الإخوان فى الغرب قراءة فى تقرير استخباراتى

 

أمل خيري

إسلام أون لاين ـ القاهرة

حركة الإخوان المسلمين حركة عالمية تحظى بكثير من اهتمام الباحثين والكتاب، وحاليا يوجد اهتمام غربي بمنظمات الإخوان المسلمين في الغرب، وتتبع نشأتها، وتقييم دورها في المجتمعات الغربية. ومؤخرا قدم لورينزو فيدينو [i] Lorenzo Vidino تقريرا بعنوان "الإخوان المسلمون في الغرب:الخصائص والأهداف واعتبارات السياسة العامة"[ii]، والتقرير عبارة عن شهادة قدمت أمام لجنة مجلس النواب الدائمة للاستخبارات ومكافحة التجسس والإرهاب في الولايات المتحدة، وبتمويل من مؤسسة راند البحثية غير الربحية.

حول التقرير

يبدأ التقرير بملاحظة حول الأحداث الأخيرة التي شهدتها مصر خلال الأشهر القليلة الماضية التي مهدت لتصاعد تيار الإخوان المسلمين وتصدره المشهد السياسي، لذا أراد كاتب التقرير أن ينطلق من حقيقة نشأة الجماعة على الأرض المصرية ليوسع مجال البحث والتحليل ويرصد حضور تلك الحركة الإسلامية عالميا، وهي التي تعد من أقدم التيارات الإسلامية وأوسعها انتشارها وأكثرها تأثيرا.

انقسم التقرير إلى ثلاثة أجزاء، تناول الجزء الأول خصائص جماعة الإخوان المسلمين العالمية مع التركيز على فروع الجماعة في أوروبا وأمريكا الشمالية وعلاقتها بالجماعة الأم، ويقوم الجزء الثاني باستعراض الأهداف الرئيسة لمنظمات الإخوان المسلمين في الدول الغربية، ودورها في الحفاظ على الهوية الإسلامية وسعيها لتصبح ممثلة ومتحدثة باسم المسلمين في الغرب، أما الجزء الثالث الأخير فيقدم للحكومة الأمريكية توصيات بشأن السياسات التي يجب اتباعها تجاه منظمات الإخوان في الغرب.

حركة عالمية

يستعرض فيدينو نشأة جماعة الإخوان المسلمين في مصر منذ عام 1928 ، التي سرعان ما انتشرت أفكارها في أنحاء العالم العربي وخارجهجميعا وبحسب فيدينو فإن هناك منظمات إسلامية في أكثر من 80 دولة تنتمي في جذورها الفكرية إلى جماعة الإخوان المسلمين، ولكنها تتخذ أشكالا مختلفة وتتبع تكتيكات متباينة وفقا للبيئة التي تعمل فيها. لذا ، فإن مصطلح " الإخوان المسلمون " يجمع كل هذه التنظيمات على تباينها وتنوعها من حيث هي فكرة عالمية، وبخاصة أن بعض هذه التنظيمات تعلن صراحة أنها فروع من الجماعة الأم في مصر.

ويلفت فيدينو النظر أيضا إلى عالمية الجماعة من حيث الفكر والتنظيم؛ فهي تمتلك شبكة جِدُّ متطورة من العلاقات الشخصية والمالية والتنظيمية والإيديولوجية، بين أفرادها في المستوى العالمي. ويستشهد فيدينو بمقولة لمهدي عاكف المرشد العام السابق للإخوان المسلمين حين وصف الإخوان بأنها "حركة عالمية يتعاون أعضاؤها معا في أنحاء العالم جميعا ، على أساس النظرة الدينية العالمية نفسها: نشر الإسلام حتى يسود العالم". قيادات أخرى وصفت الجماعة بأنها "طريقة شائعة في التفكير" و "مدرسة فكرية عالمية".

أما في نظر فيدينو فإن الجماعة عبارة عن هيئة تنسيق دولية قائمة ولكنها ذات دور هامشي إذ أن الكيانات التابعة اسما للتنظيم العالمي للإخوان المسلمين كلها تعمل في جو من الاستقلالية، صحيح أن هناك مشاورات واتصالات مستمرة بين هذه الكيانات والجماعة الأم، إلا أن كل كيان منها له الحرية في اختيار إجراءاته ووسائله لتحقيق أهدافه بما يراه مناسبا. ومع ذلك فإن ما يربط كل هذه الكيانات معا هو الاعتقاد العميق بالإسلام بوصفه طريقة شاملة للحياة ولكن بأساليب مختلفة.

ويتتبع فيدينو تطور الظهور الإخواني في الغرب، الذي يعود إلى الستينيات من القرن الماضي حين تشكلت مجموعات صغيرة من الإخوان الفارين من الاضطهاد في مصر على يد جمال عبد الناصر، وهذه المجموعات انتشرت في معظم الدول الأوروبية، وكذلك في الولايات المتحدة الأمريكية.

وسرعان ما بدأت في التوسع والتفاعل مع الطبقات الوسطى المتعلمة والطلاب من المسلمين الذين أتوا الغرب لاستكمال دراستهم في الجامعات المحلية. وهؤلاء الطلاب أبدوا حماسا شديدا لأفكار هذه الجماعة، حتى أن أول رابطة للطلاب المسلمين تأسست في الولايات المتحدة في حرم جامعة إلينوي عام 1963 على يد ناشطي الإخوان وبعض المنظمات الغربية. وكان هذا النشاط بمثابة متنفس قوي لأعضاء الجماعة الذين سُمح لهم في الغرب بممارسة أنشطتهم في جو من الحرية والانفتاح.

مؤامرة الأسلمة!

يؤكد فيدينو أن وصول الموجات الأولى من الإخوان إلى أوروبا وأميركا الشمالية كان المرحلة الأولى من مؤامرة موجهة من الإخوان لأسلمة الغرب، وهذه الخطة كانت تنفذ بشكل عشوائي وعفوي وبجهود فردية وسرعان ما تطورت هذه التنظيمات بفضل مزيج من المرونة الأيديولوجية وتنويع الأنشطة والتمويل الضخم، وسوء تنظيم الحركات الإسلامية المنافسة، لتكتسب نفوذا كبيرا.

ومع مزيد من الحماسة سعت هذه المجموعات إلى نشر المجلات، وتنظيم المحاضرات، وغيرها من الأنشطة التي تساهم في نشر فكرتهم، وقد اجتذب هذا النشاط أعدادا كبيرة من الطلاب المسلمين وأعدادا أخرى صغيرة من المهاجرين المسلمين الذين لم يسبق لهم الاتصال بالإخوان في بلدانهم الأصلية.

ويضيف فيدينو:  حتى ولو ظلت أعداد الإخوان في الغرب قليلة نسبيا، إلا أنها أظهرت قدرة هائلة على احتكار الخطاب الإسلامي، ووضع بصماتها على كل قضية إيديولوجية ذات صلة بالإسلام سواء كانت دينية بحتة أم سياسية. ويعتبر أن الكثير من الذين تم استيعابهم داخل الإخوان هم من المسلمين الغربيين الذين يفتقدون الوعي في الغالب. وإن كان فيدينو يرى أن نجاح الإخوان في الغرب وتصدرهم المشهد الإسلامي يعود في أهم أسبابه إلى ما أسماهم بالأغلبية الصامتة، إضافة إلى ضعف التيارات الأخرى.

ينتقل فيدينو في الجزء الثاني من تقريره إلى تطور حركة الإخوان في الغرب وأهدافها، ويعتقد أن الحديث عن إخوان الغرب على أنهم مجرد فرع من فروع الجماعة الأم في مصر أمر مخالف للواقع؛ فكل مجموعة من الإخوان تختلف أهدافها وتكتيكاتها حسب المجتمع الذي تعيش فيه، مع الاحتفاظ بالعلاقات التاريخية والمالية والتنظيمية والشخصية والإيديولوجية مع الجماعة الأم. ويمكن القول أن المرونة والتطور المستمر هما السِّمَتان الرئيستان لدى الإخوان في الغرب، ومن أهم نقاط قوتهم.

المرونة و البراجماتية

ويستعرض فيدينو رأي النقاد في الإخوان في الغرب، الذين يعتبرون أن الهدف الرئيس لمنظمات الإخوان الغربية هو السعي إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في الغرب. ويستدل على ذلك بمقولة منسوبة للشيخ يوسف القرضاوي -الذي اعتبره الزعيم الروحي للتنظيم العالمي للإخوان المسلمين-، حيث قال "إننا سوف نقهر أوروبا وأمريكا من خلال الدعوة لا السيف"، وأن هذه المقولة لاقت صداها في جهود المنظمات الرامية لإدخال جوانب محدودة من الشريعة الإسلامية في النظم القانونية الغربية مثل مجلس الإفتاء الأوروبي أو المجلس الفقهي لأمريكا الشمالية.

ومع ذلك يختلف فيدينو مع هذه الفكرة ويرى أن هدف تطبيق الشريعة ليس من أولويات الإخوان في الغرب حاليا، فمنظمات الإخوان في الغرب تتسم بالبراجماتية وتدرك تماما ما الذي يمكن القيام به وتدرك أولويات كل مرحلة، ويعتقد فيدينو أن أهداف الإخوان في الغرب تتمثل في الحفاظ على الهوية الإسلامية بين المسلمين في الغرب مع الاندماج في المجتمع المحلي في الوقت نفسه، وهو ما لخصه في مقولة للشيخ القرضاوي " المحافظة دون العزلة ، والانفتاح دون الذوبان"، ومن ثم فإن الإخوان يحثون المسلمين في الغرب على الانخراط في أنشطة المجتمع بقدر ما يستطيعون التأثير في هذه الأنشطة دون طمس هويتهم الإسلامية.

أما الهدف الثاني المشترك لدى جميع منظمات الإخوان الغربية في نظر فيدينو فهو السعي إلى أن يكونوا ممثلين عن المسلمين في المجتمع الذي يعيشون فيه، وهو ما يمكن اعتباره بحكم الأمر الواقع في ظل ضعف باقي التنظيمات الإسلامية الأخرى وفي ظل استعانة بعض الحكومات الغربية بالفعل بمنظمات الإخوان في توصيل وجهات نظرها إلى لمسلمين.

ذئاب أم حملان؟

ويرى فيدينو أن المحللين الغربيين ينقسمون تجاه الإخوان في الغرب ما بين متفائلين ومتشائمين؛ فالمتفائلون يرون في منظمات الإخوان في الغرب مجرد قوة دينية محافظة، تشجع على التكامل بين المسلمين ومجتمعاتهم المحلية، وتقدم أنموذجا في العيش يستطيع فيه المسلمون الاندماج في المجتمع مع الحفاظ على الهوية الإسلامية، بل ويرى هؤلاء المتفائلون أنه ينبغي على الحكومات الغربية التعاون مع الإخوان بشأن القضايا المشتركة ، بما في ذلك مكافحة الإرهاب والتطرف.

على النقيض من ذلك لا يرى المتشائمون في إخوان الغرب إلا الجانب الشرير، وأنهم ذئاب في ثياب الحملان، ويعتبرون أنه بفضل التمويل المنظم للإخوان، إضافة لسذاجة معظم الغربيين، فإن الإخوان يشاركون في برنامج للهندسة الاجتماعية ببطء لكن بثبات، بهدف أسلمة المجتمعات الغربية، وفي نهاية المطاف الدخول في منافسة مباشرة مع الحكومات الغربية، وبذلك يعتبر هؤلاء المتشائمون الإخوان بمثابة حصان طروادة في العصر الحديث حيث يشاركون في تخريب المجتمع الغربي وإضعافه من الداخل تمهيدا لتأسيس النظام الإسلامي، صحيح أن الإخوان في الغرب لا يستخدمون العنف لكنهم فهموا كيفية التسلل إلى النظام بدلا من مواجهته وجها لوجه، وهو الأسلوب الذي ثبت فشله بالنسبة لتنظيم القاعدة مثلا فالمواجهة لا تؤدي إلى شيء مفيد.

ويلفت فيدينو النظر إلى تضارب سياسات مكتب التحقيقات الفيدرالي فيما يخص المنظمات الإسلامية في الولايات المتحدة؛ ففي وقت من الأوقات اعتبر مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (كير) على سبيل المثال شريكا متعاونا في مواجهة التطرف والإرهاب، وفي وقت لاحق اعتبره من المنظمات الإرهابية، وفي ظل حقيقة أن الغالبية العظمى من المسلمين الأمريكيين لا ينتمون إلى أي تنظيم ديني، فإن المجموعات الوحيدة التي لديها قدرة على التنظيم ولها العديد من الفروع في جميع أنحاء الولايات المتحدة هم الإخوان المسلمون، لذا رأى مكتب التحقيقات الفيدرالية أخيرا أنه من مصلحة الولايات المتحدة الوصول إلى هذه المنظمات واعتباره جزءا مهما من إستراتيجيته لمكافحة الإرهاب.

توصيات تجاه الإخوان

وفي الجزء الثالث والأخير من تقريره يقدم فيدينو توصياته للحكومات الغربية فيما يخص التعامل مع الإخوان المسلمين، ويعود مرة أخرى إلى المتشائمين والمتفائلين من المحللين، فالمتشائمون يتبنون الدعوة لاستبعاد الإخوان المسلمين التام في الغرب لأنهم يسعون لتقويض الحريات التي سمحت لهم بالازدهار والانتشار، إلا أن فيدينو يرى أن هذه الدعوة ليست صحيحة وبخاصة أن الإخوان يمارسون معظم أنشطتهم بشكل واضح وفي حدود القانون، وهذا واقع لا يمكن تجاهله، ومن ثم ينبغي لهم المشاركة، إضافة إلى سبب آخر أكثر عملية وهو أن تهميش الإخوان في الغرب قد يؤدي إلى تطرفهم.

في المقابل يرى المتفائلون في إخوان الغرب شركاء موثوق بهم وأنه يجب على السلطات تشجيع مشاركتهم لصالح التكامل المجتمعي ومواجهة التطرف والإرهاب، وينتقد فيدينو أيضا هذا النهج ويقول أن هناك من الأدلة الوفيرة على أن أهداف الإخوان الحقيقية في الغرب لا تتوافق بالضرورة مع تلك الأهداف التي صرحوا بها علنا ​​في الحوارات مع المؤسسات الغربية، وليس من الحكمة تمكين هؤلاء من ممارسة تأثير في المجتمع أو أن ينالوا دعما من الحكومة يساهم في تهميش القوى الإسلامية الأخرى التي لا تتخذ السياسة نهجا لها.

وأخيرا هناك نهج ثالث يدعو إليه فيدينو ويعتبره أكثر دقة في التعامل مع الإخوان في الغرب، فلا ينبغي عزلهم وتهميشهم حتى لا يؤدي ذلك بهم إلى التطرف، وحتى لا يصبحوا شهداء في نظر المجتمع المسلم، ولكن يجب السماح لهم بالمشاركة على أساس فهم تاريخهم وخصائصهم وطبيعة اتصالاتهم وأهدافهم ووسائلهم لتكون مشاركتهم بناءة وواقعية.

وينهي فيدينو تقريره بأنه لابد لصانعي القرار من التفرقة الجيدة بين المشاركة والتمكين، فلا مانع من إجراء حوار مع الإخوان بين الحين والآخر أو إقامة بعض الشراكات المحدودة لتحقيق نتائج إيجابية عدة، سيما في مجال الأمن، لكن دون منحهم صلاحيات لا مبرر لها. والتوازن الصحيح بين المشاركة والتمكين ليس سهلا ، لكنه ضروري لتجنب منح هذه المنظمات الشرعية والتأثير.

تقرير فيدينو هذا ليس الأول من نوعه فقد قدم سابقا تقريرا مفصلا عن الإخوان المسلمين في هولندا، ذكر فيه أن جماعة الإخوان المسلمين أقدم الجماعات الإسلامية المتشددة وأكثرها نفوذا، مؤكدا أنه بالرغم مما يتردد عن اتجاه الإخوان نحو الاعتدال، فإنهم ما يزالون يحملون الأجندة المتطرفة نفسها التي تبنونها خلال الثمانين عاماً الماضية. وأن المرونة والخداع صفتان لازمتان للإخوان في الغرب تجعلهم يستبدلون العنف والمواجهة بالقوة الناعمة والاختراق البطيء. وهو نفسه ما أكده في كتابه الأخير "الإخوان المسلمون في الغرب".

كما سبق لفيدينو أن كتب دراسة في مجلة الشرق الأوسط الفصلية عام 2005 بعنوان "غزو الإخوان المسلمين أوروبا"، حذر فيها خطورةَ التواجد الإخواني في أوروبا و خطورة السماح لهم بممارسة أنشطتهم التي تهدف إلى أسلمة أوروبا. مع الإشارة إلى أن فيدينو عمل نائب مدير مشروع Investigative Project وهو عبارة عن معهد أبحاث لمناهضة الإرهاب ويقع في واشنطن.

ملاحظات وتعقيبات

هناك أمران نود لفت الانتباه إليهما بخصوص تقرير فيدينو، الأمر الأول أنه تجدر الإشارة إلى أن تقرير فيدينو كان أحد التقارير الخمسة التي قدمها خبراء ومحللون بوصفها شهادات أدلوا بها أمام لجنة الاستخبارات ومكافحة التجسس والإرهاب في الولايات المتحدة الشهر الماضي، عقد إثرها الكونجرس الأمريكي جلسة استماع للتناقش حول دور الإخوان المسلمين في مستقبل مصر بعد مبارك.

وكانت الشهادة الأولى التي أدلى بها الصهيوني روبرت ساتلوف بمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، التي حذر فيها خطورة وصول الإخوان  السلطة في مصر، مقررا أن تخلي الإخوان المؤقت عن العنف كان نتيجة ضغط وإكراه وأنهم لن يلبثوا أن يعودوا إلى العنف فور تمكنهم من تولب السلطة ،الذي سيكون له تداعيات خطيرة على مستقبل اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل وعلى النفوذ الأمريكي في المنطقة.

أما الشهادة الثانية فكانت من جانب الدكتور أحمد منصور، رئيس جماعة القرآنيين، الذي أكد على أن الإخوان في مصر لديهم أجندة للاستيلاء على الحكم وأن المنظمات السلفية والإرهابية قد خرجت من تحت عباءتها. ثم جاءت شهادة فيدينو المشار إليها سابقا لتحذر أيضا من تمكين الإخوان.

في المقابل جاءت شهادتان فقط تدافعان عن الإخوان في هذه الجلسة حيث أدلى ناثان براون، أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج واشنطن بشهادته رافضا محاولات تخويف الناس الإخوان ومقررا أن رفضهم العنف هو توجه حقيقي وعن قناعة راسخة، مبررا ما تمارسه حماس من مقاومة مشروعة في مواجهة الاحتلال الصهيوني ونافيا أن يكون ذلك نوع من ممارسة العنف الذي تنتهجه جماعة الإخوان، وأخيرا كانت شهادة طارق مسعود، أستاذ السياسات الشرقية بجامعة هارفارد التي نفى فيها أن يكون الإخوان في موضع يشكل تهديدا لمصر أو للولايات المتحدة.

الأمر الآخر الذي تجب الإشارة إليه يتمثل في صدور تقرير فيدينو بتمويل من مؤسسة راند البحثية، وهي مؤسسة أمريكية بحثية ذات صلة مباشرة بالمحافل الماسونية، ومن أهم مؤسسات الفكر الأمريكية ذات التأثير في دوائر صنع القرار في الإدارة الأمريكية، خاصة فيما يتعلق بشئون الشرق الأوسط الكبير. لذا كان لابد من إلقاء الضوء على طبيعة عمل هذه المؤسسة ودورها في تحريك الإدارة الأمريكية.

"راند" من الجيش إلى السياسة

تعود نشأة مؤسسة راند إلى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وتحديدا عام 1946، حيث تأسست بإشراف سلاح الجو الأمريكي تحت اسم معهد راند " RAND Institute"على غرار بيت الخبرة البريطاني "Think Tank"، وظل سلاح الجو الأمريكي يرعى المعهد الذي ساهم في حل كثير من المشكلات التي تعترض صناع القرار في القوات الجوية.

وبعد النجاح الذي أدى به المعهد دوره في خدمة صناع القرار في سلاح الجو الأمريكي ارتأت الإدارة الأمريكية توسيع نشاطه ليشمل فروع القوات المسلحة كافة ومن ثم أجهزة الدولة كلها فتحول ليحمل اسم مؤسسة راند " RAND Corporation" منظمةً بحثية غير ربحية تهدف إلى تطوير السياسات وآليات صنع القرار، وما زالت المؤسسة تتلقى دعمها المالي من الحكومة والتبرعات، وذات تأثير نافذ في السياسات الأمريكية، وتقدم خدماتها لكل من القطاعين العام والخاص.

ويعود اهتمام راند بالإسلام وما أسمته بالخطر الإسلامي إلى عام 1999 أي قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر بنحو عامين ، حين أصدرت كتابا بعنوان " مواجهة الإرهاب الجديد" وقد أعدته مجموعة من الخبراء الأمريكيين، وحذر الكتاب أن خطر الإرهاب الجديد سيتركز في منطقة الشرق الأوسط ومن ثم سيشكل تهديدا للأمن القومي الإسرائيلي والمصالح العليا للولايات المتحدة في المنطقة.

ثم جاء تقرير راند عام 2004 بعنوان "العالم الإسلامي بعد الحادي عشر من سبتمبر" " The Muslim World After 9/11"[iii]، وقد مثل خطة محكمة لتوجيه الإدارة الأمريكية نحو لتعامل مع العالم الإسلامي، ويُعَدُّ التقرير خارطة طريق واضحة يتعين على الساسة الأمريكيين إتباعها في كل منطقة من مناطق العالم الإسلامي. حيث تم تقسيم العالم الإسلامي تقسيما جائرا؛ فهناك منطقة سلفية وأخرى معتدلة وثالثة راديكالية، ووجه التقرير صناع القرار الأمريكي إلى ضرورة احتواء شيعة العراق لصد المد الشيعي الإيراني.

تشكيل السياسة الأمريكية

ثم جاء تقرير "الإسلام المدني الديمقراطي: الشركاء والموارد والاستراتيجيات" "Civil Democratic Islam: Partners, Resources, and Strategies"[iv] عام 2005 الذي عَدَّ الإسلام حائطا منيعا أمام محاولات التغيير، وقام بتصنيف المسلمين إلى أربع فئات: أصوليين ، تقليديين، حداثيين، علمانيين. ووجه التقرير الإدارة الأمريكية إلى كيفية التعامل مع كل فئة؛ فالأصوليين يجب استئصال شأفتهم، والتقليديين يجب دعمهم ليشككوا بمبادئ الأصوليين، ومن ثم يجب دعم الشيعة والصوفية، كما يجب دعم ما أسمتهم بالمسلمين الحداثيين والعلمانيين.

أما التقرير الأخطر الذي قدمته مؤسسة راند فكان بعنوان " بناء شبكات مسلمة معتدلة" " Building Moderate Muslim Networks "[v]، الصادر عام 2007 وأثار ضجة حينها وكان يهدف إلى رسم خطة متكاملة للسياسة الأمريكية في العالم أجمع وخاصة منطقة الشرق الأوسط، وقد قدم تعريفا أمريكيا خالصا لمفهوم الاعتدال، فالمسلم المعتدل هو من يرفض الشريعة، ويؤمن بالعلمانية!

وفي عام 2008 صدر كتاب لراند بعنوان "صعود الإسلام السياسي في تركيا" "The Rise of Political Islam in Turkey"[vi] ، ويصف الكتاب المشهد السياسي والديني في تركيا، والعلاقة بين الدين والدولة، وكيف تقيم الدولة التوازن بين القوى العلمانية والدينية ،وبين النخب الكمالية والفئات الاجتماعية الجديدة الناشئة . ويقدم أيضا تعريفا بالتحديات والفرص الجديدة للسياسة الأمريكية في تغيير البيئة السياسية التركية، ويحدد الإجراءات التي ينبغي على الولايات المتحدة اتخاذها للحفاظ على تركيا مستقرة وديمقراطية، وصديقة. وفي السياق نفسه قدمت راند عام 2009 كتابا بعنوان "الإسلام الراديكالي في شرق أفريقيا" "Radical Islam in East Africa".

والخطورة في تقارير راند أنها تشكل المرجع الأساسي في توجيه صناع القرار الأمريكي، خاصة مسؤولي وزارة الدفاع الأمريكية، فيكفي الإشارة إلى أن بول بريمر الحاكم الأميركي المدني السابق في العراق قد ذكر صراحة في مذكراته عن غزو العراق[vii] أنه ما إن وطئت قدماه أرض العراق وبدأ يسأل عن كيفية إدارة هذه الدولة، كان تقرير مؤسسة راند الاستراتيجي عن أفضل السبل لتسيير الوضع في العراق أول ما وضعه جيم دوبنز Jim Dobbinsبين يديه، ومن المعروف أن دوبنز شغل سابقا منصبا دبلوماسيا وهو محلل سياسي بمؤسسة راند ذو خبرة طويلة[viii] .

بل يتهم بعض المراقبين راند بعلاقاتها القوية مع شركات تصنيع الأسلحة وأجهزة الاستخبارات والتي جعلتها تضطلع بمهمة تحفيز القادة الأمريكيين لما أسمته بالحروب الاستباقية التي شهدناها في أفغانستان والعراق، وراجت على إثرها مبيعات الأسلحة وأجهزة الاستخبارات، مما أثار تساؤلات عديدة حول دور المؤسسة في الدفع بالإدارة الأمريكية لخوض حروب لا مبرر لها.

والأمر نفسه يتكرر في السيناريوهات التي تشهدها المنطقة العربية جميعا ، خاصة مصر أعقاب الإطاحة بالنظام السابق، فما تشهده مصر من صدامات مفتعلة مع التيارات الإسلامية كافة ، مقابل دعم التيارات الليبرالية والعلمانية ما هو إلا تنفيذ عملي لتوصيات مؤسسة راند ومثيلاتها من المؤسسات الفكرية التي تضطلع بدورها في رسم ملامح السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، والتي تنفذها النخب العلمانية بدقة ودونما تأخير. 

هذا المنشور نشر في مقالات, أخبار ووثائق, عام. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s