أضواء قرآنية فى سماء الوجدان –سورة البقرة 4

hwa-allah 

مواصلة فى الإبحار فى كتاب أضواء قرآنية فى سماء الوجدان لفتح الله كولن ومختارات بعض الآيات من سورة البقرة

﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾(البَقَرَة:117)

يأتي معنى فعل "بَدَعَ" في اللغة العربية بمعنى الإيجاد والخلق على غير مثال أو أنموذج سابق. وتعرض الأرض والسماوات التي لا حد لوسعتها أنموذجا للجمال الذي لا يمكن أن يشـبع الإنسان منه. أي هي من الكائنـات والمخلوقات العجيبة التي لم يسبق وجود أنموذج لها من قبل. فهي مذهلة ومدهشة ولا يمكن أن يكون هناك أكثر منها جمالا وجاذبية لعدم وجود مثال سـابق لها من جهة، ولطبيعة مادتها الأصلية وهيئتها الحالية من جهة أخرى. وهي تشير وتومئ بمليارات من الإشـارات النورانية إلى خالقها ومبدعها.

أجـل! خلقت الأرض والسماوات جميعاً بكل ما فيها وبكل جمالها وجلالها الأخاذ وبكل أسرارها وبدرجة الكمال التي لا كمال فوقها، ودون أي نقص أو قصور بكلمة "كن" من قبل خالقها. وهي ليست أجزاء جاءت وانفصلت منه تعالى، وليست ظهوراً لـه سبحانه، لأن العلاقة بين الكون وبين مبدعه تبارك وتعالى هي علاقة الخالق بالمخلوق.

أي أن هذه العلاقة ليست تولداً منه أو صدوراً عنه أو ظهوراً حتمياً وغير إرادي له. وعلى فرض المستحيل لو كانت هـذه هي العلاقة لمَا كان كل هـذا الصدور والظهور معرضاً للتفتت والتجزؤ والنفاد مثل نفاد وقود الشمس في يوم من الأيام. بينما يُخْلَق كُل شيء ثم ينمو ويتطور ثم ينمحي ويذهب ويفنى ثم يعقب هذا الفناء وجود آخر بنفس الجمال والجاذبية… أجل! كل شيء يأتي واحداً إثر آخر، ثم يرحل واحداً إثر آخر، ولكن يبقى بديع السماوات والأرض وحده دون زوال أو تحول أو فناء.

وعندما يتكرم الله تعالى ويهب نور الحياة للآتين، فهو يعبر لأولي الألباب عن معنى الوجود. وعندما يحل القادمون الجدد بنفس النعم المهداة إليهم، بعد ذهاب الزائلين، فهو يشير إلى أبديته وأزليته.[5]

 

﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾(البَقَرَة:124)

جاء في بعض الروايات حول تفسير هذه الآية أن إبراهيم عليه السلام كان أول من ختن وأول من استضاف وأول من قلم أظافره وأول من خفف وحفّ شاربه… الخ. ولكن يمكن القول بأن هذه الأمور كانت موجودة قبله لأنـها -حسب ما أثـر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم- من الفطرة السليمة. لذا كان علينا أن ننظر إلى هذا السبق أو الإمامة هنا بمعنى نسبي. فمن المحتمل أنـها كانت بالنسبة إلى قومه وليس أول الناس في مثل هذه الأمور منذ آدم عليه السلام. فمثلاً يقول النبي موسى عليه السلام ﴿وَأَنَا أَوّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأعراف: 143). ومن الواضح أنه لم يكن أول مؤمن. إذن فالأولوية هنا نسبية أي نسبة إلى قومه. لذا فإن أصح ما يمكن قوله بخصوص امتحان إبراهيم عليه السلام وابتلائه هو أنه اجتاز هذا الامتحان بأفضل وأكمل شكل وأنه رد كل ما يعود إلى الشرك بصورة واضحة بينة يفهمها حتى المبتدئون.

وتأتي كلمة "البلاء" من نفس جذر "الابتلاء" والتجربة. ويُفهم من كلمة الابتلاء أنها بمعنى إظهار بعض المكتسبات الداخلية أو الباطنية للإنسان بعد امتحانه، أو إظهار نواحي الجمال أو القبح فيه… الخير أو الشر… السمو أو الدناءة.

ولكن الإنسان يملك حياة جسدية ونفسية وأهواء وشهوات إلى جانب حياته الروحية والقلبية فهو من ناحية حياته الروحية والقلبية قريب من عالم الغيب ومن الحق تعالى، وهو يحاول في الوقت نفسه ضمن حياته النفسية الوصول إلى مراتب الإنسان الكامل، فهو في صراع دائب بين التكاليف والأوامر الإلهية وبين مطالب الجسد والنفس، وتكون أمامه خيارات للترجيح، وهو ينجح أحياناً في هذا الاختيار وأحياناً يفشل ويجانبه الصواب. إذن فهذا ابتلاء وامتحان واضح يظهر فيه الفائز والخاسر.

 

﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾(البَقَرَة:144)

أول ما نلاحظه في الآية ذكر الرضا مع تحويل القبلة إلى الكعبة. وقد يتساءل البعض عن العلاقة بين ذكر الرضا مع تحويل القبلة لكي يتم استعمال مثل هذا الأسلوب.

وكما سنذكر بإيجاز عند تناول شرح نكت الآية رقم 150 من سورة البقرة فإننا بتناول هذه الآية من زاوية تصوفية نرى وجود علاقة وثيقة بين "الحقيقة الأحمدية" وبين "حقيقة الكعبة". وأوجز إيضاح لهذا هو ما قاله بعض المتصوفة بأن حقيقة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وحقيقة الكعبة توأمان خلقا معاً في عالم الاحتمال.

كان المسجد الأقصى في عهد معين في مكة وفي المدينة هو القبلة بسبب حكم عديدة. لذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم ينتظر يوم وصاله مع مكة والتوجه نحوها بلهفة وبفارغ الصبر، يفوق في شوقه شوق العاشق لمعشوقته، ويبث ما يعتلج به فؤاده إلى الله. والحقيقة إنه صلى الله عليه وسلم مثل سائر الأنبياء كان -ولا مشاحة في المثال- كطائر أخروي لا يقف تطلعه عند حدٍّ حتى في العالم الآخر كلما علا وارتفع تطلع إلى الأعلى والأرفع بحيث يستغرق ذلك إهتمامه كُلّهُ. فقد عرج إلى الأعلى حتى وصل إلى سدرة المنتهى وكان قاب قوسين أو أدنى منه، وأتم سياحته في عوالم أخرى دون أن تحول دونه أي قوة جذب أو أي شيء آخر، ودون أن يصاب بالدوار أو يزيغ بصره. وكان هذا عمقاً آخر في عظمته.

أجل! كان هذا النبي الكريم سيد الإنس والجن الذي ساح في مثل هذه العوالم، والذي كانت أجنحة الملائكة مفروشة تحت قدميه يرنو ببصره إلى السماء ويخاطب ربه طالباً منه تيسير اجتماعه مع حقيقة الكعبة ومتسائلاً بكل لطف ونـزاهة: متى يا رب؟ وعندما حقق الله تعالى رغبته هذه كان من الطبيعي أن يرضى، لذا قال له ربه ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ وكان هذا يعني في الوقت نفسه رضا ربه عن هذه القبلة التي اختارها له.

وبهذا المحراب الجديـد رجع المسجد الأقصى خطوتين إلى الوراء -مع الاحتفاظ بكامل مكانته المباركة المتميزة- ليكون هذا البيت العتيق الذي لا تبلى مكانته في القلوب هـو مطمح النظر الإلهي في فترة كانت البشـرية فيها متهيأة للانطلاق نحو عهد فكري جديـد ونحو عهد عقيدة جديدة، ولكي يشع نوره ويفشي سـره إلى توأمه الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى المؤمنين المنطلقين في إثره ولكي يحتضنهم بحرارة لم يحظ بـها أحد من قبل، ولكي يتم عيش المبدأ والمنتهى معاً للمرة الأولى وللمرة الأخيرة أيضاً.

﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَيهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾(البقرة: 144) في تمام الآية هناك توجه مختلف. فتوجه الرسول صلى الله عليه وسلم في البداية إلى المسجد الأقصى كان يشكل تـهيئة لتليين قلوب يهود المدينة لقبول نبوته. أي تنبيه قلوبـهم وجعلهم يقولون: "يحتمل أنه نبي". وعند تحويل القبلة إلى الكعبة ساعد على تليين قلوب مشركي مكة الذين كانوا يعدون أنفسهم على ملة إبراهيم عليه السلام ولكن ملة مغايـرة للمسلمين، وجعل هؤلاء المشركين يتذاكرون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. أي أن الإسلام عندما أظهر بأنه يحترم الأماكن التي يعدها اليهود والمشركون أماكن مقدسة فانه كان يؤثر على وجهة نظر هؤلاء. وهذه الآية أنموذج للآيات القرآنية التي تراعي الروح والنفس الإنسانية، وتأخذ الجهة النفسية للإنسان بنظر الاعتبـار وبشكل عميق ومتداخل. ولعل هذا الموضوع من اقل المواضيع التي تم الاهتمام بـها في تاريخ التفسير.

يأتي "الشطر" بمعانٍ عديدة منها نصف الشيء أو جزء منه أو جهته. وهذا يبين وجوب وضرورة التوجه إلى الحرم الشريف أي إلى الكعبة المشرفة قدر الاستطاعة. وقد فهم العديد من الصحابة وأئمة التابعين هذه المسألة على أساس إمكانية الإنسان للتوجه إلى الكعبة حسب الأماكن التي يوجد فيها. أي أن الموجود في الحرم الشريف يجب أن يتوجه إلى منتصف الكعبة أو إلى جزء منها في الأقل بشكل تام. أما الموجودون بعيداً عنها "عن الكعبة" فيجب أن يتوجهوا شطرها. وهذا هو مقتضى الآية ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُم فَوَلُّوا وُجُوهَكُم شَطْرَهُ﴾.

كما أن جملة ﴿وَحَيثُ مَا كُنْتُم﴾ في الآية تشير إلى أنه مع وجوب وضرورة التوجه نحو القبلة في الصلاة فهي تومئ أيضا إلى أنه لا حاجة لأي مكان خاص للصلاة مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم: "وجُعلت لي الأرضُ مسجداً".[6]

 

﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾(البَقَرَة:150)

بعد وصول الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة وتشريفه لها، قضى 16 أو 17 شهراً وهو يتوجه في صلاته نحو المسجد الأقصى. وكانت الكعبة في تلك الأيام مملوءة بالأصنام والأوثان طبعاً. ولما كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد أرسل بدين التوحيد وعدم إبداء أي اهتمام نحو الأصنام، لذا مُنع فترة معينة من التوجه في صلاته نحو الكعبة لكي يُظهر موقفه القطعي والأكيد نحو الأصنام.

والحقيقة أن هناك علاقة وثيقة بين الحقيقة الأحمدية وبين حقيقة الكعبة وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يشعر -حسب فطرته التي فطره الله عليها منذ الأزل- بـهذا، ويود التوجه نحو الكعبة ويحن إلى هذا، وهذا التوجه والحنين شرحه القرآن الكريم: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ (البقرة: 144).

أما هدف الرسول صلى الله عليه وسلم من تقليب وجهه في السماء فهو رغبته أن يضع الله تعالى حكماً جديداً في موضوع تحويل القبلة. أجل! كان ينتظر نبأَ من السماء لذا نرى أن الآية في عقبها تبلغه البشارة ﴿فَلَنُوَلّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرضَاهَا﴾ (البقرة: 144). والظاهر أنه من الصعب فهم هذه الحقيقة. ولا يفهمها إلا شخص كالرسول صلى الله عليه وسلم الذي كان يدرك هذه العلاقة الوثيقة بينه وبين الكعبة حق الإدراك بفطرته.

أجل! كانت لحقيقة الكعبة علاقة وثيقة به. ولكن كانت مسألة التوحيد التي هي سبب بعثته أهم بكثير جداً من قدسية الكعبة ومن كونـها قبلة للصلاة. لذا توجه الرسـول صلى الله عليه وسلم في مكة في صلاته نحو المسجد الأقصى واستمر على هذا مدة اخرى في المدينة كذلك.

أما يهود المدينة فانـهم بدأوا يدعون -انطلاقاً من كون قبلة المسلمين نحو المسجد الأقصى- بأنـهم هم الأصل وأن المسلمين تابعون لهم لكي يجعلوا من هذا الموضوع حجة لدينهم. ولو شاء الرسول صلى الله عليه وسلم لحول القبلة إلى الكعبة عند أول وصوله إلى المدينة.

ولكنه لم يكن يتصرف بمشيئته وبرغبته، بل كان على الدوام متعلقاً بالله مخلصاً له في كل شـأن من شؤونه ينتظر الأوامر منه، مرجحاً هذه الأوامر على رغبات قلبه، فقد كان إنسان الذروة يستشرف أبعدَ الأفاق الإنسانية إلاَّ أنه لم ينسَ كونه عبداً رسولاً يأتمر بأمر الله تعالى.

كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم -بتوجهه في الصلاة شطر المسجد الأقصى- أشعل نور الهداية في قلوب العديد من اليهود أمثال عبد الله بن سلام. ويحتمل أن صفة الرسول هذه كانت مذكورة في كتبهم. على أي حال فقد كان هناك بعض اليهود الذين اهتدوا إلى الإسلام. وبعد ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً من هذا التوجه شطر المسجد الأقصى تم المقصود، ولم يبق في يد هؤلاء الناس أي دليل يستطيعون استعماله ضد المسلمين. أي لم يعد بمقدور المشركين القول: "انتم تتوجهون نحو الكعبة المملوءة بأصنامنا، إذن فإن ديننا هو الأصل!" ولا بمقدور اليهود القول: "انتم تتجهون إلى قبلتنا، إذن فديننا هو الأصل". في مثـل هذا الجو جاء الأمر الإلهي بالتوجه شـطر المسجد الحرام فحقق الوصال بين ذات الرسـول صلى الله عليه وسلم وذات الكعبة المشرفة.

وهناك إشارات في العهد القديم فيما يتعلق باشعيا عليه السلام تومئ إلى أن الأحداث ستجري كما جرت؛ لأن بعض اليهود كانوا يقولون بناءً على هذه الإشارات: "إن قبلة النبي القادم ستكون إلى مكة. أما محمد فلا يزال متوجهاً في صلاته نحو بيت المقدس". وهذا يلقي الضوء على بعض جوانب هذا الموضوع.

﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة: 150) أي أن توجهكم في الصلاة شطر المسجد الأقصى كان نعمة، ولكن النعمة الأصلية الكبرى كانت في لقاء الأحبة. أي التقاء الرسول صلى الله عليه وسلم -الممثل للأمة الإسلامية- بالكعبة، ومن هناك العروج فيما بعد إلى سدرة المنتهى ليحظى بالنعمة الإلهية وجهاً لوجه، وهذا يمكن فقط بالتوجه شطر الكعبة. وهكذا يكون الله تعالى قد أتم نعمته، وهو شرف اختص به الله هذه الأمة التي أسبغ عليها رحمته.

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾(البَقَرَة:153)

الصبر يعني عدم اهتزاز حال المؤمن وعقله، والثبات وعدم الهلع عند الصدمة الأولى الداعية إلى المعصية والمؤدية إلى إثارة المشاعر والأحاسيس السيئة أو في اللحظة الأولى من سماع أوامر الطاعة والدعوة إليها. والحديث الشريف الذي يقول "إنما الصبرُ عند الصَّدمة الأُولى"[7] يصور هذا المعنى. وإلا فإن الصبر الذي يعقب الهزة والصدمة الأولى وبعد لباس العافية والأمن فليس صبراً بالمعنى الكامل.

من المفيد هنا الإشارة إلى أمر، وهو أن اكبر صبر هو الصبر على طاعة الله واتباع أوامره واجتناب نواهيه. ذلك لأن الإنسان لا يصل إلى برج التوحيد ولا إلى افق العبودية إلا بالطاعة. وبعد هذه المرتبة يكون الإنسان مستعداً للخضوع لجميع ما يأتي من قبل الله تعالى.

وهنا نريد أن نقول للذين عزموا على المضي في السياحة نحو الأبدية: إن كنتم عازمين على المضي نحو غاية تفوح من جوانبها كافةً رائحة الأبدية، فإن الوصول إلى مثل هذه الغاية يحتاج إلى سلوك طريق طويل وشاق. وحسب قاعدة "بقدر الكد تكتسب المعالي" فإن الطريق نحو الذرى يمر من الجبال والأودية والقمم، ويتعرض سالك هذا الطريق إلى العديد من المصاعب والمشاق. لأن هناك في داخل الإنسان نفساً أمارة بالسوء معرضة ومفتوحة لوساوس الشيطان وإيحاءاته وغواياته، وفي خارج الإنسان هناك الملحدون والمنكرون والظالمون الذين يقومون بشتى أنواع الظلم والبغي والهجوم والغدر. وهكذا فستعيشون على الدوام في أزمات مادية ومعنوية، تحاولون التحمل وانتم تصرون على أسنانكم، وفي الوقت نفسه قد تضطرون إلى تهيئة الأجوبة لكثير من الأمور التي تأتي من اليمين ومن الشمال في كل آن. فإن لم تكونوا مستعدين لهذا ومسلمين من الناحية الروحية والجسدية، ولم تكونوا قد تدربتم تدريباً جدياً ورضتم أنفسكم الرياضة المعنوية المطلوبة وبالمقياس المطلوب ضعتم في هذا الطريق وتهتم، ولم تستطيعوا مواصلة السير فيه، أو هو يتم في وادٍ من الوديان المعنوية المخالفة لأفكاركم الأساسية ولمشاعركم.

الحصن الأول تجاه هذه المخاطر المحتملة هو الاعتصام بالصبر، لأنه سيكون الأرضية الصلبة التي لا تزل عليها أقدامكم. إن قدر النجاح يخطط تحت مظلة الصبر، وبلوحة الصبر يتوضح مفترق طريق الخير وطريق الشر. كما لا تتحقق العبودية الحقة لله تعالى إلا بعلاج الصبر ومنشطاته. وبالصبر يمكن الصعود إلى مراتب حقائق الإيمان والإسلام والإحسان. وإذا كان للإنسان هدف طوال حياته للانتقال من الإيمان إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى المحبة وإلى المخافة، ويريد تذوق طعم الأذواق الروحية والوصول إلى الوصال الحقيقي… إن كان له مثل هذا الهدف عليه أن يتزود بزاد الصبر الذي يكون سند قوته ومنبعها وصاحبه الذي لا يفارقه.

فإن فكرنا في أنواع الصبر، عرفنا أنه الفقرة أو المادة الأولى في الوصفة المكتوبة لرقي بني الإنسان.

إن الصلاة -التي تحوي على تمرين على الصبر أيضاً- أهـم وسـيلة لاستقرار الإيمان وتصفية الروح والوصول إلى صحة الجسد، واهم وسيلة في التفاهم والوفاق والتلاحم الاجتماعي، وهي أوضح ظاهرة لكيان الأمة. وهي رأس جميع العبادات، وطريق وخط سـفينة الدين، والسلم النوراني لمعراج القلب.

وكل من جعل إيمانه جزءً من طبيعته بالصلاة وأداة ينقي بـها روحه ويصفيه ويوسع ويعمق حياته القلبية، ويشعر في جوها الدافئ اللين بأنـه ضمن أمة كالبنيان المرصوص… كل من وفق إلى هذا اسـتطاع بسهولة تجاوز جميع مصاعب طريق العبودية والوصول إلى هدفه.

هذا المنشور نشر في مشروع إحياء الربانية, بين يدى رمضان, دعوى. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s