سورة الفاتحة (قراءه فى كتاب أضواء قرآنية فى سماء الوجدان)

7

 

يبدأ الأستاذ فتح الله كولن فى كتابه أضواء قرآنية فى سماء الوجدان بعد المقدمة والمدخل والذى وضح فيه سر من أسرار الإعجاز البيانى للقرآن فى اختيار بعض الآيات وبيان سر من أسرار الإعجاز البيانى فيها ونبدأ معه بسورة الفاتحة :

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾(الفَاتِحَة:5)

كما نعلم جميعاً وكما ورد في جميع التفاسير فإن مضمون النكتة هنا من تقديم المفعول به هو باختصار: اللهم إننا لا نقر ولا نعترف إلاّ بألوهيتك ولا نذعن لأحد سواك. ولا نجد الاطمئنان والسكينة والسلوى إلاّ عندك.

والنكتة الأخرى التي تستحق التسجيل هنا هي أنه عوضاً عن استعمال صيغة الماضي "عبد" وردت صيغة المضارع للفعل نفسه "نعبد". لأن صيغة الماضي تتضمن معاني أمثال: عبدنا… صلينا… فعلنا كذا وكذا… أي هناك بعض معاني الغرور التي لا تتناسب مع روح العبادة والعبودية.

أما في صيغة "نعبد" فلا توجد أي إيماءة لمثل سوء الفهم هذا، لأن فعل "نعبد" يشير إلى عجز الإنسان وفقره أمام الحضرة الإلهية العظمى ودوام معرفة هذا العجز وهذا الفقر، ونستطيع تلخيص ما يريد أن يقوله الإنسان هنا هكذا:

"يارب!… لقد عقدت العزم على ألا أضحي بحريتي ولا أذل نفسي لأي أحد سواك. لذا فأنا أتوجه اليك وإلى بابك بملء نفسي بنية العبودية والذل، وأقبل على عبادتك وإطاعتك بنفس ملؤها الشوق والوجد، عاقداً العزم على تجنب معصيتك وكل ما لا تحبه وما لا ترضاه نيتي هي أكبر وأفضل من عملي، وأنا أتضرع اليك أن تقبل نيتي عملاً عندك! عملاً بمقياس ما أنوي عمله وليس بمقياس ما عملته يارب!…"

ثم إنه يؤكد بأنه ليس وحده في معرض هذا الرجاء والتضرع، بل يقول إن إخوانه يشتركون معه في هذا الرجاء والتضرع، أي يعرض هنا حسن ظن واسع وشامل. وفي الوقت نفسه يضم تأييدهم واشتراكهم إلى جانبه فيضمن اتفاقاً وإجماعاً لا يمكن جرحه وهو يتوجه إلى باب قاضي الحاجات، فيتخلص من وساوس الشيطان ويعطي صورة كاملة للعبودية الكاملة تجاه الألوهية الكاملة والمطلقة

ثم يبدأ فى اختيار بعض الآيات من سورة البقرة : 

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾(البَقَرَة:2)

كلمة "هدى" الواردة في الآية الكريمة هي بصيغة المصدر، وتحمل معنى أن الإنسان لا يستطيع الوصول إلى الهداية وإلى الهدف المنشود وراءها دون جهده الخاص، وبتعبير آخر فإننا إن أخذنا التنوين أيضاً بنظر الاعتبار نعلم بأن هذا الكتاب -الذي لا توجد فيه ذرة واحدة من الشك والريبة- هو مصدر الهداية للمتقين… للمتقين فقط، لأن نفوسهم خلت من الشبه والريب، وتوجهت قلوبهم وأرواحهم لتقبل الحق ورعاية سنن الفطرة الإلهية وشريعته الغراء، وصفت نفوسهم واستعدت لقبول الهداية والاستفادة منها دون أن يمنعهم عن ذلك أي فكر أو حكم مسبق.

ولكن كلمة "هدى" الموجودة في آخر الآية ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ (البقرة: 5) مذكورة بصيغة المصدر، أي أن الله تعالى قد يتكرم على عباده بالهداية دون وجود علاقة السبب والنتيجة التي خلقها وجعلها من أسباب الهداية. وباب التقوى هو الباب الذي يوصل وينفتح على هذا الكرم والعطاء. والمرتبة الأولى لمثل هذه التقوى هي الإيمان والمعرفة الحقة، والمرتبة الأخيرة هي الوصول إلى مرضاة الله تعالى. وكما جاء في التصريح المختصر للآية لا يجد طريق الخلاص إلا من وصل إلى هذا المستوى من التقوى. ثم إنه على الرغم من سياق الآية وكون الهداية مرتبطة بايجاد الله تعالى لها فإن وصول الإنسان إلى الأمن والأمان وإلى الاطمئنان في الدنيا، وإلى الفلاح يوم القيامة يرجع بمقياس كبير إلى سلوكه وتصرفاته التي يبديها بإرادته الحرة.

اذن يمكن القول باختصار بأن كلمة "الهدى" الأولى سبب، وكلمة "الهدى" الثانية نتيجة مُضَمَّخَضة بعطر اللطف والإحسان، وكلتاهما جواب لدعاء "اهدنا" الوارد في سورة الفاتحة، وبيان كذلك لكيفية السلوك للموجودين على الصراط

هذا المنشور نشر في مشروع إحياء الربانية, بين يدى رمضان, دعوى. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s