فى ظلال سورة الأنعام

ip040 

سورة الأنعام لها وقع خاص فى قلبى كلما قرأتها يعود هذا لأنى قرأت تفسيرها فى الظلال وأنا صغير جدا فتأثرت بالمعانى التى كتبها الشهيد سيد قطب فى ظلاله عن السورة الكريمة وهذه المعانى نحتاج لترسيخها فى القلوب والعقول فى هذا الوقت بالذات وخاصة أن السورة تتعرض لقضية الألوهية والتشريع كما سيتضح من التدوينات التى سأضع فيها الخواطر حول هذه السورة  

أرجح الروايات أن سورة الأنعام مكية وأنها نزلت كلها مرة واحدة وهى السورة الوحيدة التى نزلت آياتها مرة واحدة "قال سفيان الثوري عن ليث عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت:"نزلت سورة الأنعام على النبي [ ص ] جملة وأنا آخذة بزمام ناقة النبى [ ص ] إن كادت من ثقلها لتكسر عظام الناقة " .

أما الرواية عن ابن عباس فقد رواها الطبراني قال: حدثنا علي بن عبد العزيز , حدثنا حجاج بن منهال , حدثنا حماد بن سلمة  عن علي بن زيد  عن يوسف بن مهران  عن ابن عباس  قال:"نزلت الأنعام بمكة ليلة  جملة واحدة  حولها سبعون ألف ملك يجأرون حولها بالتسبيح". والروايات توضح مقدار الاحتفاء بهذه السورة الكريمة

هذه السورة مكية . . من القرآن المكي . . والقرآن المكى له خصائص نعيش مع الأستاذ سيد قطب هذه الخصائص يقول فى ظلاله :

القرآن المكى هو  القرآن الذي ظل يتنزل على رسول الله [ ص ] ثلاثة عشر عاما كاملة  يحدثه فيها عن قضية واحدة  قضية واحدة ولم يتجاوز القرآن المكي هذه القضية الأساسية إلى شيء مما يقوم عليها من التفريعات المتعلقة بنظام الحياة  إلا بعد أن علم الله أنها قد استوفت ما تستحقه من البيان  وأنها استقرت استقرارا مكينا ثابتا في قلوب العصبة المختارة من بني الإنسان  التي قدر الله لها أن يقوم هذا الدين عليها ; وأن تتولى هي إنشاء النظام الواقعي الذي يتمثل فيه هذا الدين .

مع إقامة الدين تطهرت الأرض من الرومان والفرس  لا ليتقرر فيها سلطان العرب  ولكن ليتقرر فيها سلطان الله لقد تطهرت من الطاغوت كله:رومانيا وفارسيا وعربيا على السواء .

وتطهر المجتمع من الظلم الاجتماعي بجملته  وقام النظام الإسلامي يعدل بعدل الله , ويزن بميزان الله ويرفع راية العدالة الاجتماعية باسم الله وحده  ويسميها راية الإسلام  لا يقرن إليها اسما آخر ; ويكتب عليها:"لا إله إلا الله" !

وتطهرت النفوس والأخلاق  وزكت القلوب والأرواح ; دون أن يحتاج الأمر إلى الحدود والتعازير التي شرعها الله – إلا في الندرة النادرة – لأن الرقابة قامت هنالك في الضمائر ; ولأن الطمع في رضى الله وثوابه , والحياء والخوف من غضبه وعقابه قد قامت كلها مقام الرقابة ومقام العقوبات

وارتفعت البشرية في نظامها  وفي أخلاقها  وفي حياتها كلها , إلى القمة السامقة التي لم ترتفع إليها من قبل قط ; والتي لم ترتفع إليها من بعد إلا في ظل الإسلام . .

ولقد تم هذا كله لأن الذين أقاموا هذا الدين في صورة دولة ونظام وشرائع وأحكام ; كانوا قد أقاموا هذا الدين من قبل في ضمائرهم وفي حياتهم , في صورة عقيدة وخلق وعبادة وسلوك  وكانوا قد وعدوا على إقامة هذا الدين وعدا واحدا  لا يدخل فيه الغلب والسلطان  ولا حتى لهذا الدين على أيديهم  وعدا واحدا لا يتعلق بشيء في هذه الدنيا . . وعدا واحدا هو الجنة  هذا كل ما وعدوه على الجهاد المضني , والابتلاء الشاق , والمضي في الدعوة , ومواجهة الجاهلية بالأمر الذي يكرهه أصحاب السلطان , في كل زمان وفي كل مكان , وهو:"لا إله إلا الله" !

فلما أن ابتلاهم الله فصبروا  ولما أن فرغت نفوسهم من حظ نفوسهم ; ولما أن علم الله منهم أنهم لا ينتظرون جزاء في هذه الأرض – كائنا ما كان هذا الجزاء ولو كان هو انتصار هذه الدعوة على أيديهم , وقيام هذا الدين في الأرض بجهدهم – ولما لم يعد في نفوسهم اعتزاز بجنس ولا قوم , ولا اعتزاز بوطن ولا أرض . ولا اعتزاز بعشيرة ولا بيت .

وبعد فلا بد أن نقول كيف عالج القرآن المكي قضية العقيدة في خلال الثلاثة عشر عاما . . إنه لم يعرضها في صورة "نظرية " ! ولم يعرضها في صورة "لاهوت" ولم يعرضها في صورة جدل كلامي

كلا . . لقد كان القرآن الكريم يخاطب فطرة "الإنسان" بما في وجوده هو وبما في الوجود من حوله من دلائل وإيحاءات  كان يستنقذ فطرته من الركام  ويخلص أجهزة الاستقبال الفطرية مما ران عليها وعطل وظائفها ; ويفتح منافذ الفطرة لتتلقى الموحيات المؤثرة وتستجيب لها  والسورة التي بين أيدينا نموذج كامل من هذا المنهج المتفرد

وسورة الأنعام تحتفظ  بشخصيتها الخاصة  وفق الظاهرة الملحوظة في كل سور القرآن  والتي لا تخطئها الملاحظة البصيرة في أية سورة  فلكل سورة شخصيتها  وملامحها  ومحورها  وطريقة عرضها لموضوعها الرئيسي ; والمؤثرات الموحية المصاحبة للعرض  والصور والظلال والجو الذي يظللها  والعبارات الخاصة التي تتكرر فيها  وتكون أشبه باللوازم المطردة فيها  حتى وهي تتناول موضوعا واحدا أو موضوعات متقاربة  فليس الموضوع هو الذي يرسم شخصية السورة ; ولكنه هذه الملامح والسمات الخاصة بها !

وهذه السورة – مع ذلك – تعالج موضوعها الأساسي بصورة فريدة  إنها في كل لمحة منها وفي كل موقف  وفي كل مشهد  تمثل "الروعة الباهرة  الروعة التي تبده النفس , وتشده الحس , وتبهر النفس أيضا  وهو يلاحق مشاهدها وإيقاعها و موحياتها مبهورا !

نعم ! هذه حقيقة ! حقيقة أجدها في نفسي وحسي وأنا أتابع سياق السورة ومشاهدها وإيقاعاتها  وما أظن بشرا ذا قلب لا يجد منها لونا من هذا الذي أجد  إن الروعة فيها تبلغ فعلا حد الإبهار  حتى لا يملك القلب أن يتابعها إلا مبهورا مبدوها !

إن موضوعها الذي تعالجه من مبدئها إلى منتهاها هو موضوع العقيدة  بكل مقوماتها وبكل مكوناتها  وهي تأخذ بمجامع النفس البشرية  وتطوف بها في الوجود كله وراء ينابيع العقيدة وموحياتها المستسرة والظاهرة في هذا الوجود الكبير . .

إنها تطوف بالنفس البشرية في ملكوت السماوات والأرض , تلحظ فيها الظلمات والنور , وترقب الشمس والقمر والنجوم . وتسرح في الجنات المعروشات وغير المعروشات , والمياه الهاطلة عليها والجارية فيها ; وتقف بها على مصارع الأمم الخالية , وآثارها البائدة والباقية . ثم تسبح بها في ظلمات البر والبحر , وأسرار الغيب والنفس , والحي يخرج من الميت والميت يخرج من الحي , والحبة المستكنة في ظلمات الأرض , والنطفة المستكنة في ظلمات الرحم  ثم تموج بالجن والإنس , والطير والوحش , والأولين والآخرين , والموتى والأحياء , والحفظة على النفس بالليل والنهار . .

إنه الحشد الكوني الذي يزحم أقطار النفس , وأقطار الحس . . ثم إنها اللمسات المبدعة المحيية , التي تنتفض بعدها المشاهد والمعاني أحياء في الحس والخيال . . وإذا كل مكرور مألوف من المشاهد والمشاعر , جديد نابض , كأنما تتلقاه النفس أول مرة ; وكأنما لم يطلع عليه من قبل ضمير إنسان !

وهي تشبه في سياقها المتدافع بهذه المشاهد والمواقف والموحيات والإيقاعات والصور والظلال مجرى النهر المتدافع بالأمواج المتلاحقة . ما تكاد الموجة تصل إلى قرارها حتى تبدو الموجة التالية ملاحقة لها , متشابكة معها ; في المجرى المتصل المتدفق !

وهي في كل موجة من هذه الموجات المتدافعة المتلاحقة المتشابكة , تبلغ حد "الروعة الباهرة " التي وصفنا – مع تناسق منهج العرض في شتى المشاهد كما سنبين – وتأخذ على النفس أقطارها بالروعة الباهرة , وبالحيوية الدافقة , وبالإيقاع التصويري والتعبيري والموسيقي وبالتجمع والاحتشاد ومواجهة النفس من كل درب ومن كل نافذة !

ونحن – سلفا – على يقين أننا لسنا ببالغين شيئا في نقل إيقاعات هذه السورة إلى أي قلب إلا بأن ندع السورة ذاتها تنطلق بسياقها الذاتي , وإيقاعها الذاتي , إلى هذا القلب . . لسنا ببالغين شيئا بالوصف البشري والأسلوب البشري . . ولكنها مجرد المحاولة لإقامة القنطرة بين المعزولين عن هذا القرآن – بحكم بعدهم عن الحياة في جو القرآن – وبين هذا القرآن

والحياة في جو القرآن لا تعني مدارسة القرآن  وقراءته والإطلاع على علومه  إن هذا ليس "جو القرآن" الذي نعنيه  إن الذي نعنيه بالحياة في جو القرآن:هو أن يعيش الإنسان في جو , وفي ظروف  وفي حركة  وفي معاناة  وفي صراع  وفي اهتمامات  كالتي كان يتنزل فيها هذا القرآن  أن يعيش الإنسان في مواجهة هذه الجاهلية التي تعم وجه الأرض اليوم , وفي قلبه , وفي همه , وفي حركته  أن "ينشى ء" الإسلام في نفسه وفي نفوس الناس , وفي حياته وفي حياة الناس , مرة أخرى في مواجهة هذه الجاهلية . بكل تصوراتها , وكل اهتماماتها وكل تقاليدها , وكل واقعها العملي ; وكل ضغطها كذلك عليه , وحربها له , ومناهضتها لعقيدتها الربانية , ومنهجه الرباني ; وكل استجاباتها كذلك لهذا المنهج ولهذه العقيدة ; بعد الكفاح والجهاد والإصرار . .

هذا هو الجو القرآني الذي يمكن أن يعيش فيه الإنسان  فيتذوق هذا القرآن  فهو في مثل هذا الجو نزل , وفي مثل هذا الخضم عمل . . والذين لا يعيشون في مثل هذا الجو معزولون عن القرآن مهما استغرقوا في مدارسته وقراءته والإطلاع على علومه

نواصل تدوينة أخرى ان شاء الله

هذا المنشور نشر في مشروع إحياء الربانية, بين يدى رمضان, دعوى. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s