من صفات المتقين –2 (خواطر تربوية من سورة البقرة)

hwa-allah 

نواصل فى هذه التدوينة شرح صفات المتقين كما وردت فى سورة البقرة مع شرح كيفية التحقق بهذه الصفات واليوم مع أحد آيات سورة البقرة الآية 177 يقول الله عز وجل :

لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَ الْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177)

نزلت الآية تعقيبا على تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام ولذا ذكرت الآية الكريمة أن البر وهو جماع الخير ليس بتولى الوجه قبل المشرق أو المغرب ولكنه بصفات تتحقق فى العباد وبها يتحقق البر ويستحق من يتصف بها صفة المتقين

(ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين . . .) الآية.

ذلك هو البر الذي هو جماع الخير . . فماذا في تلك الصفات من قيم تجعل لها هذا الوزن في ميزان الله ?….أنقل بعض ما كتبه الاستاذ سيد قطب رحمه الله فى ظلال القرآن حول أهمية التحقق بهذه الصفات فى حياة المسلم وللتحقق بالبر الذى هو جماع الخير وصفات المتقين يقول رحمه الله :

ما قيمة الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين ?

إن الإيمان بالله هو نقطة التحول في حياة البشرية من العبودية لشتى القوى  وشتى الأشياء  وشتى الاعتبارات . . إلى عبودية واحدة لله تتحرر بها النفس من كل عبودية , وترتفع بها إلى مقام المساواة مع سائر النفوس في الصف الواحد أمام المعبود الواحد ; ثم ترتفع بها فوق كل شيء وكل اعتبار . .

وهي نقطة التحول كذلك من الفوضى إلى النظام , ومن التيه إلى القصد , ومن التفكك إلى وحدة الاتجاه . فهذه البشرية دون إيمان بالله الواحد , لا تعرف لها قصدا مستقيما ولا غاية مطردة , ولا تعرف لها نقطة ارتكاز تتجمع حولها في جد وفي مساواة , كما يتجمع الوجود كله , واضح النسب والارتباطات والأهداف والعلاقات . . والإيمان باليوم الآخر هو الإيمان بالعدالة الإلهية المطلقة في الجزاء ; وبأن حياة الإنسان على هذه الأرض ليست سدى ولا فوضى بغير ميزان . وبأن الخير لا يعدم جزاءه ولو بدا أنه في هذه الأرض لا يلقى الجزاء . .

والإيمان بالملائكة طرف من الإيمان بالغيب الذي هو مفرق الطريق بين إدراك الإنسان وإدراك الحيوان , وتصور الإنسان لهذا الوجود وتصور الحيوان . الإنسان الذي يؤمن بما وراء الحس والحيوان المقيد بحسه لا يتعداه . .

والإيمان بالكتاب والنبيين هو الإيمان بالرسالات جميعا وبالرسل أجمعين , وهو الإيمان بوحدة البشرية , ووحدة إلهها , ووحدة دينها , ووحدة منهجها الإلهي . . ولهذا الشعور قيمة في شعور المؤمن الوارث لتراث الرسل والرسالات .

وما قيمة إيتاء المال – على حبه والاعتزاز به – لذوي القربي واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب ?

إن قيمته هي الانعتاق من ربقة الحرص والشح والضعف والأثرة . انعتاق الروح من حب المال الذي يقبض الأيدي عن الإنفاق , ويقبض النفوس عن الأريحية , ويقبض الأرواح عن الانطلاق . فهي قيمة روحية يشير إليها ذلك النص على حب المال . وقيمة شعورية أن يبسط الإنسان يده وروحه فيما يحب من مال . لا في الرخيص منه ولا الخبيث . فيتحرر من عبودية المال , هذه العبودية التي تستذل النفوس , وتنكس الرؤوس . ويتحرر من الحرص . والحرص يذل اعناق الرجال .

وهي قيمة إنسانية كبرى في حساب الإسلام , الذي يحاول دائما تحرير الإنسان من وساوس نفسه وحرصها وضعفها قبل أن يحاول تحريره من الخارج في محيط الجماعة وارتباطاتها , يقينا منه بأن عبيد أنفسهم هم عبيد الناس ; وأن أحرار النفوس من الشهوات هم أحرار الرؤوس في المجتمعات ! . .

ثم إنها بعد ذلك كله قيمة إنسانية في محيط الجماعة . . هذه الصلة لذوي القربى فيها تحقيق لمروءة النفس , وكرامة الأسرة , ووشائج القربى . والأسرة هي النواة الأولى للجماعة . ومن ثم هذه العناية بها وهذا التقديم . . وهي لليتامى تكافل بين الكبار والصغار في الجماعة , وبين الأقوياء فيها والضعفاء ; وتعويض لهؤلاء الصغار عن فقدان الحماية والرعاية الأبويتين ; وحماية للأمة من تشرد صغارها , وتعرضهم للفساد , وللنقمة على المجتمع الذي لم يقدم لهم برا ولا رعاية . . و

هي للمساكين الذين لا يجدون ما ينفقون – وهم مع ذلك ساكنون لا يسألون ضنا بماء وجوههم – احتفاظ لهم بكرامة نفوسهم , وصيانة لهم من البوار , وإشعار لهم بالتضامن والتكافل في محيط الجماعة المسلمة , التي لا يهمل فيها فرد , ولا يضيع فيها عضو . . وهي لابن السبيل – المنقطع عن ماله وأهله – واجب للنجدة في ساعة العسرة , وانقطاع الطريق دون الأهل والمال والديار ; وإشعار له بأن الإنسانية كلها أهل , وبأن الأرض كلها وطن , يلقى فيها أهلا بأهل , ومالا بمال , وصلة بصلة , وقرارا بقرار . . وهي للسائلين إسعاف لعوزهم , وكف لهم عن المسألة التي يكرهها الإسلام . وفي الإسلام لا يسأل من يجد الكفاية أو من يجد عملا , فهو مأمور من دينه أن يعمل ولا يسأل , وأن يقنع ولا يسأل . فلا سائل إلا حيث يعييه العمل والمال . .

وهي في الرقاب اعتاق وتحرير لمن أوقعه سوء عمله في الرق بحمل السيف في وجه الإسلام – حتى يسترد حريته وإنسانيته الكريمة . ويتحقق هذا النص إما بشراء الرقيق وعتقه , وإما بإعطائه ما يؤدي به ما كاتب عليه سيده في نظير عتقه . والإسلام يعلن حرية الرقيق في اللحظة التي يطلب فيها الحرية , ويطلب مكاتبته عليها – أي أداء مبلغ من المال في سبيلها , ومنذ هذه اللحظة يصبح عمله بأجر يحسب له , ويصبح مستحقا في مصارف الزكاة , ويصبح من البر كذلك إعطاؤه من النفقات غير الزكاة . . كل أولئك ليسارع في فك رقبته , واسترداد حريته . .

وإقامة الصلاة ? ما قيمتها في مجال البر الذي هو جماع الخير ?

إن إقامة الصلاة شيء غير التولي قبل المشرق والمغرب . إنها توجه الإنسان بكليته إلى ربه , ظاهرا وباطنا , جسما وعقلا وروحا . إنها ليست مجرد حركات رياضية بالجسم , وليست مجرد توجه صوفي بالروح . فالصلاة الإسلامية تلخص فكرة الإسلام الأساسية عن الحياة . إن الإسلام يعترف بالإنسان جسما وعقلا وروحا في كيان ; ولا يفترض أن هناك تعارضا بين نشاط هذه القوى المكونة في مجموعها للإنسان , ولا يحاول أن يكبت الجسم لتنطلق الروح , لأن هذا الكبت ليس ضروريا لانطلاق الروح . ومن ثم يجعل عبادته الكبرى . . الصلاة . مظهرا لنشاط قواه الثلاث وتوجهها إلى خالقها جميعا في ترابط واتساق . يجعلها قياما وركوعا وسجودا تحقيقا لحركة الجسد , ويجعلها قراءة وتدبرا وتفكيرا في المعنى والمبنى تحقيقا لنشاط العقل ; ويجعلها توجها واستسلاما لله تحقيقا لنشاط الروح . . كلها في آن . . وإقامة الصلاة على هذا النحو تذكر بفكرة الإسلام كلها عن الحياة , وتحقق فكرة الإسلام كلها عن الحياة . . في كل ركعة وفي كل صلاة .

وإيتاء الزكاة ? . . إنه الوفاء بضريبة الإسلام الاجتماعية التي جعلها الله حقا في أموال الأغنياء للفقراء , بحكم أنه هو صاحب المال , وهو الذي ملكه للفرد بعقد منه , من شروطه إيتاء الزكاة  وهي مذكورة هنا بعد الحديث عن إيتاء المال – على حبه – لمن ذكرتهم الآية من قبل على الإطلاق ; مما يشير إلى أن الإنفاق في تلك الوجوه ليس بديلا من الزكاة , وليست الزكاة بديلة منه . . وإنما الزكاة ضريبة مفروضة , والإنفاق تطوع طليق . . والبر لا يتم إلا بهذه وتلك  وكلتاهما من مقومات الإسلام  وما كان القرآن ليذكر الزكاة منفردة بعد الإنفاق إلا وهي فريضة خاصة لا يسقطها الإنفاق , ولا تغني هي عن الإنفاق .

والوفاء بالعهد ? إنه سمة الإسلام التي يحرص عليها , ويكررها القرآن كثيرا ; ويعدها آية الإيمان , وآية الآدمية وآية الإحسان . وهي ضرورية لإيجاد جو من الثقة والطمأنينة في علاقات الأفراد وعلاقات الجماعات وعلاقات الأمم والدول . تقوم ابتداء على الوفاء بالعهد مع الله . وبغير هذه السمة يعيش كل فرد مفزعا قلقا لا يركن إلى وعد , ولا يطمئن إلى عهد , ولا يثق بإنسان , ولقد بلغ الإسلام من الوفاء بالعهد لأصدقائه وخصومه على السواء قمة لم تصعد إليها البشرية في تاريخها كله , ولم تصل إليها إلا على حداء الإسلام وهدي الإسلام .

والصبر في البأساء والضراء وحين البأس ? . . إنها تربية للنفوس وإعداد , كي لا تطير شعاعا مع كل نازلة , ولا تذهب حسرة مع كل فاجعة , ولا تنهار جزعا أمام الشدة . إنه التجمل والتماسك والثبات حتى تنقشع الغاشية وترحل النازلة ويجعل الله بعد عسر يسرا . إنه الرجاء في الله والثقة بالله والاعتماد على الله . ولا بد لأمة تناط بها القوامة على البشرية , والعدل في الأرض والصلاح , أن تهيأ لمشاق الطريق ووعثائه بالصبر في البأساء والضراء وحين الشدة . الصبر في البؤس والفقر . والصبر في المرض والضعف . والصبر في القلة والنقص . والصبر في الجهاد والحصار , والصبر على كل حال . كي تنهض بواجبها الضخم , وتؤدي دورها المرسوم , في ثبات وفي ثقة وفي طمأنينة وفي اعتدال .

ويبرز السياق هذه الصفة . . صفة الصبر في البأساء والضراء وحين البأس . . يبرزها بإعطاء كلمة(الصابرين)وصفا في العبارة يدل على الاختصاص . فما قبلها من الصفات مرفوع أما هي فمنصوبة على الاختصاص بتقدير:"وأخص الصابرين" . . وهي لفتة خاصة لها وزنها في معرض صفات البر . . لفتة خاصة تبرز الصابرين وتميزهم , وتخصص هذه السمة من بين سمات الإيمان بالله والملائكة والكتاب والنبيين وإيتاء المال – على حبه – وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والوفاء بالعهد . . وهو مقام للصابرين عظيم , وتقدير لصفة الصبر في ميزان الله , يلفت الأنظار . .

وهكذا تجمع آية واحدة بين أصول الاعتقاد , وتكاليف النفس والمال , وتجعلها كلا لا يتجزأ , ووحدة لا تنفصم . وتضع على هذا كله عنوانا واحدا هو(البر)أو هو "جماع الخير" أو هو "الإيمان" كما ورد في بعض الأثر . والحق أنها خلاصة كاملة للتصور الإسلامي و لمبادىء المنهج الإسلامي المتكامل لا يستقيم بدونها إسلام .

وهنا نتوقف مع كل صفة وقيمة ذكرتها الآيات القرآنية وكما شرحنا فى تدوينات التربية القرآنية وكيف نكون قراءنا يمشى على الأرض :

أول خطوة أن تحدد واقعك من الصفة ومدى تحققك بها ثم المستهدف الذى تريد أن تصل إليه ثم وسائل عملية للتحقق بهذه الصفة ثم تتابع مستوى تقدمك أو تأخرك فى الوسائل العملية وهكذا حتى تكون نوعا من التدريب الذاتى والتخلق بخلق القرآن الكريم

 

هذا المنشور نشر في بين يدى رمضان, سلسلة تربوية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s