التصرفات السياسية للرسول صلى الله عليه وسلم

medine8 

مقالة يوضح فيها دكتور فتحى أبو الورود عضو الإتحاد العالمى لعلماء المسلمين بعض التصرفات السياسية للرسول صل الله عليه وسلم ومن الأهمية بمكان أن نعرف أن الرسول صل الله عليه وسلم كان له قرارات سياسية وهذا ما سيكشف عنه كاتب المقالة :

حين نطالع سيرة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وسنته المطهرة فإننا نقف أمام شخصية جامعة، تتعدد فيها الجوانب، إنها شخصية مصلح اجتماعي وزعيم سياسي، وقائد عسكري، وحكيم روحاني، وموجه تربوي، ورائد أخلاقي، ومعلم نبي.

إن دراسة سيرته صلى الله عليه وسلم وسنته تنفحان روادهما [بالأدب الزكي، والقواعد الحصيفة، والسياسة الراشدة. وذلك هو الإسلام] [1].

لقد حكم النبي صلى الله عليه وسلم دولة الإسلام الأولى، بعد أن شاد بناءها وأقام أركانها، وجمع بين قاطنيها على اختلاف أديانهم ومنازعهم من خلال ميثاق المدينة، أو دستور المدينة.

لقد مارس دوره كرئيس دولة على أتم الوجوه وأكمل الصور، لقد (مارس السياسة بكل ما للكلمة من معانٍ ومضامين: من سياسة الدعوة، والتربية، إلى سياسة التنظيم والتخطيط، إلى سياسة التدريب والتنفيذ، إلى تأسيس الدولة وتسييرها، إلى قيادة المجتمع وتدبير شؤونه، إلى شؤون الحرب والسلم] [2].

وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم طافحة بالمشاهد السياسية، وسنته صلى الله عليه وسلم حافلة بكيفية إدارته دولة المدينة في حالتي الحرب والسلام، وفي ذلك قال ابن القيم: (أخذ الأحكام المتعلقة بالحرب ومصالح الإسلام وأهله، وأمور السياسة الشرعية من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ومغازيه أولى من أخذها من آراء الرجال) [3].

وقد أورد الإمام ابن القيم سيلًا من هديه صلى الله عليه وسلم في السياسة الشرعية، قال:

[حبس رسول الله صلى الله عليه وسلم في تهمة[4]. وعاقب في تهمة لما ظهرت أمارات الريبة على المتهم، فمن أطلق كل متهم وحلفه وخلى سبيله ــ مع علمه باشتهاره بالفساد في الأرض، وكثرة سرقاته، وقال: لا آخذ إلا بشاهدي عدل ــ فقوله مخالف للسياسة الشرعية.

وقد منع النبي صلى الله عليه وسلم الغالّ من الغنيمة سهمه [5]، هو وخلفاؤه من بعده،، وعزم على تحريق بيوت تاركي الجمعة والجماعة[6].

وأضعف الغرم على سارق ما لا قطع فيه، وشرع فيه جلدات نكالًا وتأديبًا، وأضعف الغرم على كاتم الضالة على صاحبها، وقال في تارك الزكاة:" إنا آخذوها منه وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا[7] ـ، وأمر المرأة التي لعنت ناقتها أن تخلي سبيلها[8]، وأمر بإمساك اليهودي الذي أومأت الجارية برأسها أنه رضخها رضخة بين حجرين[9]، فأخذ وأقر فرضخ رأسه، وهذا يدل على أخذ المتهم إذا قامت قرينة التهمة، والظاهر أنه لم تقم عليه بينة، ولا أقر اختيارًا منه بالقتل، وإنما هدد، أو ضرب فأقر] [10].

ومن تصرفاته صلى الله عليه وسلم السياسية ما ورد في صحيح البخاري وغيره، عن جابر بن عبد الله ــ رضي الله عنه – قال: كنا في غزاة فكسح رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار.فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين. فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ما بال دعوى الجاهلية " قالوا: يا رسول الله " كسح رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار. فقال:" دعوها فإنها منتنة " فسمع بذلك عبد الله بن أبى فقال: فعلوها، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجّن الأعز منها الأذل. فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقام عمر، فقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " دعه لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه ". وكانت الأنصار أكثر من المهاجرين حين قدموا المدينة، ثم إن المهاجرين كثروا بعد[11].

قال النووي [قال العلماء: وإنما تركه النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان في أول الإسلام يتألف الناس، ويدفع بالتي هي أحسن، ويصبر على أذى المنافقين، ومَن في قلبه مرض) [12].

ويعلق الدكتور إبراهيم عبد الرحيم قائلا: [في هذا الحديث دلالة على منع قتل المنافقين في ابتداء الإسلام لأن مصلحة تأليف قلوبهم أعظم من مصلحة قتلهم) [13].

وأيضًا ما رواه البخاري بسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: لولا حداثة قومك بالكفر لنقضت البيت ثم لبنيته على أساس إبراهيم عليه السلام، فإن قريشًا استقصرت بناءه، وجعلت له خلفًا. [14].قال أبو معاوية: حدثنا هشام خَلفًا يعني بابًا.

قال ابن حجر [نقل ابن بطال عن بعض علمائهم أن النُّفْرة التي خشيها النبي صلى الله عليه وسلم أن ينسبوه إلى الانفراد بالفخر دونهم] [15].

والشاهد في الحديث أن تأسيس البيت على أساس قواعد إبراهيم عليه السلام أمر مطلوب، لكن تركه النبي صلى الله عليه وسلم خوفًا من مفسدة أعظم من مصلحته، وهذا من السياسة الشرعية [16].

———————————————

[1] فقه السيرة للشيخ محمد الغزالي صـ 10.

[2] الفكر الإسلامي وقضايانا السياسية صـ 39.

[3] زاد المعاد جـ3 ص 143، وانظر السياسة الشرعية د. إبراهيم عبد الرحيم ص 156

[4] أخرجه أبو داود في الأقضية باب في الحبس في الدية وغيره

[5] أخرجه أبو داود في الجهاد ــ باب في عقوبة الغال، والترمذي في الحدود ــ باب ما جاء في الغال.

[6] رواه البخاري في الأذان ــ باب وجوب صلاة الجماعة، ومسلم في المساجد ــ باب فضل صلاة الجماعة.

[7] أخرجه أبو داود في الزكاة ــ باب زكاة السائمة، والنسائي في الزكاة ــ باب عقوبة مانع الزكاة.

[8] رواه مسلم في البر والصلة والآدابــ باب النهى عن لعن الدواب وغيرها، وأبو داوود في الجهادــ باب النهى عن لعن البهيمة، وأحمد في المسند، مسند البصريين حديث عمران بن حصين.

[9] أخرجه البخاري في الدياتــ باب سؤال القاتل حتى يقر والإقرار في الحدود، ومسلم في القسامة والمحاربين والقصاص ــ باب ثبوت القصاص في القتل بالحجر وغيره.

[10] الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لابن القيم صـ 19، 20

[11] رواه البخاري في البر والصلة ــ باب سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم.

[12] شرح النووي على صحيح مسلم جـ15 ص 467.

[13] السياسة الشرعية د. إبراهيم عبد الرحيم صـ 157

[14] رواه البخاري كتاب الحج ــ باب فضل مكة وبنيانها.

[15] فتح الباري جـ3 صـ 529.

[16] السياسة الشرعية د. إبراهيم عبد الرحيم صـ 157 ومراجعه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* مدير مكتب الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بالقاهرة


هذا المنشور نشر في علوم سياسية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s