قراءة في (مليونية الإرادة الشعبية ووحدة الصف)

184028_190527374313640_100000691354590_519139_2493318_n 

بقلم: د. محمد البلتاجي

1- في مواجهة حالة متزايدة من احتكار البعض للمشهد الثوري وحديث عن المبادئ فوق الدستورية كان الظاهر فيه أن إعداد وصياغة هذه المبادئ قد يوكل إلى قوى وشخصيات بعينها، وكأنها تملك الوصاية على الوطن، في تلك اللحظة التاريخية دعت بعض القوى الإسلامية لمليونية تحت عنوان: "مليونية الشريعة" أو مليونية الهوية الإسلامية".

ثمَّ.. دارت حوارات إسلامية- إسلامية وإسلامية- متعددة؛ للوصول إلى توافق وطني لأجل منع مزيد من الاستقطاب والانقسام في المشهد السياسي والثوري، واتفقنا على أن تكون المليونية يوم 19/7 تحت عنوان "الإرادة الشعبية ووحدة الصف"، وكان الحوار صريحًا في ضرورة أن تتوافق القوى الوطنية على منع صور الانقسام وأن تبقى محافظةً على وحدة الصف الثوري والضغط لأجل تحقيق مطالب الثورة، شريطة أن نحترم جميعًا الإرادة الشعبية فلا يمارس أحد أي نوع من الوصاية، لا باسم النخبة السياسية، ولا حتى باسم القوى السياسية مجتمعةً، وأن نعود في اختلافاتنا للشعب، وأن ننزل على إرادته من خلال استفتاءات وانتخابات حرة نلتزم جميعًا بنتائجها وإن خالفت آراءنا وأطروحاتنا.

2- في إطار حملة التفزيع من الإسلاميين بالغت بعض المنابر الإعلامية في الحديث عن المواجهة الإسلامية- غير الإسلاميّة واحتمالات تحوُّل التحرير إلى ميدان لإراقة الدماء، وثبت أن تلك المبالغات والتهويلات لا أصلَ لها، فلقد دخل للميدان أكثر من مليون ونصف وخرجوا منه دون أن يحدث شيء من هذه المخاوف.

3- للحق والتاريخ.. ولا خيرَ فينا إن لم نقلها ولا خير فيهم إن لم يسمعوها: كنّا ننتظر أن يكون دخول الإسلاميين بهذه الكثافة العدديّة غير المسبوقة إضافة كبيرة للمشهد الثوري وللمطالب الثوريّة فتصل الرسالة للمجلس الأعلى أنّ جماهير الثورة- وفي القلب منها الإسلاميون- لا تزال قادرةً على حشد الملايين من وراءها لاستكمال مسيرة الثورة، ولكن للأسف الشديد تحقق الحشد المليوني ولكن توارت المطالب الثوريّة وتوارى المشهد الثوري، وبرزت قضايا الشريعة والهويّة، وهي العناوين الصحيحة- محل القبول من القاعدة العريضة من الشعب- ولكن بروزها أمس يهذه الطريقة، وبالمخالفة للعنوان الذي تم التوافق عليه، جاء في الزمان والمكان غير الصحيح، والمؤكد أن وحدة الصف بين القوى الوطنيّة قد تأثَّرت سلبًا بهذه المليونيّة وكأنّ مفهوم الإرادة الشعبيّة، بمعنى رفض الوصاية على المشهد الثوري وضرورة الإحتكام لإرادة الشعب، قد تم تجاوزه فانتقلنا من الخوف من وصاية غير الإسلاميين إلى الخوف من هيمنة الإسلاميين على المشهد.

4- عشت منذ نعومة أظافري مشغولاً بالمشروع الحضاري الإسلامي والهويّة الحضاريّة الإسلاميّة التي تقوم على ثوابت وأصول ومبادئ الشريعة الإسلامية القادرة على بعث ونهضة هذه الأمّة وعودتها لصدارة المشهد الحضاري، ولكني أؤمن أنّ الطريق الصحيح للوصول إلى تطبيق الشريعة والتعبير عن الهويّة الإسلامية هو الإرادة الشعبية الحرّة- أي أن يختار الشعب هذه الخيارات بإرادته الحرّة دون وصاية عليه من أحد-، وبالتالي لا أوافق على أن تكون الوسيلة لتحقيق هذه المطالب هي المظاهرات والمليونيات وإنما من خلال تبنّي برامج سياسية للأحزاب الإسلامية تنجح في إقناع الجماهير بها وحشدهم وراءها فتترجم الجماهير إرادتها لهذه البرامج والسياسات المعبرة عن الفكرة الإسلامية، وموافقتها عليها من خلال استفتاءات وانتخابات حرّة في مناخٍ ديمقراطي صحيح، وأؤمن أنّ ملايين من الشعب المصري ستصوّت لصالح هذه المبادئ والقيم الإسلامية، لكني أؤمن أيضًا أن هذه الملايين من الشعب المصري المحبة للقيم الإسلامية والمتمسكة بثوابت الشريعة الإسلامية لن تقبل فرض الوصاية عليها من الإسلاميين كما لم تقبلها من غيرهم.

5- في الأيام القليلة الماضية قابلت الكثير من قيادات بعض التيارات الإسلامية (للمرة الأولى) ففاجأني كثير منهم بما لديه من الرؤية الوطنية التوافقيّة بعيدة النظر وصدمني آخرون بنظرتهم الضيقة؛ حيث عانينا كثيرًا مع البعض من أجل أن يسمحوا بقدّاس الأقباط، ومن أجل أن يسمحوا ببقاء الشيخ مظهر شاهين خطيبًا للجمعة، وقد أصرّوا على رفض الأغانِي الوطنية، وبصعوبة سمحوا للأنبا بولس بإلقاء كلمته وسط مقاطعاتٍ كثيرة، وهي ممارسات تدلل على ضعف الخبرة في العمل السياسي والجماهيري متعدد الانتماءات، وتؤكد ضرورة مراجعة هذه الجماعات لمواقفها من القضايا الخلافية التي- هي على الأقل ليست بمنكرات معلومة من الدين بالضرورة-، لا بد أن تبحث تلك القيادات موقفها من القضايا الخلافية والفرعية وكيف ستتعامل معها، وهل ستقبل بالمساحات المشتركة وبحق الجميع في طرح مواقفه وتتغاضي عن كثيرٍ من الاجتهادات الفرعية والخلافية المخالفة لاجتهاداتها الفقهية؟

6- أخيرًا.. لقد وصلت الرسالة أمس أن أحدًا لا يستطيع تجاهل قيم وثوابت هذا المجتمع، ولكن صاحب تلك الرسالة حالة من القلق لدى قطاعات غير قليلة من المجتمع ترفض هيمنة الأكثرية العددية، كما رفضت وصاية الأقلية النخبوية من قبل، وفي كل حال تبقى الإرادة الشعبية لـ83 مليون مصري أكبر من كل هذه القوى بما فيها الإسلامية، وحيث إنّ الاحتكام لإرادة الشعب واحترامها هي من ثوابت الفكرة الإسلاميّة والمدنية على السواء، فهل نأمل في التزام الجميع باحترام (الإرادة الشعبية) لنحسم الخلافات بين مختلف القوى الوطنية كي ننجح في بناء توافق وطني واستمرار (وحدة الصف) دون هيمنة ولا وصاية من أحدٍ ودون تهميش ولا إقصاء لأحد كذلك.

هذا المنشور نشر في الثورة المصرية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s