الخائفون من صندوق الانتخاب

مجلس 

كثرت الأصوات المطالبة فعلا وقولا بتأجيل الانتخابات والحجة الخوف من سيطرة الإخوان والسلفيين حتى فى قانون اختيار قادة عمداء الكليات ورؤساء الجامعات طالبت أصوات تزعم الليبرالية بتأجيلها بل ورفض اختيار العمداء بالانتخابات لنفس السبب

وتعجب عندما نقرأ فى صحيفة الوفد الليبرالية مثل هذا المقال 

وفى وصت هذه الأصوات الناعقة تجد أصوات محترمة ليبرالية مثل الدكتورة منار الشوربجى التى كتبت هذه المقالة فى المصرى اليوم بعنوان الخائفون من صندوق الانتخاب :

أتعجب من قوى ورموز سياسية لا تكف عن إعادة إنتاج الأفكار نفسها، التى تنبع فى جوهرها من الخوف من الديمقراطية! فهناك هذه الأيام بوادر حملة «إعلامية» جديدة فى سبيلها للانطلاق، على غرار حملتى «الدستور أولا» و«المبادئ فوق الدستورية». فقد بدأت الأصوات تعلو بالفعل تدعو هذه المرة لتأجيل الانتخابات البرلمانية، مرة بدعوى أن الانفلات الأمنى سيحولها لمعارك دموية، ومرة بدعوى أن الانتخابات فى ظل الوضع الحالى ستعيد الحزب الوطنى لمقاعد البرلمان ومعه التيار الدينى.

وما يجمع بين الحملات الثلاث هو أنها قامت على الخوف مما سيأتى به صندوق الانتخاب. «فالدستور أولا» و«فوق الدستورية» كانتا عبارة عن إيجاد آليات تجعل الإرادة الشعبية دوما تحت سيطرة النخبة، والآن تمت إعادة إنتاج الفكرة ذاتها ولكن عبر تأجيل صوت الإرادة الشعبية أصلا!

ومن طرائف الفكرة هذه المرة أن الانفلات الأمنى لم يكن أبدا على قمة أولويات الذين ينادون اليوم بتأجيل الانتخابات بسببه. فلم تصدر النخبة وثيقة واحدة تعتبره المطلب الأول، ولا خصصت مؤتمراتها وبياناتها للضغط لمواجهته كما فعلت مع قضايا أخرى. فإذا بقدرة قادر يصبح «الأمن أولا» بالضبط كما كان «الدستور أولا»!

أما حكاية استيلاء الإسلاميين والحزب الوطنى على مقاعد البرلمان، فرغم أننى كنت قد قدمت فى هذا المكان اجتهادا مغايرا بشأن فرص تحقق ذلك الاحتمال أصلا، فسأفترض أنه الاحتمال الأقوى فعلا. هل الحل عندئذ تأجيل الانتخابات وحجز مصر فى الثلاجة، أم العمل الجاد بين الناس بالأمس، وليس اليوم لمواجهة هذا البديل؟ وما الفارق بين ما كان يفعله نظام مبارك وبين تجميد مصر وفق فزاعة جديدة؟ ومتى يا ترى سيختفى شبح الحزب الوطنى والإسلاميين حتى يتم فك أسر بلادى؟

لكن دعنى، عزيزى القارئ، أتخيل معك السيناريو الأكثر قتامة، أى وصول أكثر الإسلاميين تطرفا للحكم. هل تصدق فعلا أن بإمكان أحد فى مصر اليوم أن يختطف الحكم كما كان يحدث فى الماضى؟ هل أنت مقتنع فعلا بأن شيئا لم يتغير بقيام الثورة، وأن الملايين التى كسرت حاجز الخوف، واستبسلت دفاعا عن كرامتها وحريتها ستقبل الاستبداد من جديد أيا كان نوعه؟ وهل تتصور فعلا أن مصر ذات المزاج المعتدل طوال تاريخها كأفغانستان يمكن أن يختطفها بعض المتطرفين، ويعودوا بها للعصور الوسطى، بينما المصريون جميعا خارج نطاق الخدمة؟!

الأعجب من هذا كله أن أكثر المنتقدين لأداء المجلس العسكرى حدة هم أنفسهم الذين يطالبونه بالبقاء فى السلطة وتأجيل الانتخابات! والحقيقة أننى لم أسمع فى حياتى عن عسكر أعلنوا أنهم يريدون تسليم السلطة للمدنيين فيقول لهم المدنيون «لا، خليكم شويه» كما يحدث عندنا! ولا يقولن أحد إنه يطلب تأجيل الانتخابات وتسليم السلطة لمجلس مدنى، فتلك هى الأخرى فكرة سلطوية بامتياز، لأن المجلس المذكور لن يختاره الشعب، إلا إذا كان المقصود أن ننتخبه، بينما الانتخابات مطلوب تأجيلها أصلا، لأن «الأمن أولا»!

ومخاطر تأجيل الانتخابات لا حصر لها، أولها وأخطرها تسييس المؤسسة العسكرية، وهذا التسييس هو الكارثة الأخطر على الإطلاق على مستقبل بلادى. فلو كان جيشنا العظيم مسيسا وقت الثورة لشهدنا خرابا كالذى شهدته ليبيا وسوريا واليمن، والذين يطالبون الجيش بأن يكون ضامنا للدستور لأنهم يخافون من صندوق الانتخاب يزرعون لغما فى أرض مصر سينفجر فى وجوههم قبل غيرهم.

وأنا لم أفهم على الإطلاق كيف يطالب رمز سياسى بقدر الدكتور البرادعى ليس فقط بمد الفترة الانتقالية عامين، وإنما أيضا بتغيير عقيدة الجيش بل وبإجراء الانتخابات بالقائمة الموحدة. فتغيير عقيدة الجيش لتضم إلى جانب الدفاع عن أمن مصر «مكافحة الإرهاب» هو التسييس بعينه. أما القائمة الموحدة فهى فكرة لا ديمقراطية بامتياز تعيد مصر إلى عصر الاستفتاءات ولكن هذه المرة على كل مقاعد البرلمان بدلا من الاستفتاء على الرئاسة وحدها!.

لكن تأجيل الانتخابات يضر بالأمن القومى المصرى ذاته، فهو يؤجل عودة الجيش بكامل طاقته لمهمته الرئيسية فى حماية مصر فى وقت تتفاقم فيه الأوضاع على حدودنا كلها، ثم إن العالم لن ينتظرنا طويلا، والدليل ما تفعله إسرائيل، فهى تطالب بحوار «استراتيجى» مع مصر يتم خلاله الاتفاق على تعديل بعض بنود اتفاق السلام، وإسرائيل لديها حزمة تعديلات بالغة الخطورة والصفاقة تريد إقحامها، وهى تقول صراحة إنها تريد إتمام ذلك قبل الانتخابات عندنا، أى قبل أن تأتى سلطة منتخبة تعبر عن نبض المصريين.

وإذا كان ليس من حق أحد التفاوض باسمنا فى مرحلة انتقالية، وإذا كان المجلس العسكرى نفسه رفض فيما سبق اتخاذ قرارات خارجية تقيد السلطة المنتخبة القادمة، فالأولى أن نعجل بالانتخابات لا نؤجلها.

لقد ضيعت نخبتنا شهورا طويلة فى الخوف من صندوق الانتخاب، وهى شهور كان من الممكن أن تكرسها لمهام محددة تنقل مصر لبر الأمان، أولاها الوفاق الوطنى، وثانيتها إعطاء الأولوية القصوى للضغط بكل قوة لاستعادة الأمن، ولإصدار قانون انتخابى عادل يقوم على القوائم النسبية فى كل الدوائر. وثالثتها والأهم على الإطلاق النزول للناس فى كل مكان بعد صياغة خطاب سياسى ذكى يربط بين مصالحهم، وأفكار النخبة أيا كانت توجهاتها. أما وأن أيا من ذلك لم يحدث، فإن مصر لم تعد تملك ترف تجميد أمنها القومى وحجز مستقبلها، لأن نخبتها تخاف من الديمقراطية.

هذا المنشور نشر في الثورة المصرية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s