الجريمة والعقوبات بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعى (نظرات فى موسوعة التشريع الجنائى للشهيد عبد القادر عوده )

img88 

نواصل قراءتنا فى موسوعة التشريع الجنائى فى الإسلام للأستاذ عبد القادر عوده رحمه الله وفى هذا الجزء يبدأ فى توضيح معنى الجريمة والجناية بين التشريع الإسلامى والقانون الوضعى والعقوبات والفارق بين القانون الوضعى والشريعة الإسلامية فيها

تعريف الجريمة:

تعرف الجرائم في الشريعة الإسلامية بأنها محظورات شرعية زجر الله عنها بحد أو تعزير

فالجريمة إذن هي إتيان فعل محرم معاقب على فعله، أو ترك فعل محرم الترك معاقب على تركه، أو هي فعل أو ترك نصت الشريعة على تحريمه والعقاب عليه ويتبين من تعريف الجريمة أن الفعل أو الترك لا يعتبر جريمة إلا إذا تقررت عليه عقوبة

وتتفق الشريعة تمام الاتفاق مع القوانين الوضعية الحديثة في تعريف الجريمة، فهذه القوانين تعرف الجريمة بأنها: إما عمل يحرمه القانون، وإما امتناع عن عمل يقضي به القانون، ولا يعتبر الفعل أو ترك جريمة في نظر القوانين الوضعية إلا إذا كان معاقباً عليه طبقاً للتشريع الجنائي

الجريمة والجناية:

وكثيراً ما يعبر الفقهاء عن الجريمة بلفظ الجناية، والجناية لغة: اسم لما يجنيه المرء من شر وما اكتسبه، تسمية بالمصدر من جنى عليه شراً، وهو عام، إلا انه خص بما يحرم دون غيره. أما في الاصطلاح الفقهي فالجناية: اسم لفعل محرم شرعاً، سواء وقع الفعل على نفس أو مال أو غير ذلك. لكن أكثر الفقهاء تعارفوا على إطلاق لفظ الجناية على الأفعال الواقعة على نفس الإنسان أو أطرافه، وهي القتل والجرح والضرب والإجهاض، بينما يطلق بعضهم لفظ الجناية على جرائم الحدود والقصاص

وإذا غضضنا النظر عما تعارف عليه الفقهاء من إطلاق لفظ الجناية على بعض الجرائم دون البعض الآخر، أمكننا أن نقول: إن لفظ الجناية في الاصطلاح الفقهي مرادف للفظ الجريمة.

ويختلف معنى الجناية الاصطلاحي في القانون المصري عنه في الشريعة.

ففي القانون المصري: يعتبر الفعل جناية إذا كان معاقباً عليه بالإعدام أو الأشغال الشاقة المؤبدة أو الأشغال الشاقة المؤقتة أو السجن، طبقاً للمادة العاشرة من قانون العقوبات المصري، فإذا كان عقوبة الفعل حسبا ًيزيد على أسبوع، أو غرامة تزيد على مائة قرش، فالفعل جنحة، فإن لم يزد الحبس على أسبوع، أو الغرامة عن مائة قرش، فالفعل مخالفة، طبقاً للمادتين 11، 12 من قانون العقوبات المصري.

أما في الشريعة: فكل جريمة هي جناية، سواء عوقب عليها بالحبس والغرامة أم بأشد منهما. وعلى ذلك فالمخالفة القانونية تعتبر جناية في الشريعة، والجنحة تعتبر جناية، والجناية في القانون تعتبر جناية في الشريعة أيضاً.

وأساس الخلاف بين الشريعة والقانون هو أن الجناية في الشريعة تعني الجريمة أياً كانت درجة الفعل من الجسامة، أما الجناية في القانون فتعني الجريمة الجسيمة دون غيرها

الشريعة الإسلامية اعتبرت بعض الأفعال جرائم وعاقبت عليها، لحفظ مصالح الجماعة ولصيانة النظام الذي تقوم عليه الجماعة، ولضمان بقاء الجماعة قوية متضامنة متخلقة بالأخلاق الفاضلة، والله الذي شرع هذه الأحكام وأمر بها لا تضره معصية عاص ولو عصاه أهل الأرض جميعاً، ولا تنفعه طاعة مطيع ولو أطاعه أهل الأرض جميعاً، ولكنه كتب على نفسه الرحمة لعباده، ولم يرسل الرسل إلا رحمة للعالمين، لاستنقاذهم من الجهالة،وإرشادهم من الضلالة، ولكفهم عن المعاصي، وبعثهم على الطاعة

وتتفق الشريعة الإسلامية مع القوانين الوضعية في أن الغرض من تقرير الجرائم والعقاب عليها هو حفظ مصلحة الجماعة، وصيانة نظامها، وضمان بقائها.

ولكن الشريعة –بالرغم من هذا الاتفاق الظاهر- تختلف عن القوانين الوضعية من وجهتين:

الوجه الأول من الخلاف بين الشريعة والقانون:

تعتبر الشريعة الأخلاق الفاضلة أولى الدعائم التي يقوم عليها المجتمع، ولهذا فهي تحرص على حماية الأخلاق وتتشدد في هذه الحماية بحيث تكاد تعاقب على كل الأفعال التي تمس الأخلاق.

أما القوانين الوضعية، فتكاد تهمل المسائل الأخلاقية إهمالاً تاماً، ولا تعني بها إلا إذا أصاب ضررها المباشر الأفراد أو الأمن أو النظام العام،

فلا تعاقب القوانين الوضعية مثلاً على الزنا إلا إذا أكره أحد الطرفين الآخر، أو كان الزنا بغير رضاه رضاء تاماً، لأن الزنا في هاتين الحالتين يمس ضرره المباشر الأفراد كما يمس الأمن العام اما الشريعة فتعاقب على الزنا في كل الأحوال والصور، لأنها تعتبر الزنا جريمة تمي الأخلاق وإذا فسدت الأخلاق فقد فسدت الجماعة وأصابها الانحلال.

وأكثر القوانين الوضعية لا تعاقب على شرب الخمر، ولا تعاقب على السكر لذاته، وإنما تعاقب السكران إذا وجد في الطريق العام في حالة سكر بيِّن، فالعقاب على وجوده في حالة سكر بيِّن في الطريق العام، لأن وجوده في هذه الحال يعرض الناس لأذاه واعتدائه، وليس العقاب على السكر لذاته باعتباره رذيلة، ولا على شرب الخمر باعتبار أن شربها مضر بالصحة، متلف للمال، مفسد للأخلاق.

أما الشريعة فتعاقب على مجرد شرب الخمر ولو لم يسكر منها الشارب؛ لأنها تنظر إلى الجريمة من الوجهة الخلقية التي تتسع- كما نعلم- لشتى المناحي والاعتبارات، فإذا صينت الأخلاق فقد صيبت الصحة والأعراض والأموال والدماء وحفظ الأمن والنظام.

أما الشريعة فتعاقب على مجرد شرب الخمر ولو لم يسكر منها الشارب؛ لأنها تنظر إلى الجريمة من الوجهة الخلفية التي تتسع- كما نعلم- لشتى المناحي والاعتبارات، فإذا صينت الأخلاق فقد صيبت الصحة والأعراض والأموال والدماء وحفظ الأمن والنظام.

والعلة في اهتمام الشريعة بالأخلاق على هذا الوجه، أن الشريعة تقوم على الدين، وأن الدين يأمر بمحاسن الأخلاق، ويحث على الفضائل، ويهدف إلى تكوين الجماعة الصالحة الخيرة، ولما كان الدين لا يقبل التغيير والتبديل، ولا الزيادة والنقص، فمعنى ذلك أن الشريعة سيظل ما بقى الدين الإسلامي حريصة على حماية الأخلاق، آخذة الشدة من يحاول العبث بها.

والعلة في استهانة القوانين الوضعية بالأخلاق، أن هذه القوانين لا تقوم على أساس من الدين، وإنما تقوم على أساس من الواقع وما تعارف الناس عليه من عادات وتقاليد. والقواعد القانونية الوضعية يضعها عادة الأفراد الظاهرون في المجتمع بالاشتراك مع الحكام، وهم يتأثرون حين وضعها بأهوائهم، وضعفهم البشري، ونزعاتهم الطبيعية إلى التحلل من القيود. كذلك فإن هذه القواعد قابلة للتغيير والتبديل بحسب أهواء القائمين على أمر الجماعة. فكان من الطبيعي أن تهمل القوانين الوضعية المسائل الأخلاقية شيئاً فشيئاً، وأن يأتي وقت تصبح فيه الإباحية هي القاعدة والأخلاق الفاضلة هي الاستثناء، ولعل البلاد التي تطبق القوانين الوضعية قد وصلت إلى هذا الحد الآن.

ويترتب على هذا الفرق بين الشريعة والقوانين الوضعية، أن يزيد عدد الأفعال التي تكون الجرائم الأخلاقية، ويتسع مداها في البلاد التي تطبق الشريعة، وأن يرتفع مستوى الأخلاق والقيم الروحية إلى درجاته في هذه البلاد. أما البلاد التي تطبق القوانين الوضعية فإن مستوى الأخلاق فيها ينحط إلى أدنى دركاته، وترتفع القيم المادية بينما تنحط القيم الروحية، وتتفشى الإباحية البهيمية، وتنكمش الإنسانية، وتقل الأفعال التي تعتبر جرائم أخلاقية حتى تكاد تنعدم.

الوجه الثاني من الخلاف بين الشريعة والقانون:

إن مصدر الشريعة الإسلامية هو الله، لأنها تقوم على الدين، والدين من عند الله، أما مصدر القوانين الوضعية فهم البشر الذين يقومون بوضع هذه القوانين. ومن يراجع الجرائم والعقوبات في الشريعة الإسلامية يتبين أن بعض الأفعال قد اعتبرت جرائم، وقررت عقوبتها بنص القرآن، وأن البعض قد اعتبر جريمة أو تقررت عقوبته بفعل الرسول أو قوله، وأن البعض الآخر قد ترك فيه تحديد الفعل المكون للجريمة والعقوبة المقررة لها إلى الهيئة الحاكمة، ولكن لم يترك لهذه الهيئة أن تفعل ما تشاء، بل هي مقيدة في اعتبار الفعل جريمة وفي تقرير العقوبة عليه بقواعد الشريعة العامة وروحها، فليس لها أن تحرم ما أحل الله، ولا أن تحل ما حرمه، ولا أن تعاقب بغير ما أمر به، ولا بما يخالف قواعد الشريعة وروحها العامة، ومن ثم يمكن القول بأن القسم الجنائي في الشريعة كله من عند الله، ولو أن تقرير بعض الجرائم وتحديد عقوبتها من عمل البشر ما داموا يعملون في حدود ما أنزل الله على رسوله.

 

هذا المنشور نشر في دعوى, سلسلة تربوية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s