المراقبة –1 ( العبادات القلبية فى رمضان )

 8 

يغفل الكثير عن العبادات القلبية مثل الإخلاص والتوبة والمحاسبة والمراقبة والرجاء والخوف فى حياته عامة وفى رمضان بشكل أخص  قد يهتم الجميع بالعبادات الظاهرة مثل كثرة النوافل وكثرة ختمات القرآن وهى شىء طيب ولكن لابد للعبادات القلبية من محل اهتمام وعمل ومجاهدة لاكتساب هذه العبادات والحالات القلبية

شهر رمضان هو شهر العبادات القلبية كما ذكرت فى تدوينة سابقة ولهذا سأتناول بالشرح فى هذا الشهر بعض هذه العبادات القلبية وكيفية العمل على اكتسابها

ونبدأ بالمراقبة والتى هى من عبادات شهر رمضان خاصة فما الذى يجعل الصائم وهى وحيدا فى غرفة مغلقة لا يتناول شربة ماء فى هذا الجو الحار لولا استشعار مراقبة الله عز وجل ولكن المراقبة حال قلبى عظيم تحتاج لشيء من التفصيل

فالمراقبة هى دوام علم العبد، وتيقنه باطلاع الحق سبحانه وتعالى على ظاهره وباطنه  والمراقبة" وهي ثمرة علم العبد  بأن الله سبحانه رقيب عليه، ناظر إليه، سامع لقوله. وهو مطلع على عمله كل وقت وكل لحظة، وكل نفس وكل طرفة عين.

وقيل: المراقبة هى  من راقب الله في خواطره، عصمه في حركات جوارحه وقد أجمع جميع علماء السلوك والطريق إلى الله عز وجل  على أن مراقبة الله تعالى في الخواطر: سبب لحفظها في حركات الظواهر فمن راقب الله في سره، حفظه الله في حركاته في سره وعلانيته.

و "المراقبة" هي التعبد باسمه الرقيب، الحفيظ، العليم، السميع، البصير فمن عقل هذه الأسماء، وتعبد بمقتضاها: حصلت له المراقبة

كنت قد شرحت أكثر من مرة فى المدونة أن العادات والأحوال القلبية وطرق تغيير السلوك تشمل على ثلاثة جوانب جانب معرفى وجانب وجدانى وجانب سلوكى أو عملى وفى الأحوال القلبية يطلق  العلماء على الجانب الوجدانى حال

ولاكتساب سلوك أو عادة أو حال قلبى من هذه الأحوال فلا بد من المرور على هذه الجوانب بالترتيب وكل جانب يثمر الذى بعده فالمعرفى أولا والذى يثمر الوجدانى والذى يؤدى إلى الجانب السلوكى أو العملى

والآن لنرى ما كتبه الإمام أبو حامد الغزالى عن المراقبة فى سفره العظيم النفيس إحياء علوم الدين يوضح الغزالى حقيقة المراقبة ودرجاتها فيقول :

حقيقة المراقبة هي ملاحظة الرقيب و صرف الهم إليه فمن احترز من أمر من الأمور بسبب غيره يقال أنه يراقب فلانا ويراعى جانبه ويعنى بهذه المراقبة حالة للقلب يثمرها نوع من المعرفة وتثمر تلك الحالة أعمالا في الجوارح وفي القلب (الجانب العملى )

أما الحالة  ( الجانب الوجدانى ) فهي مراعاة القلب للرقيب واشتغاله به والتفاته إليه وملاحظته إياه وانصرافه إليه

وأما المعرفة ( الجانب المعرفى ) التي تثمر هذه الحالة فهو العلم بأن الله مطلع على الضمائر عالم بالسرائر رقيب على أعمال العباد قائم على كل نفس بما كسبت وأن سر القلب في حقه مكشوف كما أن ظاهر البشرة للخلق مكشوف بل اشد من ذلك فهذه المعرفة إذا صارت يقينا أعنى أنها خلت عن الشك ثم استولت بعد ذلك على القلب قهرته فرب علم لا شك فيه لا يغلب على القلب كالعلم بالموت فإذا استولت على القلب استجرت القلب إلى مراعاة جانب الرقيب وصرفت همه إليه والموقنون بهذه المعرفة هم المقربون وهم ينقسمون إلى الصديقين وإلى أصحاب اليمين

فمراقبتهم على درجتين :

الدرجة الأولى مراقبة المقربين من الصديقين

وهي مراقبة التعظيم والإجلال وهو أن يصير القلب مستغرقا بملاحظة ذلك الجلال ومنكسرا تحت الهيبة فلا يبقى فيه متسع للالتفات إلى الغير أصلا وهذه مراقبة لا نطول النظر في تفصيل أعمالها فإنها مقصورة على القلب

أما الجوارح فإنها تتعطل عن التلفت إلى المباحات فضلا عن المحظورات وإذا تحركت بالطاعات كانت كالمستعملة بها فلا تحتاج إلى تدبير وتثبيت في حفظها على سنن السداد بل يسدد الرعية من ملك كلبة الراعى والقلب هو الراعى فإذا صار مستغرقا بالمعبود صارت الجوارح مستعملة جارية على السداد والاستقامة من غير تكلف وهذا هو الذي صار همه هما واحدا فكفاه الله سائر الهموم ومن نال هذه الدرجة فقد يغفل عن الخلق حتى لا يبصر من يحضر عنده وهو فاتح عينيه ولا يسمع ما يقال له مع أنه لا صمم به

وقد يمر على ابنه مثلا فلا يكلمه حتى كان بعضهم يجري عليه ذلك فقال لمن عاتبه إذا مررت بي فحركنى ولا تستبعد هذا فإنك تجد نظير هذا في القلوب المعظمة لملوك الأرض حتى إن خدم الملك قد لا يحسون بما يجري عليهم في مجالس الملوك لشدة استغراقهم بهم بل قد يشتغل القلب بمهم حقير من مهمات الدنيا فيغوص الرجل في الفكر فيه ويمشى فربما يجاوز الموضع الذي قصده وينسى الشغل الذي نهض له

الدرجة الثانية مراقبة الورعين من أصحاب اليمين

وهم قوم غلب يقين اطلاع الله على ظاهرهم وباطنهم وعلى قلوبهم ولكن لم تدهشهم ملاحظة الجلال بل بقيت قلوبهم على حد الاعتدال متسعة للتلفت إلى الأحوال والأعمال إنها مع ممارسة الأعمال لا تخلو عن المراقبة نعم غلب عليهم الحياء من الله فلا يقدمون ولا يحجمون إلا بعد التثبت فيه ويمتنعون عن كل ما يفتضحون به في القيامة

فإنهم يرون الله في الدنيا مطلعا عليهم فلا يحتاجون إلى انتظار القيامة وتعرف اختلاف الدرجتين بالمشاهدات فإنك في خلوتك قد تتعاطى أعمالا فيحضرك صبي أو امرأة فتعلم أنه مطلع عليك فتستحيى منه فتحسن جلوسك وتراعى أحوالك لا عن إجلال وتعظيم بل عن حياء فإن مشاهدته وإن كانت لا تدهشك ولا تستغرقك فإنها تهيج الحياء منك وقد يدخل عليك ملك من الملوك أو كبير من الأكابر فيستغرقك التعظيم حتى تترك كل ما أنت فيه شغلا به لا حياء منه

فهكذا تختلف مراتب العباد في مراقبة الله تعالى ومن كان في هذه الدرجة فيحتاج أن يراقب جميع حركاته وسكناته وخطراته ولحظاته وبالجملة جميع اختياراته وله فيها نظران نظر قبل العمل ونظر في العمل أما قبل العمل فلينظر أن ما ظهر له وتحرك بفعله خاطره أهو لله خاصة أو هو في هوى النفس ومتابعة الشيطان فيتوقف فيه ويتثبت حتى ينكشف له ذلك بنور الحق فإن كان لله تعالى أمضاه وإن كان لغير الله استحيا من الله و انكف عنه ثم لام نفسه على رغبته فيه وهمه به وميله إليه وعرفها سوء فعلها وسعيها في فضيحتها وأنها عدوة نفسها إن لم يتداركها الله بعصمته

فهناك نظرتان للمراقب : النظرة الأول للمراقب نظره في الهم والحركة أهي لله أم للهوى

ولكى يتحقق بهذه النظرة والدرجة فى المراقبة فعليه  بالعلم المتين والمعرفة الحقيقة بأسرار الأعمال وأغوار النفس ومكايد الشيطان فمتى لم يعرف نفسه وربه وعدوة إبليس ولم يعرف ما يوافق هواه ولم يميز بينه وبين ما يحبه الله ويرضاه في نيته وهمته وفكرته وسكونه وحركته فلا يسلم في هذه المراقبة

فحكم الله تعالى على كل عبد أن يراقب نفسه عند همه بالفعل وسعيه بالجارحة فيتوقف عن الهم وعن السعي حتى ينكشف له بنور العلم أنه لله تعالى فيمضيه أو هو لهوى النفس فيتقيه ويزجر القلب عن الفكر فيه وعن الهم به فإن الخطوة الأولى في الباطل إذا لم تدفع أورثت الرغبة والرغبة تورث الهم والهم يورث جزم القصد والقصد يورث الفعل والفعل يورث البوار والمقت فينبغى أن تحسم مادة الشر من منبعه الأول وهو الخاطر فإن جميع ما وراءه يتبعه ومهما أشكل على العبد ذلك وأظلمت الواقعة فلم ينكشف له فيتفكر في ذلك بنور العلم ويستعيذ بالله من مكر الشيطان بواسطة الهوى

فإن عجز عن الاجتهاد والفكر بنفسه فيستضيء بنور علماء الدين فلتكن همه المريد أولا في أحكام العلم أو في طلب عالم معرض عن الدنيا أو ضعيف الرغبة فيها

النظر الثاني للمراقبة عند الشروع في العمل وذلك بتفقد كيفية العمل ليقضى حق الله فيه ويحسن النية في إتمامه ويكمل صورته ويتعاطاه على اكمل ما يمكنه وهذا ملازم له في جميع أحواله فإنه لا يخلو في جميع أحواله عن حركة وسكون فإذا راقب الله تعالى في جميع ذلك قدر على عبادة الله تعالى فيها بالنية وحسن الفعل ومراعاة الأدب

أو في مباح فمراقبته في الطاعة بالإخلاص والإكمال ومراعاة الأدب وحراستها عن الآفات وإن كان في معصية فمراقبته بالتوبة والندم والإقلاع والحياء والاشتغال بالتفكر وإن كان في مباح فمراقبته بمراعاة الأدب ثم بشهود المنعم في النعمة وبالشكر عليها

ولا يخلو العبد في جملة أحواله عن بلية لا بد له من الصبر عليها ونعمة لا بد له من الشكر عليها وكل ذلك من المراقبة بل لا ينفك العبد في كل حال من فرض لله تعالى عليه أما فعل يلزمه مباشرته أو محظور يلزمه تركه أو ندب حث عليه ليسارع به إلى مغفرة الله تعالى ويسابق به عباد الله أو مباح فيه صلاح جسمه وقلبه وفيه عون له على طاعته ولكل واحد من ذلك حدود لابد من مراعاتها بدوام المراقبة

نواصل فى تدوينة أخرى إن شاء الله

هذا المنشور نشر في مشروع إحياء الربانية, بين يدى رمضان, دعوى. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s