رَاجعٌ أنا..!

 

آتٍ أَنا… من وراء حُجْبِ القطيعة قَدِمْتُ… عبدًا آبقًا لك رجعت…
شفيعي إليك… عبوديتي لك…
أشهدُ أنَّك توّجتني… وبتاج العبودية رفعتني وقبلتني… وها أنَذا… بَابَكَ أقرعُ… فافتح لي سيدي…!
مَشْعَلُ وَجْدٍ أنا… غارق صَدٍّ أنا…
إلى لقياك أَحِنُّ… ومن جَفَاك أَئِنُّ…
خذ بيدي… أعِنِّي… وعلى غيرك لا تكلني…
عبدًا لك أظَلُّ… وسيدًا سرمديَّ السيادة أبدًا تظلُّ…!

-2-

أحملُ ذُلِّي ومسكنتي… أتعثّر بذنبي… وعلى ظهري أثقال همي..!
أسقط مرةً وأنهض أخرى…
ولكني أَحُثُّ الخُطَى… وأتابع المسير… أقطع المسافات… وأتجاوز العقبات…
ولإني لبابك أسير… فتَعَبي في روحي راحة… ومرارة الطريق في فمي حلاوة…
وسحر جمالك… هيِّم خطاي… وقارب بين ممشاي..!
سيدي… قارِع بابك لا يُصَدُّ… وطالب رحمتك لا يُردُّ…
فافتح سيدي… وخذ بيدي..!

-3-

أخاف…؟ لماذا…؟ وكيف…؟
كيف يخاف مَنْ أَمَّنْتَهُ… وكيف يهلعُ مَنْ طَمْأَنْتَهُ..؟
والتراب… آكل الأجساد… ومُفَتِّتُ العظام…
روحي لا يطال… وقلبي لا ينال…
لأنَّك -سيدي- أنت فيهما… لك وَهبْتُهُمَا… وعندك إستودعتهما…
فافتح سيدي… فالقلق أمضَّني…. والبعاد عنك حَرَّقني…
فافتح سيدي… وإلى كنفك خذ بيدي..!

-4-

إذا الرؤوس خوت… والأرواح ضوت… والفضاء الوسيع ضَنَّ بالكثير والقليل..!
وإذا الآذان صُكَّتْ… وتأذَّتْ… من ضجيج الصوت… وتافِه القول… وخليط كل ناعق وصائح…!
وصفاء الروح… كدرًا مغبرًا غدا… غبَّرَتْهُ الآثام… وكدَّرتهُ الذنوب…
وها هي الجموع… من هَمِّ ما تجد… أَكُفَّ الضراعة ترفع… وتبتهل وتتضرع..!
فيا ربِّ افتح الأبواب…. وأنزل الرحمات… وخذ بيدي…
أنا الآتي إليك من بعيد الْمَهَاجر… وقصي المسافات..!

-5-

أُذُنُ قلبي لصَوتك تتَسمَّعُ… وتَتَرَقَّبُ…
وسمع روحي لغير صوتك لا يَسْمَعُ…
هامسات ألطافك… وإلهامات نداءاتك… متى عليَّ تتنـزَّل..؟
وبألحان "الماوراء"… كم أُجَنُّ وأَطْرَبُ… ومِن نشوتي أَتَهَيّمُ..!
الظاهر كيف يُفْتَقَدُ..؟ وساكن القلب كيف في القلب يضيع..؟
إنْ صككتَ بابك في وجهي فأنا الضائع المضيّع…
وإنْ عنه طردتني وأبعدتني… فأنا فقيد الدنيا والآخرة..!
فأرجوك -يا سيدي- افتح لي… وخذ بيدي… ببابك واقف أنا..!

-6-

إذا الشفَق الوردي بآفاق صحرائي هام…
وعانَق الأجواء ثم أقام…
عاشق دائم لا يريم…
وكأنَّ الصبح عن قريب لا يأتي… والشمس لا تشرق…
ونجم إقبالي في سمائي لا يلمع..!
ولكن يدي عن قرْع بابه لا تكل ولا تملّ…
وصوتي الواهن من وراء الباب ينادي:
سيدي… عبدك هنا… افتح لي… وخذ بيدي..!

-7-

نورك من كل مكان منساب… من الأرض والسماء…
من التلّ والأخضر…
والقفر الأجرد…
والبحر الهدَّار…
والنبع السلسال…
وجلال اسمك بالوجود محيط… به يقوم… وبه يدوم…
والقباب والمآذن… إذا رفع من فوقها اسمك… ارتَجّت… وارتجفت…
فبِك أقسم عليك… بالقلوب المحبة لك أتشفع إليك… بالأرواح المحترقة من عشقها أتضرع إليك…
وبجلال اسمك العظيم… وبسناء أسمائك الحسنى…
أن تفتح لي الباب… وتتقبلني في العائدين… وتأخذ بيدي في السالكين… فأنا ببابك… أؤمل وأنتظر..!

-8-

بعيدًا أنا منك… قريب أنت منّي… ما بعيد وما قريب… لِمَنْ هو بالمكان والزمان محيط..!
أنت أقرب إليَّ من حبل الوريد… بل أقرب من قلبي الساكن بين جنبيَّ…
وإنْ شئتَ حِلْتَ بيني وبينه… وأقصيته عني… وأقصيتني عنه..!
إشعاعات نورك في كياني تتراءى… وتنساب في حنايا الروح… وحبَّات القلب…
إذا كنتَ معي… أو إذا كنتُ معك… فأنت مشرق أيامي… وأضواء ليلي ونهاري… وكُلُّ عاطفتي ووجداني..!
فيا ربُّ يا عالم السرِّ وأخفى… افتح لي بابك… وبيدي خذ…
فأنا من زمان… على بابك أبيت… نصبتُ خيامي… وأقمت خبائي..!

-9-

روحي ألم… وقلبي شجن…
مكبَّل اليدين… معصوب العينين… مشلول الرجلين…
تعطَّفْ عليَّ… تحنَّنْ على عبدك… اكْسرْ قيدي… أطلق يدي… وأزح عصابة عيني…
تكرَّم عليَّ… تلطَّف بي…
بالباب واقف… افتح لي… فقد هدَّني الانتظار… وأنحلني طول السُّهاد..!

المصدر: مجلة "سِيزِنْتِي" التركية، مارس 1996؛ تعريب: أديب الدبّاغ.

هذا المنشور نشر في مشروع إحياء الربانية, بين يدى رمضان. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s