هي النصوص التي تقوم عليها النظرية؛ جاءت عامة إلى آخر حدود العموم، مرنة إلى آخر حدود المرونة، بحيث تنطبق في كل زمان ومكان، ولا تضيق بما يمكن أن يستجد من حالات.

وقد سبقت الشريعة الإسلامية بنظريتها كل القوانين الوضعية في تقييد سلطة الحاكم، وتعيين الأساس الذي تقوم عليه علاقة الحاكمين بالمحكومين، وفي تقرير سلطان الأمة على الحكام، وأول قانون وضعي اعتراف بعد الشريعة بسلطان الأمة على الحكام هو القانون الإنجليزي، وكان ذلك في القرن السابع عشر أي بعد أن قررت الشريعة نظريتها بأحد عشر قرناً، ثم جاءت الثورة الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر وعلى أثرها انتشر هذا المبدأ في القوانين الوضعية.

وتسير القوانين الوضعية في تقرير النظرية على هدى الشريعة الإسلامية، فتجعل الحد بين الحاكمين والمحكومين الدستور الوضعي الذي يبين حقوق الأفراد والجماعات والحكام ومدى سلطان كلٍّ، كما جعلت النظرية الشرعية الحد بين الحاكمين والمحكومين نصوص الشريعة وهي الدستور الإسلامي.



[1] )) الأحكام السلطانية ص3.

([2]) الأحكام السلطانية ص6.

([3]) حدد صاحب الأحكام السلطانية واجبات الإمام بأنها: حفظ الدين، وتوفير الأمن والنظام، وإقامة الحدود، وتنفيذ الأحكام، وحفظ الثغور، والجهاد، والإشراف على الأموال العامة في جبايتها وإنفاقها، والإشراف على الموظفين العموميين الذين يتولون كل هذه المهام.

([4] ) نفس المرجع ص12 -17

([5] ) سنفصل الكلام على مسئولية الحكام عندما نبحث في سريان الشريعة على الأشخاص وإنما تكلمنا هنا عن المسئولية بالقدر الذي يظهر مميزات الشريعة وسبقها في تقرير النظريات الحديثة في القوانين.

هذا المنشور نشر في دعوى. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s