خطبة عيد الفطر 1432هـ

 25

 

بقلم: أ. د/ عبد الرحمن البر*

الحمد لله الذي نعمه لا تحصى، وشكره لا يؤدَّى، له الحمد كثيرًا، وله الشكر بكرة وأصيلاً، الله أكبر الله أكبر الله أكبر.. الله أكبر الله أكبر الله أكبر.. الله أكبر الله أكبر الله أكبر.

الله أكبر ما تواضع كل شيء لعظمته، الله أكبر ما ذلّ كل شيء لعزته، الله أكبر ما خضعت الرقاب لقدرته، الله أكبر ما سكن كل شيء لهيبته، الله أكبر ما عنت الوجوه لعظمته، الله أكبر خلق كل شيء بقدر، أكبر ملك كل شيء وقهر.

الله أكبر مَا شَاءَ رَفَعَ ومَا شَاءَ وَضَعَ، الله أكبر مَا شَاءَ أَعْطَى وَمَا شَاءَ مَنَعَ، الله أكبر كبيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، سبحان من قهر بقوته القياصرة، وكسر بعظمته الأكاسرة، وأذل بجبروته الجبابرة والأباطرة، الذين طغوا وبغوا فأرداهم ظلمُهم في الحافرة.

الْحَمد لله الَّذِي هدَانَا للإسْلامِ وفضلنا بِهِ على جَمِيع الْأَنَام، وأتم علينا النعمة، وأكمل لنا العدة، فصمنا رمضان، وخرجنا نكبر الله ونشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله، ولي النعم كلها دون من سواه، لا عصمة إلا لمن هداه، ولا نجاة إلا لمن عصمه من اتباع هواه، لا إله إلا هو، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، صاحب الحوض المورود، واللواء المعقود، والصراط الممدود؛ الذي أدبه فأحسن تأديبَه، وزكَّى أوصافه وأخلاقه، ثم اتخذه صفيَّه وحبيبَه، ووفق للاقتداء به من أراد هدايته وتهذيبَه، ونسخ بملته مللاً، وطوى بشريعته أديانًا ونِحَلاً، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه؛ الذين سلكوا سبيل ربهم ذللاً، ومن سلك سبيلهم واقتفى آثارهم إلى يوم الدين.

أما بعد.. أيها الإخوة الموحدون، الذين أتموا صيام رمضان وقيامه؛ فبشراكم توفيق الله إياكم بإكمال عدة رمضان، وحق لكم اليوم أن تأخذوا الجائزة﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة: من الآية 185).

لتهنؤوا أيها الموحدون بما أنعم الله عليكم ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (يونس: 58)، فلقد امتلأت المساجد في رمضان، وكثرت صفوف المصلين في العشاء والقيام وصلاة الفجر، وفي هذا مؤشر قوي على أصالة الإيمان في نفوس أمتنا، وتغلغله في أعماق قلوبها، وامتزاجه بدمائها ولحومها، وقد دفعت الثورة المباركة هذا الشعور الأصيل لأن يعلن عن نفسه حين واتته الفرصة الطبيعية لتغذية أشواقه الإيمانية بالعبادة، دون خوف من مساءلة من السلطات الظالمة، أو مراقبة من العيون التي كانت تتربَّص به الدوائر، ودون خشية من النظم الجائرة التي كانت تطلق العنان لكل مفسد، وتضيق الخناق على الشرفاء الأطهار المصلحين، فالحمد لله على نعمائه.

رمضانُ ولَّي والدمعُ  في الآماق    يا ليته دام دون فراق

ما كان أقصرَه على أُلَّافه         وأَحَبَّه في طاعة الخلَّاق

شهرُ العبادة والتلاوة والهدى      شهرُ الزكاة وطيب الأخلاق

ها قد مضى موسم إحياء الربانية والوحدة الإيمانية والرابطة الإسلامية، وموسم الصلوات الجماعات والمساجد والمحاريب، وموسم الإنفاق والصدقات، وموسم طهارة القلوب وزكاة النفوس وعفة الألسن وإغضاء الأبصار وصون الأسماع وإخلاص النوايا وإحسان الأقوال وإصلاح الأعمال، ومن واجبنا أن نؤكد أن هذا الإيمان الذي تجدد، وأعلن عن نفسه، يجب أن يظل حيًّا في نفوس الأمة، متقدًا في قلبها، يمنحها الزاد ويمدها بالقوة التي تجعلها تواصل العمل الجاد للإمساك بكل ما من شأنه أن يحقق الرفعة والتقدم والازدهار للأمة.

وبدافع من حبنا لديننا وقومنا ننادي وبأعلى صوت أن تخمد هذه المعارك الدامية غير الطبيعية، بين الشعوب والجماهير المسلمة في سوريا واليمن وغيرهما من جهة، وبين الحكومات المستبدة في تلك الدول من جهة أخرى، ولتعتبر هذه الحكومات بما جرى للمستبدين في تونس ومصر وليبيا، وليكن من دروس الربيع العربي الراهن أن الشعوب مصرة على أن تحافظ على وجهتها الإسلامية، وتأبى إلا أن تظل متمسكة بعقيدتها، وماضية في سبيل تحقيق حريتها وكرامتها، ولن تنجح الحكومات في الاستمرار في هذا الاستبداد، أو في جر هذه الشعوب المسلمة إلى الابتعاد عن جادة الإسلام، كما أن عليها أن تدرك أن هذه الجماهير المسلمة تمتلك طاقات هائلة من الإيمان والوطنية، لا يمكن لأحد إخمادها، ولا مستقبل لهؤلاءالحكام إلا أن يسيروا في فلك شعوبهم، لتتوجه كل الطاقات لطرد الغاصبين المحتلين، واسترداد الأرض المغصوبة، والحقوق المسلوبة، بل والوصول إلى قيادة العالم والمشاركة في صنع القرار العالمي، بدلاً من الارتماء على أعتاب أمريكا، الذي لن يزيدهم إلا ذلة ومهانة، أو التسكع على موائد المفاوضات التي لم ولن ترد الحقوق المسلوبة، بل على العكس تعمل على أن تمكن للغاصب وتعطيه شرعية، وتضغط على أصحاب الحق للتنازل عن المقدسات، والتطبيع مع المحتل، والوقوف إلى جانب الصهاينة للقضاء على المقاومة المشروعة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ. وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (آل عمران: 100: 103).

لئن عرف التاريخ أوسًا وخزرجا   فلله أوسٌ قادمون وخزرجُ

وإن كنوز الغيب لتخفي طلائعا           صابرة رغم المكائد تخرج

لا بد أيها المسلمون ونحن في موسم عظيم من إظهار الفرح بطاعة الله أن نتذكر أمورًا مهمة في هذه المرحلة الفاصلة في تاريخ أمتنا:

أولها: الاستمساك بديننا والاعتصام به، فهمًا لأصوله وتعلمًا لشرائعه، وتمثلاً لأخلاقه، وتحليًا بآدابه، وتطبيقًا لأحكامه وشرائعه، والتزامًا بأسسه وقواعده، وتوحدًا على عقائده ومبادئه، فهو عصمة أمرنا وقطب الرحى في حياتنا، وهو غاية ما لأجله خلقنا ربنا سبحانه وتعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56)، فنجعل حياتنا كلها محراب عبادة وطاعة لله ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأنعام: 161: 163).

إن تكبيرنا في العيد إعلان لانتصار الدين على الدنيا، والآخرة على الأولى في نفوسنا؛ فالله أكبر من الدنيا ولذائذها، والله أكبر من كيد ومؤامرات الأعداء، لقد دخلنا الأندلس لما كان نشيد طارق بن زياد في عبور البحر (الله أكبر) وبقينا فيها زمانًا كانت الهمة تغلب الشهوة، حتى ذكر أهل السير أنه لما قُدِّم لعبد الرحمن الداخل الخمر قال: إني لما يزيد في عقلي أحوج؛ لا لما ينقصه، ولقد انتصرنا على الصهاينة في رمضان حين كان نشيدنا (الله أكبر)، وكان يقين جنودنا أن الله أكبر من كل تحصينات الصهاينة ومن وراءهم
إذا جلجلت "الله أكبر" في الوغى   تخاذلت الأصوات عن ذلك الندا
ومن خاصم الرحمن خابت جهوده   وضاعت مساعيه وأتعابه سُدى
لما كانت قلوبنا تردد التكبير مع الألسن نصرنا بالرعب مسيرة شهر، وأحكمنا الأمر، فهل نعي هذا الدرس؟!

أما الأمر الثاني: فهو الحرص على وحدة الأمة؛ إذ لا يمكن أن نواجه تحديات المرحلة إلا بصف وطني متماسك، ولحمة قوية متينة على سائر المستويات، بدءًا بالأسرة الواحدة، ومرورًا بالجماعات والهيئات المتعاونة، والمجتمعات المترابطة، والصفوف المتحدة، والمودة المتبادلة واحترام الحقوق الإنسانية بين الحكام والمحكومين في الدولة الواحدة، وانتهاء بتقوية أواصر الوحدة بين الشعوب العربية والإسلامية في مختلف المجالات؛ لتكون كل دولة قوةً لأختها في مناصرة الحقوق المشتركة وتدعيم القيم الفاضلة، وشعار الجميع قوله تعالى ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: 92)، وقوله تعالى ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (المؤمنون: 52)، وليدرك الجميع أن التفرق سر الضعف ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (الأنعام: 159)، وأن التنازع باب الفشل ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال: 46)، خصوصًا إذا كان العدو على أبوابنا، وحريصًا على العبث بمقدساتنا، ومجتهدًا في شق صفوفنا، وساعيًا إلى الانفراد بكل منا على حدة.

والأمر الثالث: هو مناصرة قضايا العرب والمسلمين، وخصوصًا المستضعفين المعتدى عليهم، المظلومين في كل مكان وفي كل حال، سواء منهم الواقعون تحت نير الاحتلال كما في فلسطين، أو تحت نير الاستبداد كما في سوريا واليمن، أو تحت ضغط الفقر والمجاعة والحروب الأهلية كما في الصومال، فإذا كانت الشعوب والحكومات غير المسلمة يناصر بعضها بعضًا ويغيث بعضها بعضًا، فنحن المسلمين أولى بذلك ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ (الأنفال: 73).

أيها الإخوة الموحدون.. إن نصر هذه الأمة قد انعقد غمامه، وقد أقبلت أيامه فأحسنوا الظن بربكم، وأجمعوا صفوفكم، واقرنوا مع الأمل حسن العمل، واعلموا أن الشدائد التي تمر بها الأمة هي أمارات ميلاد جديد بإذن الله، فإن مع العسر يسرًا.. إن مع العسر يسرًا.

لا تقولوا: زرع الزارعُ والباغي حَصَدْ

ذهب الأقصى وضاعت قدسُنا منّا وحيفانا ويافا وصَفَدْ

لا تقولوا: حارس الثَّغْر رَقَدْ

أنا لا أُنكر أنَّ البَغْيَ في الدُّنيا ظَهَرْ

والضَّميرَ الحيَّ في دوَّامة العصر انْصَهَرْ

أنا لا أُنكر أنَّ الوهمَ في عالمنا المسكون بالوهم انتشرْ

غيرَ أنَّي لم أزلْ أحلف بالله الأحَدْ

أنَّ نَصْرَ اللَّهِ آتٍ وعدوَّ اللهِ لن يلقى من الله سَنَدْ

لن ينال المعتدي ما يبتغي في القدسِ..

ما دام لنا فيها وَلَدْ

الأمر الرابع: أن تتعلم الأمة كلها الدرس الذي لم يفهمه المستبدون الساقطون إلا بعد فوات الأوان، وهو أن الركون إلى الدنيا والاغترار بالسلطان والقوة والجاه والإغراق في التنعم والملذات وإهمال حاجات الشعوب وإغراقهم في مجاعات قاتلة وأمراض فتاكة، وتسليط قوى البغي والقمع للتسلط على الناس؛ مآله إلى الخزي والعار ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (الحشر: من الآية 2).

كان المعتمد بن عباد، أحد أمراء الأندلس، وأقام بالملك نيفًا وعشرين سنة، وذكر المؤرخون أن زوجته اشتهت أن تمشي في الطين وتحمل القرب؟! فأمر المعتمد أن ينثر المسك على الكافور والزعفران، وتحمل قربًا من طيب المسك لتخوض فيه زوجته؛ تحقيقًا لشهوتها، وجرت السنة الإلهية وتهاوى ملكه بسبب اللهو والغفلة والإغراق في الشهوات؛ ليؤخذ المعتمد أسيرًا إلى (أغمات) ويبقى بنوه وبناته يتجرَّعن كأس الفقر بعد الغنى، والذلة بعد العزة وكُنَّ بناته يغْزِلن للنّاس بالأُجرة في (أغْمات)، ويذكر الذهبي في (تاريخ الإسلام) وابن كثير في (المختصر في أخبار البشر) أنه دخل عَلَيْهِ فِي السجْن بنوه وَبنَاته يهنونه يَوْم عيد، وعَلى بَنَاته أطمار (أي ثياب بالية) كَأَنَّهَا كسوف وَهن أقمار، وأقدامهن حافية، وآثار نعمتهن عَافِيَة (أي ذاهبة)، فَصَدَعْنَ قلبه، فقال:

فيما مضى كنتَ بالأعياد مسرورًا … فساءك العيدُ في أَغْماتَ مأسورا

ترى بناتِك في الأطمار جائعةً … يغزلن للناس لا يملكن قِطْميرا

بَرَزْنَ نحوك للتّسليم خاشعةً … أبصارهُنَّ حسيراتٍ مَكَاسيرا

يَطَأْنَ في الطِّين والأقدامُ حافيةٌ … كأنّها لم تَطَأَ مِسْكًا وكافورا

قد كَانَ دهرك إِن تَأمره ممتثلاً … فردك الدَّهْر مَنْهِيّا ومأمورا

من بات بعدَكَ في مُلْكٍ يُسَرُّ به … فإنّما بات بالأحلام مسرورا

فهل يعي المتحكِّمون في مصائر الشعوب هذا الدرس قبل فوات الأوان؟ وهل يدركون أن العصر القادم هو عصر الشعوب بامتياز، فيقتربون من شعوبهم، ويعدلون في حكمهم، وينقذون أنفسهم وأهليهم وأوطانهم من النهاية المأسوفة، ويتعاونون مع المخلصين من أبناء وطنهم في تحصيل أسباب المجد والارتقاء؟ هذا أملنا، إن يكن عزيزًا فما هو على الله بعزيز.. أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجمع الأمة على كلمة سواء.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية

الحمد لله كثيرًا، والله أكبر كبيرًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جلت نعمُه عن الإحصاء، وأشهد أن محمد عبد الله ورسوله مسك ختام الأنبياء، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ما بقيت الأرض والسماء.

أما بعد، أيها الإخوة الموحدون، علامة قبول أي طاعة من الطاعات أن يصلها صاحبها بطاعة أخرى، وعلامة ردها أن يعقب تلك الطاعة بمعصية، ما أحسن الحسنة بعد السيئة تمحوها! وأحسن منها بعدها الحسنةُ تتلوها، أخرج الترمذي وصححه عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ"، فهل فكرتَ وأنت تودع رمضان بكل ما فيه من روحانيات عالية وإيمانيات سامية، كيف سيكون حالك بعد رمضان من الإقبال على الله والقرب منه؟ أم أنك ستفعل ما اعتاده بعض الغافلين، من طي سجلِّ العمل الصالح بعد رمضان؟ على حد قول القائل:

رمضان ولى هاتها يا ساقي

مشتاقة تسعى إلى مشتاق

قيل لبشر الحافي: إن قومًا يتعبدون ويجتهدون في رمضان، فقال: بئس القوم لا يعرفون لله حقًّا إلا في شهر رمضان!.. إن الصالح الذي يتعبد ويجتهد السنة كلها، وسئل أحد العلماء: أيهما أفضل: رجب أم شعبان؟ فقال: كن ربانيًّا ولا تكن شعبانيًّا، كان النبي صلى الله عليه وسلم عمله ديمة، أخرج الشيخان عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ كَيْفَ كَانَ عَمَلُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ هَلْ كَانَ يَخُصُّ شَيْئًا مِنَ الْأَيَّامِ؟ قَالَتْ: "لَا، كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً، وَأَيُّكُمْ يَسْتَطِيعُ مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَسْتَطِيعُ".

أخرج الشيخان عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَتْ: سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: "أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ" زاد مسلم: وَكَانَتْ عَائِشَةُ إِذَا عَمِلَتِ الْعَمَلَ لَزِمَتْهُ.

إذا كان رمضان قد ولى فإنه قد ترك فينا خوفنا من الله رب العالمين، وقد تدربنا فيه على الصيام وحبس النفس عن الشهوات، وتعلمنا أن نقوم فيه بالليل لله، تدربنا على أن نقول فيه للناس حسنا، وهو ما ينبغي أن نحافظ عليه بعد رمضان، حتى نحقق التقوى التي هي الغاية من تشريع الصيام ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183).

فالعبد المسلم الحقيقي يكون عبدًا ربانيًّا لا عبدًا رمضانيًّا؛ لأن رب رمضان هو رب الشهور كلها، والعاقل يعتبر رمضان مرحلة تدريبية يخرج منها قادرًا على مواجهة الحياة والشهوات والمفاسد ليعش حياته مرضيًا لله رب العالمين.

فيا من وفَّى في رمضان على أحسن حال.. لا تغير في شوال، ويا من أدرك العيد.. عليك بشكر النعم والثناء عليه ولا تنقض غزلاً من بعد قوة وعناء ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (النحل: 92).

وقد شرع لنا النبي صلى الله عليه وسلم صيام ستة أيام من شوال وصيام أيام الإثنين والخميس، وصيام ثلاثة أيام من أوسط كل شهر، وصيام يوم عاشوراء، وغير ذلك من صيام النوافل؛ لنبقى دائمًا على حالة من التواصل مع هذه الطاعة الكريمة وما تربى عليه من أخلاق وآداب.

أيها الإخوة الموحدون..

العيد فرصة لتحسين العلاقات وتسوية النزاعات، وقطع العداوات، وصلة الأرحام، وتقارب القلوب، وزوال الشحناء والغل من الصدور إلى غير رجعة، فيجب أن نتمثل صفة أهل الجنة؛ لنكون من أهلها في الآخرة، فأهل الجنة يقول الله عنهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ (الحجر: 47).

ما أجدرنا اليوم أن نقرأ وننفذ قول الله ﴿خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف:199).. رَوَى ابن أبي حاتم عن سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ مَا هَذَا؟ قَالَ: لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ الْعَالِمَ، ثُمَّ عَادَ جِبْرِيلُ، وَقَالَ: "يَا مُحَمَّدُ، إنَّ رَبَّك يَأْمُرُك أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَك، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ" فتأدَّبَ صلى الله عليه وسلم بهذا؛ فأثنى الله عليه وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (ن: 4).

وما دعوة الإسلام إلى جمع المسلمين في مكان واحد لأداء صلاة العيد إلا توجيهًا عمليًّا لجمعهم على الحق، والتأليف بين قلوبهم على التقوى؛ حتى يحققوا ما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه الشيخان عن النعمان بن بشير رضي الله عنه: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى".

نحن في هذا اليوم أيها الإخوة والأخوات جدير بنا أن نمد أيدينا بالمصافحة، وألسنتنا بالكلام الطيب، وقلوبنا بغسلها من الأضغان والأحقاد والشحناء والبغضاء، وأن يكون العيد فرصةً لصلة المتهاجرين والتقاء المتقاطعين.. إن الرجل الكريم هو من يعفو عن الزلة، ولا يحاسب على الهفوة، ورحم الله من قال:

وإن الذي بيني وبين بني أبي  وبين بني عمي لمختلف جدا

أراهم إلى نصري بطاءً وإن هم   دعوني إلى نصر أتيتهم شدا

إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم  وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا

ولا أحمل الحقد القديم عليهموا  وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا

اللهم إنا نسألك طهارة قلوبنا، وزكاة نفوسنا، وعفة ألسنتنا، وغض أبصارنا، وصون أسماعنا عن كل ما حرمت علينا، ونسألك اللهم إيماناً كاملاً، ويقينًا صادقًا، وقلبًا خاشعًا، ولسانًا ذاكرًا، وطرفًا دامعًا، وتوبة قبل الموت، ومغفرة بعد الموت برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكّس رايات الظالمين والمستبدين، وأرنا فيهم عجائب قدرتك، وعظيم سطوتك، اللهم اجعل الخلف في صفوف الظالمين وأعداء الدين، واقذف الرعب في قلوب الصهاينة الآثمين، والطف بعبادك المؤمنين من المضطهدين والمعذبين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم أغث إخواننا في الصومال غيثًا مغيثًا مريئًا مريعًا جعدًا قططًا، عاجلاً غير آجل، اللهم امسح عبرتهم، وسكّن لوعتهم، وفرّج همهم، ونفّس كربهم، وعجّل فرجهم، ووفّر أمنهم، وزد إيمانهم، وعظّم يقينهم، وابسط رزقهم، وأدرَّ لهم الضرع، وأنبت لهم الزرع، وافتح لهم من بركات السماء، وأخرج لهم من بركات الأرض، ولا تجعلهم من القانطين.

اللهم اجعل لنا وللمسلمين من كل همٍ فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية، واجعل هذا العيد أمنًا وسلامًا وراحة وطمأنينة على المسلمين في كل مكان يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك أن توفقنا بعد رمضان للصالحات، والمواظبة على الطاعات، وعدم الرجوع إلى الغفلة والمعاصي والملهيات، برحمتك يا رب الأرض والسماوات. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

———–

* أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر وعضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

المصدر

هذا المنشور نشر في بين يدى رمضان. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s