صفات المتقين وكيف نتحقق بها (خواطر تربوية من سورة البقرة )

 ip039 

فى تدوينات سابقة وضعت برنامج تدريبى عن التربية القرآنية وكيف تصبح قرآنا يمشى على الأرض وسأضع روابط هذه المواضيع فهى من الأهمية بمكان حتى نطبق هذه المفاهيم

التربية القرآنية

كيف تصبح قرآنا يمشى على الأرض 

ومما كتبته أننا يجب ونحن نقرأ القرآن أن نتدبر القيم والصفات التى بالآيات القرآنية ونسقط هذه القيم والصفات على واقعنا ثم نضع وسائل عملية للتحقق بهذه الصفات والقيم وسنضرب مثالا بصفات المتقين فى سورة البقرة

إذا قرأنا سورة البقرة بتدبر فسنجد أن السورة  وصفت المتقين بصفات فى موضعين مختلفين الأول فى أولها وهى قوله عز وجل :

ذلك الكتاب لا ريب فيه . . هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب , ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون , والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك , وبالآخرة هم يوقنون).

وفى موضع آخر :

لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ

وسأتناول هذه الصفات بشيء من التفصيل ونبدأ بالآيات الأولى من سورة البقرة يقول الله عز وجل فى محكم التنزيل :

ذلك الكتاب لا ريب فيه . . هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب , ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون , والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك , وبالآخرة هم يوقنون).

وأقتبس هنا ما كتبه الأستاذ سيد قطب رحمه الله فى ظلال القرآن تعليقا على هذه الصفات يقول :

إن السمة الأولى للمتقين هي الوحدة الشعورية الإيجابية الفعالة  الوحدة التي تجمع في نفوسهم بين الإيمان بالغيب , والقيام بالفرائض , والإيمان بالرسل كافة , واليقين بعد ذلك بالآخرة  هذا التكامل الذي تمتاز به العقيدة الإسلامية  وتمتاز به النفس المؤمنة بهذه العقيدة  والجدير بأن تكون عليه العقيدة الأخيرة التي جاءت ليلتقي عليها الناس جميعا , ولتهيمن على البشرية جميعا  وليعيش الناس في ظلالها بمشاعرهم وبمنهج حياتهم حياة متكاملة  شاملة للشعور والعمل  والإيمان والنظام .

فإذا نحن أخذنا في تفصيل هذه السمة الأولى للمتقين إلى مفرداتها التي تتألف منها , انكشفت لنا هذه المفردات عن قيم أساسية في حياة البشرية جميعا . .

(الذين يؤمنون بالغيب). . فلا تقوم حواجز الحس دون الاتصال بين أرواحهم والقوة الكبرى التي صدرت عنها  وصدر عنها هذا الوجود  ولا تقوم حواجز الحس بين أرواحهم وسائر ما وراء الحس من حقائق وقوى وطاقات وخلائق وموجودات .

والإيمان بالغيب هو العتبة التي يجتازها الإنسان , فيتجاوز مرتبة الحيوان الذي لا يدرك إلا ما تدركه حواسه , إلى مرتبة الإنسان الذي يدرك أن الوجود أكبر وأشمل من ذلك الحيز الصغير المحدد الذي تدركه الحواس – أو الأجهزة التي هي امتداد للحواس – وهي نقلة بعيدة الأثر في تصور الإنسان لحقيقة الوجود كله ولحقيقة وجوده الذاتي  ولحقيقة القوى المنطلقة في كيان هذا الوجود , وفي إحساسه بالكون وما وراء الكون من قدرة وتدبير  كما أنها بعيدة الأثر في حياته على الأرض

فليس من يعيش في الحيز الصغير الذي تدركه حواسه كمن يعيش في الكون الكبير الذي تدركه بديهته وبصيرته  ويتلقى أصداءه وإيحاءاته في أطوائه وأعماقه , ويشعر أن مداه أوسع في الزمان والمكان من كل ما يدركه وعيه في عمره القصير المحدود  وأن وراء الكون ظاهره وخافيه  حقيقة أكبر من الكون  هي التي صدر عنها , واستمد من وجودها وجوده . . حقيقة الذات الإلهية التي لا تدركها الأبصار ولا تحيط بها العقول .

وعندئذ تصان الطاقة الفكرية المحدودة المجال عن التبدد والتمزق والانشغال بما لم تخلق له  وما لم توهب القدرة للإحاطة به  وما لا يجدي شيئا أن تنفق فيه  إن الطاقة الفكرية التي وهبها الإنسان  وهبها ليقوم بالخلافة في هذه الأرض  فهي موكلة بهذه الحياة الواقعة القريبة  تنظر فيها  وتتعمقها وتتقصاها , وتعمل وتنتج  وتنمي هذه الحياة وتجملها , على أن يكون لها سند من تلك الطاقة الروحية التي تتصل مباشرة بالوجود كله وخالق الوجود , وعلى أن تدع للمجهول حصته في الغيب الذي لا تحيط به العقول

فأما محاولة إدراك ما وراء الواقع بالعقل المحدود الطاقة بحدود هذه الأرض والحياة عليها , دون سند من الروح الملهم والبصيرة المفتوحة , وترك حصة للغيب لا ترتادها العقول . . فأما هذه المحاولة فهي محاولة فاشلة أولا , ومحاولة عابثة أخيرا . فاشلة لأنها تستخدم أداة لم تخلق لرصد هذا المجال . وعابثه لأنها تبدد طاقة العقل التي لم تخلق لمثل هذا المجال . . ومتى سلم العقل البشري بالبديهية العقلية الأولى , وهي أن المحدود لا يدرك المطلق , لزمه – احتراما لمنطقه ذاته – أن يسلم بأن إدراكه للمطلق مستحيل ; وإن عدم إدراكه للمجهول لا ينفي وجوده في ضمير الغيب المكنون ; وأن عليه أن يكل الغيب إلى طاقة أخرى غير طاقة العقل ; وأن يتلقى العلم في شأنه من العليم الخبير الذي يحيط بالظاهر والباطن , والغيب والشهادة . . وهذا الاحترام لمنطق العقل في هذا الشأن هو الذي يتحلى به المؤمنون , وهو الصفة الأولى من صفات المتقين .

 (ويقيمون الصلاة). . فيتجهون بالعبادة لله وحده  ويرتفعون بهذا عن عبادة العباد  وعبادة الأشياء . يتجهون إلى القوة المطلقة بغير حدود ويحنون جباههم لله لا للعبيد  والقلب الذي يسجد لله حقا , ويتصل به على مدار الليل والنهار , يستشعر أنه موصول السبب بواجب الوجود  ويجد لحياته غاية أعلى من أن تستغرق في الأرض وحاجات الأرض , ويحس أنه أقوى من المخاليق لأنه موصول بخالق المخاليق  وهذا كله مصدر قوة للضمير  كما أنه مصدر تحرج وتقوى  وعامل هام من عوامل تربية الشخصية  وجعلها ربانية التصور , ربانية الشعور  ربانية السلوك .

(ومما رزقناهم ينفقون). . فهم يعترفون ابتداء بأن المال الذي في أيديهم هو من رزق الله لهم  لا من خلق أنفسهم  ومن هذا الاعتراف بنعمة الرزق ينبثق البر بضعاف الخلق , والتضامن بين عيال الخالق  والشعور بالآصرة الإنسانية , وبالأخوة البشرية  وقيمة هذا كله تتجلى في تطهير النفس من الشح  وتزكيتها بالبر وقيمتها أنها ترد الحياة مجال تعاون لا معترك تطاحن , وأنها تؤمن العاجز والضعيف والقاصر , وتشعرهم أنهم يعيشون بين قلوب ووجوه ونفوس , لا بين أظفار ومخالب ونيوب !

والإنفاق يشمل الزكاة والصدقة , وسائر ما ينفق في وجوه البر  وقد شرع الإنفاق قبل أن تشرع الزكاة , لأنه الأصل الشامل الذي تخصصه نصوص الزكاة ولا تستوعبه  وقد ورد في حديث رسول الله [ ص ] بإسناده لفاطمة بنت قيس " إن في المال حقا سوى الزكاة " . . وتقرير المبدأ على شموله هو المقصود في هذا النص السابق على فريضة الزكاة

والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)

(والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك). . وهي الصفة اللائقة بالأمة المسلمة  وارثة العقائد السماوية , ووارثة النبوات منذ فجر البشرية  والحفيظة على تراث العقيدة وتراث النبوة  وحادية موكب الإيمان في الأرض إلى آخر الزمان  وقيمة هذه الصفة هي الشعور بوحدة البشرية  ووحدة دينها ووحدة رسلها  ووحدة معبودها . قيمتها هي تنقية الروح من التعصب الذميم ضد الديانات والمؤمنين بالديانات ما داموا على الطريق الصحيح  قيمتها هي الاطمئنان إلى رعاية الله للبشرية على تطاول أجيالها وأحقابها . هذه الرعاية البادية في توالي الرسل والرسالات بدين واحد وهدى واحد  قيمتها هي الاعتزاز بالهدى الذي تتقلب الأيام والأزمان , وهو ثابت مطرد  كالنجم الهادي في دياجير الظلام

(وبالآخرة هم يوقنون). . وهذه خاتمة السمات . الخاتمة التي تربط الدنيا بالآخرة , والمبدأ بالمصير , والعمل بالجزاء ; والتي تشعر الإنسان أنه ليس لقى مهملا  وأنه لم يخلق عبثا  ولن يترك سدى ; وأن العدالة المطلقة في انتظاره  ليطمئن قلبه  وتستقر بلابله  ويفيء إلى العمل الصالح , وإلى عدل الله روحمته في نهاية المطاف .

واليقين بالآخرة هو مفرق الطريق بين من يعيش بين جدران الحس المغلقة , ومن يعيش في الوجود المديد الرحيب . بين من يشعر أن حياته على الأرض هي كل ما له في هذا الوجود , ومن يشعر أن حياته على الأرض ابتلاء يمهد للجزاء , وأن الحياة الحقيقية إنما هي هنالك , وراء هذا الحيز الصغير المحدود .

وكل صفة من هذه الصفات – كما رأينا – ذات قيمة في الحياة الإنسانية , ومن ثم كانت هي صفات المتقين . وهناك تساوق وتناسق بين هذه الصفات جميعا , هو الذي يؤلف منها وحدة متناسقة متكاملة . فالتقوى شعور في الضمير , وحالة في الوجدان , تنبثق منها اتجاهات وأعمال ; وتتوحد بها المشاعر الباطنة والتصرفات الظاهرة ; وتصل الإنسان بالله في سره وجهره . وتشف معها الروح فتقل الحجب بينها وبين الكلي الذي يشمل عالمي الغيب والشهادة , ويلتقي فيه المعلوم والمجهول .

ومتى شفت الروح وانزاحت الحجب بين الظاهر والباطن , فإن الإيمان بالغيب عندئذ يكون هو الثمرة الطبيعية لإزالة الحجب الساترة , واتصال الروح بالغيب والاطمئنان إليه . ومع التقوى والإيمان بالغيب عبادة الله في الصورة التي اختارها , وجعلها صلة بين العبد والرب . ثم السخاء بجزء من الرزق اعترافا بجميل العطاء , وشعورا بالإخاء . ثم سعة الضمير لموكب الإيمان العريق , والشعور بآصرة القربى لكل مؤمن ولكل نبي ولكل رسالة . ثم اليقين بالآخرة بلا تردد ولا تأرجح في هذا اليقين . . وهذه كانت صورة الجماعة المسلمة التي قامت في المدينة يوم ذاك , مؤلفة من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار . وكانت هذه الجماعة بهذه الصفات شيئا عظيما . شيئا عظيما حقا بتمثل هذه الحقيقة الإيمانية فيها . ومن ثم صنع الله بهذه الجماعة أشياء عظيمة في الأرض , وفي حياة البشر جميعا . .  

ولنأخذ الآن إقامة الصلاة …وهى إقامة الصلاة بخشوع وتدبر أين أنت من هذه الصفة ؟ وما يجب عليك فعله لترتفع إيمانيا إلى درجة إقامة الصلاة هناك تدريب عملى فى المدونة عن الخشوع فى الصلاة فلعلك تراجعه فهو من الأهمية بمكان لتتحقق بهذه الصفة

أين أنت من الإنفاق زكاة وصدقات وأسأل نفسك أين أنت من الإنفاق على دعوتك ثم ضع لنفسك وسائل عملية لتحقق بها بهذه الصفة والقيمة

اليقين بالآخرة والغيب له تفصيل كبير هنا فى مواضيع سابقة فى المدونة عن الربانية والقرب من الله عز وجل ستجد معظم المواضيع تحت سمت مشروع إحياء الربانية

التدوينة القادمة إن شاء الله نتحدث عن الآية فى الجزء الثانى والتى تحدثت عن صفات المتقين

هذا المنشور نشر في مشروع إحياء الربانية, بين يدى رمضان, دعوى, سلسلة تربوية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s