الدكتور رفيق حبيب يكتب: الإسلاميون والمجلس العسكري

 

داومت النخب العلمانية ووسائل الإعلام التابعة لها، والممولة من طبقة رجال الأعمال العلمانية، على ترويج قوالب إعلامية معينة، وتكرارها وترديدها، حتى تصبح وكأنها الحقيقة، التي يحتاج من لا يقبلها إلى تقديم الدليل، في حين أن من يقبلها يكون غير مطالب بتقديم الدليل، وتستخدم هذه القوالب الإعلامية في المعارك السياسية بعد ذلك؛ لتحصيل مكاسب سياسية لصالح القوى العلمانية في مواجهة التيار الإسلامي.

لهذا لم يمر وقت بعد الثورة، وبدأ نشر مقولة أن التيار الإسلامي متوافق مع المجلس العسكري، والبعض قال بوجود صفقة بين المجلس العسكري والتيار الإسلامي، ولم يقدم أحد محتوى تلك الصفقة أو محتوى التفاهم الخاص بين المجلس العسكري والتيار الإسلامي، واللافت للنظر أن تلك المقولة لم تكن جديدة، فقد دأبت النخب العلمانية على تكرار مقولة وجود صفقة بين نظام مبارك والتيار الإسلامي، رغم أنه كان من أشد النظم معاداة للتيار الإسلامي، وكان تفاهمه مع التيار الإسلامي مرحلي ومؤقت وعابر، أما عداوته فكانت مستمرة ودائمة وثابتة، في حين أن التقارب بين نظام مبارك والاتجاه العلماني لم يكن خافيًّا على أحد؛ حيث إن نظام مبارك نفسه كان يقدم نفسه باعتباره نظامًا علمانيًّا، وباعتباره سدًّا لمنع قيام أي نظام حكم إسلامي، وفي عهده تمكنت النخب والقوى العلمانية من السيطرة الكاملة على الإعلام.

نفس المقولة تتكرر مرة أخرى، وهذه المرة تستخدم مقولة وجود صفقة بين التيار الإسلامي والمجلس العسكري للضغط عليه؛ لتقديم تنازلات أو قبول إملاءات النخبة العلمانية، فليس الأمر مجرد نشر قالب إعلامي ضد التيار الإسلامي، ولكن أيضًا يستخدم هذا القالب الإعلامي لتمرير منافع سياسية للنخبة العلمانية.

فعندما تعامل المجلس العسكري طبقًا للقانون مع كلِّ الأطراف، اعتبر الجانب العلماني ذلك تحيزًا للتيار الإسلامي، وكأن الطبيعي أن يعامل التيار الإسلامي خارج إطار القانون. وعندما اختير عضو في لجنة تعديل الدستور من جماعة الإخوان المسلمين (الأستاذ صبحي صالح)، اعتبر ذلك صفقة معهم، رغم أن عضوًا آخر كان من التيار الليبرالي ولم يتكلم عنه أحد (د. عاطف البنا)، وكأن مجرد اشتراك إسلامي في أي عمل مشكل من المجلس العسكري يمثل انحيازًا من المجلس للتيار الإسلامي، بالرغم من أن أغلب من تعاون مع المجلس العسكري في المجالس واللقاءات الاستشارية، وأغلب من شارك في وظائف مختارة من الحكومة والمجلس العسكري، هم من النخبة العلمانية، التي لا تمثل أغلبية على أرض الواقع، ولكنها تمثل أغلبية في الفضاء الإعلامي الصاخب.

ثم جاءت التعديلات الدستورية، وهي كانت ترجمة لخريطة الطريق التي أعلنها المجلس العسكري في أول إعلان دستوري في 13 فبراير، وكانت رؤية المجلس العسكري تتضمن نقل السلطة إلى سلطة مدنية منتخبة، بعد إجراء التعديلات اللازمة لوضع أسلوب انتخابي ديمقراطي، وعدم تغيير أي جانب من طبيعة النظام السياسي، وترك مهمة بناء النظام السياسي الجديد للسلطة المنتخبة من الناس، بما في ذلك وضع دستور جديد، وهنا حدث توافق بين رؤية المجلس العسكري ورؤية التيار الإسلامي، فالمجلس العسكري لا يريد البقاء في الحكم، ويعمل على تقصير مدة بقائه في الحكم، وهو أمر يوافق عليه التيار الإسلامي، بل يدفع لتحقيقه؛ لأن الحكم العسكري ضار بالقوات المسلحة ودورها، ويمكن أن يورطها في صراعات السياسية، كما أن إطالة الحكم العسكري يعني تأجيل الديمقراطية.

كما أن التيار الإسلامي وافق على أن الشعب هو صاحب الحق الوحيد في بناء نظامه السياسي الجديد، من خلال انتخاب ممثليه، والذين يختارون اللجنة التأسيسية التي سوف تضع الدستور الجديد، فالتيار الإسلامي يرى أن الشعب هو مصدر السلطة، وبالتالي هو صاحب الحق في اختيار ممثليه وحكامه، وهو صاحب الحق في تحديد هويته ومرجعيته.

وهذا هو صلب الخلاف مع النخب العلمانية، والتي ترى ضرورة بقاء الحكم العسكري أو مد الفترة الانتقالية بأي وسيلة؛ حتى تستطيع تحديد موقع لها داخل العملية السياسية يؤمن لها دورًا في الحياة السياسية، تقوم فيه بدور النخبة صاحبة الشرعية، والتي تنوب عن الشعب في القضايا الأساسية، باعتبارها صاحبة الحق في تحديد خريطة طريق الحركة الوطنية المصرية، فالنخبة العلمانية ترى أن الشعب غير مؤهل لبناء النظام السياسي الجديد، والذي يجب أن يبني من خلال النخبة الثقافية والسياسية، والتي تتصور أن لها شرعية بدون الرجوع للشعب لسؤاله عن تلك الشرعية المزعومة.

وهذا هو محل الخلاف بين النخبة العلمانية والتيار الإسلامي، وهو أيضًا محل الاتفاق بين التيار الإسلامي والمجلس العسكري؛ حيث إن التيار الإسلامي يرى أن الشرعية تستمد من الشعب فقط، وليس لأحد شرعية بدون الرجوع لصندوق الاقتراع، والمجلس العسكري يرى أن الشعب هو صاحب الحق في تحديد مصيره السياسي، أما النخبة العلمانية فترى أنها صاحبة الحق في الوصاية عن الناس، وأن لها تفويضًا تاريخيًّا أو وطنيًّا، لم يكتبه أحد ولم يخرج من أي صندوق اقتراع، وتريد أن تمارس هذه الوصاية كنائبة عن الشعب، دون أي تصديق على ذلك من خلال صندوق الاقتراع.

ولأن النخبة العلمانية تريد وضع الدستور دون الرجوع للشعب، لذا أصبحت تريد فرض شرعية ثورية على أن تحتكر هذه الشرعية الثورية ومعها مجموعات من الشباب، ومن ثم تفرض على المجلس العسكري أوضاعًا استثنائية خارج إطار الدستور والقانون، وتكون النخبة العلمانية ومجموعات من الشباب هم أصاحب الحق في تحديد خيارات الشرعية الثورية، وبهذا يصبح لهم حق الحكم فعليًّا، وبدون تفويض من الشعب؛ حتى يتم بناء نظام سياسي جديد، يكرس للعلمانية جزئيًّا، ويمنع من تشكل مرجعية إسلامية للدولة.

أما المجلس العسكري، فقد أراد بناء النظام السياسي الجديد من خلال إدارة المرحلة الانتقالية طبقًا للدستور والقانون، ومن ثم تسليم السلطة لحكومة وبرلمان منتخب، دون الخروج عن الشرعية الدستورية والقانونية، والتيار الإسلامي يرى أهمية العمل وفق الشرعية الدستورية، ويرى أن الشرعيات الاستثنائية لها العديد من السلبيات، ويمكن أن تقضي على مكاسب الثورة؛ لأنها غالبًا ما تقود إلى ديكتاتوريات عسكرية في نهاية الأمر.

تلك هي مساحة التشابه في منهج الرؤية بين المجلس العسكري والتيار الإسلامي، والتي تؤيدها أغلبية معتبرة في المجتمع المصري، تميل إلى النهج البنائي الإصلاحي، وتميل إلى البناء والاستقرار معًا، وهي الأغلبية التي وافقت على التعديلات الدستورية، ولا يمكن أن يكون التوافق على منهج بناء النظام السياسي الجديد طبقًا للشرعية الدستورية تهمةً توجَّه للمجلس العسكري أو التيار الإسلامي، ولكن يبدو أن هذه التهمة لها هدف واحد، وهو فرض ضغوط على المجلس العسكري، حتى يستجيب لمطالب النخب العلمانية، والتي تريد وضع أسس ومبادئ للدستور الجديد واللجنة التي سوف تعده تفرض على المجلس النيابي المنتخب، وعلى اللجنة التأسيسية المختارة، أي تفرض على الإرادة الشعبية الحرة، بعد أن كانت تريد وضع دستور كامل وفرضه على الشعب، ولكن محاولتها فشلت.

هذا المنشور نشر في الثورة المصرية, عام. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s