قلم التسجيل (نظرات فى كتاب الله للإمام حسن البنا )

 

تراث عظيم الفائدة وتدبر وتأمل عميق المعنى فى آى القرآن الكريم  بقلم: الإمام حسن البنا

﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (49)﴾ (الكهف).

كنت أصحح سورة "ن" أمام سيدنا الشيخ محمد زهران رحمه الله (2)، فوقفت عند الآية الكريمة ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾(القلم: من الآية 17)، وتوجهت إليه بالسؤال فجأة: يا سيدنا الشيخ إنك تقول لنا: إن الجنة دار نعيم ليس فيها غم ولا كدر، ولكن هذه الآية تقول: إن أصحاب الجنة فى بلاء.. فكيف هذا؟

فابتسم الشيخ رحمه الله، وقد كان رجلاً فيه حلم وأناة وظرف وأدب وعلم وفضل، وقال: اسمع يا بني، إن الجنة هنا ليست جنة الآخرة التى وعدها الله عبادة المتقين، ولكنها "جنينة" وحديقة كانت لثلاثة من الإخوة، اعتادو أن يخرجوا من ثمرها كل عام جزءا للفقراء والمحتاجين شكرا لله على نعمته، وكان الله- تبارك وتعالى- يبارك لهم فيها بسبب هذا الشكر، ولكنهم في عام من الأعوام بيتوا أمرهم من الليل، وتناجوا فيما بينهم ألا يسمحوا لمسكين أن يدخلها عليهم، أو ينال من ثمرها شيئًا، وظنوا وهم يتحدثون أنهم فى خلوة خالية لا يحضرهم فيها غيرهم، ولا يسمع حديثهم أحد سواهم، ولكن الله الذى يسمع ويرى، ويعلم السر وأخفى ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (المجادلة: من الآية 7)،

سمع حديثهم، وعلم قصدهم، فعاقبهم على ذلك بأن أرسل على جنتهم صاعقة دمرتها وهم نائمون، فلم تبق فيها ولم تذر، وأصبحوا يتهامسون ﴿فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27)﴾ (القلم)، وتلك يا بني عاقبة الذين يظنون أن الله غافل عما يفعلون، غائب عما يبيتون﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (33)﴾ (القلم).

كان هذا الحديث منذ ثلاثين عاما تقريبا، ولكنى أذكره الآن كأنه وقع بالأمس، ولقد ترك في نفسى أعمق الأثر، وأذكر أني حدقت بين يدى الشيخ وأنا دائم التفكير فى هذه الرقابة الربانية التي فرضها الله على عباده المؤمنين به، وأذكر أن هذا التفكير دفع بي إلى التبصر في كثير من آيات الكتاب الكريم، وتبع هذا المضي فيه، فلم أر إحاطة أعظم ولا رقابة أحكم ولا تسجيلاً أتم مما صور به القرأن الكريم هذه الصلة بين الله والناس.

فالحق – تبارك وتعالى – معهم أينما كانوا ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)﴾ (ق)، ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (61)﴾ (يونس)، فهي رقابة تخترق حجب الضمائر، وتبعد إلى أعماق القلوب والسرائر.

وليس ذلك فحسب، ولكن كل لفظ أو قول أو عمل أو فعل محصى مكتوب مسجل مرقوم ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ (عبس)، ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (52) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ (القمر)، ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)﴾ (ق)، ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً (13)﴾ (الإسراء)، ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (28) هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (29)﴾ (الجاثية)، ﴿ أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80)﴾ (الزخرف).

ولعل من لطائف صور هذا التسجيل ما ورد فى الحديث أن رجلاً قال في بعض أدعيته ومناجاته: " يارب لك الحمد كما ينبغى لجلال وجهك وعظيم سلطانك"، فعضلت بالمكين، فلم يدريا كيف يكتبان ثوابها، فقال الحق  تبارك وتعالى: "اكتباها كما قال عبدى، فإذا لقينى جزيته بما قال" (3) .

ولعل من لطائف صوره كذلك ما ورد من أن "العبد إذا ندم وتاب واستغفر محا الله سيئته، وأنسى جوارحه ما عملت، ومسح آثار معصيته عن مشاهده ومغانيه وأماكنه حتى يلقى الله وليس عليه شاهد بذنب" (4) ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (هود: من الآية 114).

وقد تبدو هذه الصور غريبة مستبعدة أمام أنظار الماديين، الذين لا يؤمنون إلا عن طريق هذا الحس الغليظ، مع أنهم يجاهرون بالإيمان بتسجيل الأصوات والأشكال والأضواء، وبقائها في ضيات الأثير والراديو والهواء مهما تطاولت بها الأزمان، وليس وراء ذلك من دليل أو برهان ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53)﴾ ( فصلت).

فيا أيها القارئ العزيز، إن أقوامًا استشعروا هذه الرقابة، فبلغوا فيها مرتبة الإحسان، وكان أحدهم لا ينطق إلا بما يعلم أنه الخير، ولا يفعل إلا ما يعود بالفائدة، بل إن بعضهم فرض هذه الرقابة على خطوات نفسه كما أحكمها جوارحه وحسه، وكان يردد وهو يعنى ما يقول:

ولو خطرت لى سواك إرادة                  على خاطرى يوما حكمت بردتى (5)

فماذا أنت صانع؟ وليس أضر على النفوس من الغفلة، ولا ضيع للفائدة من التسويف، وقلم التسجيل دقيق لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، والبر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت (6)، ولكل كتابه: كتاب في سجين، وكتاب فى عليين ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24)﴾ (الحاقة: 19-24).

———————

(1) جريدة الإخوان المسلمين اليومية السنة الأولى – العدد 30 – 7 رجب 1365هـ / 7 يونيو 1946م.

(2) الشيخ محمد زهران، هو أول من تتلمذ على يده الإمام البنا، واستمرت فترة تلمذة الإمام البنا على يديه أربع سنوات من سن الثامنة حتى الثانية عشر.

(3) سنن ابن ماجه، كتاب ألأدب، فضا الحامدين: 2/1249 رقم 3801.

(4) قال ابن حجز: قال الدراقطني: هذا باطل، ورواته عن مالك مجهولون.

(5) البيت لابن الفارض عمر بن على.

(6) قال ابن حجر: رجاله ثقات، أخرجه البيهقي في الزهد.

المصدر

هذا المنشور نشر في من تراث الإخوان المسلمين. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s