نظرات فى القرآن الكريم (من تراث المستشار حسن الهضيبى المرشد الثانى لجماعة الإخوان المسلمين )

8146

مقالات المستشار حسن الهضيبى رحمه الله جمعت فى كتاب الإسلام والداعية والذى نشرته موقع الموسوعة الإخوانية (إخوان ويكى ) تحت عنوان  " عدل الله " كتب المستشار الهضيبى :

نحن في حاجة في هذا الزمان , وفي كل زمان , إلى أن نرجع إلى الله سبحانه وتعالى ونتذكر ما أوصانا به من خير , فلنستزيد منه وما نهانا عنه من شر فنتجنبه , ولقد غشيت هذه الأمة غواشي الظلم و انسدل عليها من محنه وأرزائه ما يجعلنا نستروح نسمات العدل الإلهي في كتب الله , وكيف يكون , لعلى الله يريح نفوسنا , فنلزم طريقه ونعدل عن طريق الفتنة , ولا نتمادى في إتباع الهوى , فقد أضلنا عن سبيل الله .

وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه  ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله .

فعدل الله كامل شامل , لا يختص به فريقا دون فريق , هو عدل يشمل الناس جميعا غنيهم و فقيرهم , قريبهم وبعيدهم , عدوهم وصديقهم , مسلمهم وغير مسلمهم . وقد جعل الله تعالى المرجع في ذلك إلى كتاب الله وسنة رسوله حتى لا تكون فتنة وحتى لا يتبع الناس أهوائهم في سن قوانين يزعمون أن من اتبعها ومن حكم بها فقد عدل . ومن لم يحكم بها فقد جاوز العدل .

قال تعالى : يا أيها الذين امنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم , فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا .

فطاعة الله واجبة , وطاعة رسول الله واجبة , وطاعة أولي الأمر واجبة ما التزموا كتاب الله وسنة رسوله . فإن اختلفنا وجب أن نر د أمورنا إلى الله ورسوله , ولا شك أنا نجد فيهما الحكم المراد : " ما فرطنا في الكتاب من شيء " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون – الفاسقون – الكافرون " . . .

فهذا هو القانون الذي يرجع إليه العادل فيعدله , ومهما التمس العدل في غيره فهو ظالم أو فاسق أو كافر . ولن يقبل الله من أحد أن يرجع إلى غيره وغير رسوله عند التنازع .

وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا .

وقد يحكم الإنسان بحكم الله , ولكن الهوى يدخل على قلبه فيؤثر قريبا أو يحابي صديقا , ويلم بعيدا أو عدوا أو ذميا , فلا يكون متبعا لأمر الله إلا في ظاهر الأمر دون حقيقته , ويكون عمله من التدليس الذي إن خفي على الناس فلا يخفى على الله الذي يعلم السر والنجوى , لذلك كان تحذير الله من مثل ذلك شديدا , تنقل فيه عزل وجل من الأمر بالعدل بصفة عامة إلى التحذير من أسباب الميل التي قد تسوغها الأهواء للنفس الضعيفة التي لا تخالطها بشاشة الإيمان الصادق .

قال تعالى : إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها , وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل , فهذا خطاب للولاة والأمراء والحكام , ويدخل فيه جميع الخلق , ففي الحديث " كلكم راع وكلكم مسئول عن راعيته والرجل راع في أهله ومسئول عن راعيته والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسئولة عنه , والعبد راع في مال سيده وهو مسئول عنه . ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن راعيته "

وقال تعالى " وأقسطوا إن الله يحب المقسطين " .

وفي النهي عن محاباة الأقارب يقول الله عز وجل : " وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا "

ويقول في النهي عن ظلم الأعداء : " يا أيها الذين امنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا . اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون "

ومن أروع الآيات التي نزلت في تحقيق العدالة ما نزل في قصة ابن أبيرق يكشف للرسول عليه السلام عن حقيقة الأمر فيها أو ما دبره الخائنون لصرفه عن الحق حتى كادوا يوقعونه في ظلم بريء لم يستحق إثما , ويسمهم بما هم أهله .

سرق ابن أبيرق درعا لجاره , فأمر رسول الله عليه السلام بقطع يده , ففر وجاء أهله إلى الرسول وزعموا له أنه لم يسرق الدرع إنما الذي سرقها هو فلان اليهودي , وما زالوا به حتى مال إلى قولهم , فأنزل الله هذه الآيات التي تعتبر دستورا لأعظم نوع من العدل الصرف , العدل الذي يشمل الإنسانية كلها , العدل الخالص البريء من الهوى :

" إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما , واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما . ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما . . يستخفون من الناس ولا يستخفون من لله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا . ها أنتهم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا . ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما . ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما . ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا مبينا . . ولو لا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما " إلى أخر هذه الآيات من سورة النساء .

سقنا هذا القرآن لنتدبره ونعرف كيف يكون العدل الذي فرضه الله علينا ونقيس ما نحن عليه بهذا المقياس الرباني , لنعلم أين نحن من ذلك في تفكيرنا وما يجول بخواطرنا , وفي أقوالنا وأفعالنا وفي أنفسنا وأقاربنا ومن نحب ومن نكره , ونعرف مقدار ما أصابنا من خير بحرصنا على الحق والعدل , وما أصابنا من شر ببعدنا عنه والتفريط فيه , فنعود إلى الله ونستغفره ونرجو رحمته .

وليعلم المسلم أنه لا يكون مسلما حقا إلا إذا أصبحت عقيدته جزءا من أخلاقه وسلوكه , فيكون عادلا مع الناس جميعا . ويحذر نوازع الهوى أن تميل به عن هذا العدل مع أقرب الناس إليه , فلا يذكر إخوانه بسوء ولا يغتابهم , ولا يلمزهم , فإن أكثر الشرور إنما تنشأ عن مثل ذلك .

ثم ننظر كذلك في ما يعتبره غيرنا عدلا وهو غير ذلك , فإن هؤلاء لا يعدلون – إذا عدلوا – إلا بين بني جنسهم . أما بينهم وبين غيرهم فالعدل أبعد ما يكون منهم وأمثلة ذلك كثيرة يمكن أن يقرأها الإنسان في كل تصرفاتهم وأحكامهم , حتى يبدو ديننا على حقيقته , ونعلم أن الله أراد ببني الإنسان الخير في إتباعه والاعتداء بهديه والعمل به , وصدق الله العظيم .

" إن هذا القرآن يهدى التي أقوم "

هذا المنشور نشر في من تراث الإخوان المسلمين. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s