نظرات فى كتاب الله للإمام حسن البنا (دعامتان –1)

 

ikh12 

كتب الإمام حسن البنا سلسلة مقالات نظرات فى كتاب الله ننقل بعضها فهى نظرات رائعة تربط الآيات القرآنية بالواقع وتجعل القرآن وسيلة للتربية تحت عنوان دعامتان كتب  الإمام حسن البنا:

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ (آل عمران: من الآية 110).

أما الأولى : فيقظة الضمير، ودقة الشعور، وحياة الوجدان، جعلها الإسلام قوام صلاح الفرد وديدبانًا (2) قائمًا لا يغفل، يحصى عليه خواطره وهواجسه وألفاظه وكلماته وأعماله وتصرفاته، ويسجِّل من ذلك كله ما غاب عن وَضَعَة القوانين، فلم يستوعبوه في قوانينهم، وما خفي عن حراسها فلم يجدوا السبيل إليه في حراساتهم، فيرقب هذا الديدبان الساهر الذي لا يفارق صاحبه لحظةً من ليل أو نهار، في خلوةٍ أو اجتماع، ما دقَّ وما جلَّ، وما خفي وما ظهر، ويزنه بميزان دقيق يميز الخير من الشر، ويعلن الجزاء لساعته سرورًا وابتهاجًا، ورضًا وطمأنينةً، وراحةً وسلامًا، إذا فكر أو قال أو فعل خيرًا، وسعيرًا وجحيمًا ووخزًا أليمًا ونارًا تشتعل وتتلظَّى بين الضلوع والجوانح إذا انحرف عن الطريق أو ضل سواء السبيل.

حتى إنه ليفر من ذلك العذاب بتقديم نفسه إلى القصاص والجزاء، وإن كان هذا الجزاء ليس أقل من الإعدام، وفي قصة ماعز رضي الله عنه (3) وأبي لبابة الأنصاري (4) أحسن الله إليه عبرةً وذكرى.. "واستفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك وأفتوك" (5).

وأساس هذه اليقظة في نفس المؤمن معرفه الله ومعينها الذي تستمد منه، ومصباحها الذي تهتدي بضياه وتشرق بسناه، الإيمان الحق برقابة الله سبحانه، فمن أدرك إحاطة رقابة الله عليه به، أحسن مراقبة نفسه، وهي مرتبة الإحسان؛ أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

والثانية: يقظة الرأي العام، واستقامة العرف في الجماعة، ووضوح حدود الخير والشر في حياتها العامة، وتقديرها للخير وحرصها عليه، واحتقارها للشر ونفورها منه، فإذا توافرت هذه المعاني في أمةٍ من الأمم، التزم أفرادها في سلوكهم سبيلاً قويمةً، لا يحيدون عنها، ولا ينحرفون فيها، ولم يكن أمرهم فرطًا وإذا بدا لأحدهم أن ينحرف عن الطريق المستقيم، وتزلَّ به قدمه إلى الإثم والخطيئة، ولم يكن له في حياة ضميره ويقظة شعوره هو ما يردعه أو يرده، وجد من يقظة الرأى العام ودقه شعور الجماعة ما يدعوه إلى الهدى ويرده عن الردى، ويستنقذه من براثن الشر، ويأخذ به إلى الصراط المستقيم، وهذا ما يعبر عنه بلسان العرف الإسلامي بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.

ولقد وزن القرآن الأمم بهذا الميزان، فإن تمسكت بهذا المعنى صار خلقًا من أخلاقها، وملكةً من ملكاتها.. رفعها القرآن إلى أعلى عليين، وجعلها خير أمة في العالمين، وقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: من الآية 110)، وإن أهملت أداء هذا الواجب، وغفلت عن عظيم أثره في حياة الأمم والشعوب أخذها القرآن بذلك أشد المؤاخذة، وقال في حقها: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (المائدة: 78)، ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى ما معناه: "لا يكن أحدكم إمعة، يقول أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساءوا أسأت، ولكن إذا أحسن الناس فأحسنوا، وإذا أساءوا فارشدوهم وانصحوا لهم" (6).

ولقد صور النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى تصويرًا دقيقًا بديعًا، وأبان عن أثر الإهمال في الضرب على أيدي المفسدين بدعوى الحرية الشخصية وضعف سلطان روح الجماعة على أفرادها، فقال: "مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا في سفينة، فأخذ بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فقال الذين في أسفلها: لو ثقبنا ثقبًا في قسمنا نستقي منه الماء، فلو تركهم الذين في أعلاها يفعلون هلكوا جميعًا، وإن منعوهم نجوا جميعًا" (7).

كما صور مراتب الفتنة وتدرج الناس في إهمال هذا المعنى في حديث آخر؛ إذا يقول: "كيف بكم إذا طغى نساؤكم، وفجر شبابكم، وتركتم جهادكم؟ قالوا: وإن ذلك لكائن يا رسول الله؟ قال: نعم والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون، كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرًا والمنكر معروفًا؟ قالوا: وإن ذلك لكائن يا رسول الله؟ قال: نعم، والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون، كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟ قالوا: وإن ذلك لكائن يا رسول الله؟ قال نعم، والذي نفسه بيده وأشد منه سيكون" (8)  يقول الحق عز وجل: "بي حلفت لأفتننهم فتنةً تدع الحليم فيهم حيران" (9).

فأول الفساد أن تفسد المرأة فيتبعها الشاب، فتهمل الواجبات فيفسد الفرد، ويسكت الناس عن الأمر والنهي، بل يرون المنكر معروفًا والمعروف منكرًا، فيأمرون بالأول، وينهون عن الثاني، فيغضب الحق غضبة يتبعها فتنة تدع الحليم فيهم حيران.

فيا أيها المسلمون.. أحيوا ضمائرهم بالإيمان بالله، وحسن مراقبته، وصونوا مجتمعاتكم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذان هما دعامتا الصلاح والإصلاح.

والله ولي التوفيق.

———-

(1)  جريدة الإخوان المسلمين اليومية- السنة الأولى- العدد 84- 12 رمضان 1365 هـ/ 9 أغسطس 1946م.

(2)  ديدبانًا: رقيبًا.

(3)  هو ماعز بن مالك جاء النبي صلى الله عليه وسلم يخبره أنه أصاب حد الزنا فأخذ يراجعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أمر أن يقام عليه حد الرجم، وبعد رجمه قال عنه رسول الله صلي الله عليه وسلم "رأيته يتخضض في أنهار الجنة"، انظر الثقات: 3/ 404، والإصابة 5/ 705.

(4)  هو أبو لبابة الأنصاري ويقال اسمه بشير بن عبد المنذر بن زيد بن أمية بن عوف، استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة حين خرج إلى غزوة بدر وضرب له بسهمه وأجره، ولقد مات في خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، انظر: رجال مسلم 1 /89.

(5)  قال الهيثمي: "رواه أحمد وأبو يعلى، وفيه أيوب بن عبد الله بن مكرز، قال ابن عدي: لا يتابع على حديثه، ووثقه ابن حبان، وذكره من طريق آخر، ثم قال: رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات"، مجمع الزوائد: 1/ 175، 176 كتاب الإيمان باب في البر والإثم.

(6)  سنن الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في الإحسان والعفو: 4/ 364 رقم 2007م، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب.

(7)  صحيح الإمام البخاري، كتاب الشركة، باب هل يقرع في القسمة والاستهام فيه: 2/ 882 رقم 2361.

(8)  قال الهيثمي: "رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط إلا أنه قال: فسق شبابكم، وفي إسناد أبو يعلى موسى بن عبيدة وهو متروك، وفي إسناد الطبراني همام بن يحيى لم أعرفه"، انظر: مجمع الزوائد 7/281، كتاب الفتن، باب فيمن يرى المنكر معروفًا.

(9)  سنن الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في الصبر والبلاء: 4/ 604 رقم 2405، قال الترمذي: هذا حديث حسن، ومصنف أبي شيبة، كتاب الزهد، باب ما قالوا في البكاء من خشية الله: 7/ 235 رقم 35624، وسنن سعيد بن منصور: 3/ 829 رقم 361.

هذا المنشور نشر في عام. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s