بلال فضل يكتب : جمعة تصبيع المسار!

 

إذا كنت تعتقد أن ما حدث يوم الجمعة الماضى كان مليونية ثورية أو كان مليونية أصلا، فلا تضيع وقتك بقراءة هذا المقال لأنه يرتكب جريمة نكراء هى إبداء رأى مختلف فى تصرفات بعض من يرغبون فى احتكار الحديث باسم ثورة شارك فيها الملايين ولم يفوضوا أحدا للحديث باسمهم.

إذا كنت قد سمعت طراطيش كلام عما كتبته على حسابى فى موقع «تويتر» يوم الجمعة الماضى، فدعنى أؤكد لك أن ما سمعته صحيح، نعم أنا الذى ارتكبت جريمة انتقاد شتيمة أمهات ضباط الداخلية وجنودها والتصبيع الجماعى لها فى قلب الشارع والتبول على مقرها، ماذا أفعل يا سيدى؟ فأنا ما زلت واقعا فى غرام الثورة السلمية المتحضرة التى شاركت فيها 18 يوما لم أسمع فيها كلمة شتيمة واحدة بحق أم مبارك، ولا شاهدت إصبعا أوسط مرفوعا فى قلب التحرير، كان الثوار يتعرضون للموت وهم يهتفون باسم مصر ويطالبون بالعيش والحرية والكرامة الإنسانية. إذا كنت تعرفنى ولو حتى طشاش، فأنت تعلم أننى لست من أهل الصلاح والتقوى وفىّ العبر كلها، لكن إذا كنت وأنا كذلك شعرت أن شتيمة الأعضاء الحميمة للأمهات والتصبيع والتبول أمر لن يقدم هذا الوطن خطوة إلى الأمام، فكيف سيكون الحال بملايين الناس الذين يفترض أن الثورة تريد أن تجتذبهم إلى صفها بدلا من أن تنفرهم منها؟

إذا كنت من الذين يعتقدون أن قيام الضباط بشتيمة أمهات الناس يبرر شتيمة أمهاتهم، فدعنى أقل لك إن مفهومنا عن الثورة ليس واحدا، لأن الثورة بالنسبة لى ليست فعل انتقام يخرج فيه الناس لكى يردوا لأعدائه وساخاتهم، أنا أؤمن أنك إذا فرحت بفعل غير أخلاقى، فالحياة سلف ودين وسينقلب ذلك الفعل غير الأخلاقى ضدك، أؤمن أن الذى يفرح بشارع منفلت سينقلب عليه الشارع يوما ما ولن يغضب أحد من أجله، أؤمن أن الثورة المصرية التى ابتدعت مظاهر احتجاج فى غاية العبقرية اندهش لها العالم وصفق من أجلها من الخطورة أن تلجأ للاستسهال، لأن شتيمة أعضاء الأم والتبول والتصبيع مجرد استسهال مثل التكفير والتخوين بالضبط.

لم تتلبسنى روح غاندى، ليتها فعلت والله، لكننى كنت أتمنى أن يتخذ شباب الألتراس من الجمعة الماضية فرصة لكى يفهمهم الناس جيدا، كنت أتمنى أن يستغلوا الفرصة لشرح معاناتهم من الداخلية طوال السنين الماضية، لكنهم اختاروا الأسهل، والعيب ليس عليهم فهذه طريقتهم المعتادة، العيب على من صفق لهم واعتبر أن ما فعلوه أمر ثورى بامتياز، والنتيجة التى أتمنى أن يواجهها البعض بشجاعة هى أن المطالب العظيمة التى رفعتها جمعة تصحيح المسار لم يتبق منها فى أذهان الناس شىء، وأنك عندما فتحت الباب للمزايدات على الثورة، قلبت الليلة بغم فى نهايتها أمام وداخل السفارة الإسرائيلية، بالمناسبة إذا كنت تعتقد أن ما حدث هناك أمر عظيم ورائع فأنت أيضا تضيع وقتك مع شخص يعتقد أن هناك طرقا أكثر صعوبة ونجاعة لهزيمة إسرائيل هزيمة حقيقية بعيدا عن إدمان المخدرات السياسية.

أريد أن أفهم بالعقل، والعقل أصبح هذه الأيام كلمة تضايق بعض الثوار، كيف أطلب من وزارة الداخلية أن تحمى الناس وتقوم بواجبها وأنا أفرح بتوجيه الشتائم والإهانات لأفرادها، أليس المواطن البسيط هو الذى سيدفع الثمن فى النهاية؟ ألم يكن الأجدى بنا بدلا من شتيمة الأمهات والتصبيع والتبول أن نركز على تطهير الداخلية من الفساد والعفن والتعذيب وإهانة كرامة الإنسان، ما أعرفه أن تطهير الداخلية لن يتحقق بزفارة اللسان، سيتحقق بسيف القانون الذى يوضع على رقاب الكل، إذا كنت سأفرح بأغنية ترى أن أى ضابط شرطة فاشل وجاب خمسين فى المية، كيف أريده أن يحمينى فى نفس الوقت؟ هل قضيتى هى إهانة فئة بأكملها من البشر أم القضاء على تقصير وتجاوزات هذه الفئة، إذا كانت قضيتى هى الأولى، فمبروك لأنكم أيها الهتيفة المصبعون فكاكو الزنقات نجحتم بامتياز، لكن إهاناتكم طرطشت على ثوب الثورة وانزلوا إلى الشارع لتدركوا هذه الحقيقة التى تتعامون عنها، أما إذا كانت قضيتكم هى التطهير والإصلاح فقد كانت صورة خالد سعيد المثيرة للشجن والحزن والغضب النبيل تكفى وهى مصحوبة بشعار يزلزل الأرض ويذكر بما مضى، وما يجب أن لا يظل أبدا «لفق لفق فى القضية.. هى دى عادة الداخلية».

إذا كنت تريد أن تبدو الآن أكثر ثورية منى وتحدثنى عن جرائم الداخلية فى عهد مبارك، فأنت تحدث شخصا يعرف عنها الكثير وكتبه وناقشه فى أيام لم يكن الكلام رخيصا كهذه الأيام، ولن أعتبر ذلك شجاعة أبدا فقد كنت أؤدى واجبى، أنا يا سيدى مع احترامى لثوريتك، لن أدخل فى مزادات ثورية لكى أقامر ببلدى، أنا أريد قانونا يحترم الكل وينزل على رقبة الضابط والناشط فى نفس اللحظة، أطلب الكرامة الإنسانية لأم الضابط مثلما أطلبها لأم الشهيد، لن أنسى للداخلية أنها سعت إلى قتلى أنا وملايين المصريين فى جمعة الغضب وما قبلها، لكننى لن أسمح لمشاعر الانتقام بأن تسكننى إلى الأبد، سأطالب بالتطهير والمحاسبة، لأن ذلك وحده هو طريق النجاة من دخول البلاد فى متاهة تعيد فرض الطغيان كبديل.

وإذا كنت تريد الاستفادة من «الكورة» فى الثورة، كان الأولى أن تتذكر أن من يلعب بنفس التكتيك على طول ويخسر لديه مشكلة كبيرة لا بد أن يواجهها، إذا كنت مهتما حقا بالجماهير فعليك أن ترى أن مشكلتك ليست مع رأيى الذى يعصبك، المشكلة الحقيقية هى فى غياب ملايين الجماهير التى كانت ملتفة حول الثورة فى أيامها الصعبة، تلك الملايين التى لم تخف من جبروت مبارك، ولا تقنعنى أنها الآن باتت تخاف من بطش المجلس العسكرى، وكان ينبغى أن نضاعف أعداد هؤلاء بدلا من خسارتهم، فما الذى حدث إذن؟ وما الحل؟

كتبت كثيرا عما حدث وعن الحل، ولن أكرر كلامى هنا، فقط أضيف إليه اليوم أنه للأسف تم استدراج كثير من الشباب إلى معركة جوفاء يظهر فيها أن ثوار تصحيح المسار منفلتون راغبون فى الهدم ولا كبير لهم، وأعتقد أن حكم العسكر هو المستفيد الوحيد إذا كنت حقا مشغولا بإنهائه، لكننى فى نهاية المطاف لست من الذين يظنون أن كل ما جرى له علاقة بالثورة المصرية التى لن يتوج نجاحها سوى الانتخابات، لأن الثورة لا تتحدث باسمها أقلية عالية الصوت، بل يتحدث باسمها الملايين الثائرة التى أسقطت مبارك ونظامه دون شتيمة الأم أو التصبيع أو التبول الجماعى، الملايين التى هتفت تطالب المصرى بأن يرفع رأسه لا أن يرفع إصبعه الأوسط.

About these ads
This entry was posted in مقالات, الثورة المصرية. Bookmark the permalink.

رد واحد على بلال فضل يكتب : جمعة تصبيع المسار!

  1. يقول Ibrahim Naggar:

    السلام عليكم و رحمة الله
    أعجبني المقال و لي تعليق في بعض نقاط:
    1-المتهم الحقيقي و المتورط في أحداث 9/9 هم من نظموها ، و علي رأسهم الجمعية الموصوفة بالوطنية-و أقول الموصوفة بالوطنية لأن الحدث يدل عل عكس ذلك- و حركة 6أبريل لأن المنظم قبل أن ينظم لا بد أن يقرأ الواقع و مناسبته و يدرك حجم المعوقات و التحديات و لا يغمض عينه عن المتربصين -خاصة أنه يحشد بشر و ليس بقر- فقد اساءوا إلي أنفسهم و بلادهم و مسيرة الثورة إساءة بالغة بما حدث.
    2-الأولي بدلا من إلقاء التهم زورا في كل مكان- فمرة اتهام فلول الحزب و رجال جمال مبارك و مرة اتهام السعودية -كان الأجدر وقفة صدق مع النفس للإعتراف بالخطأ و الإعتذار للشعب المصري و اتخاذ القرار بوقف التجمعات حتي نفوت الفرصة علي الفلول و المتربصين و حتي نضع المجلس العسكري علي المحك ليتم برنامج تسليم السلطة، إلا إذا كان الغرض إزكاء مزيد من الفوضي كنوع من الفخوخ الناعمة للمجلس العسكري بحيث يُضطر مع تتابع الأحداث أن يؤجل الإنتخابات و بهذا يكون قد وقع في الفخ حيث سيُتَهم ساعتها بالتهمة الجاهزة بأنه لا يريد تسليم السلطة و بالتالي يتم حشد الشعب لمطالبة المجلس العسكري بتسليم السلطة فوراً الآن الآن لمجلس رئاسي من النخبة، و بهذا يكون قد تم ضرب عصفورين بحجر واحد هما إقصاء الإسلاميين عن المشهد و تكوين لجنة إعداد الدستور من النخب بدون إنتخابات بطريقة سلق البيض، و سيرددون ساعتها أن البلد منهارة و نحتاج أن نقف علي أقدامنا و يكفينا ما ضاع من الوقت و هكذا، هذا العصفور الأول أما العصفور الثاني فهو احتمال المطالبة بالمجلس الرئاسي تؤدي إلي تفاقم التذمر داخل الجيش فيتفكك الجيش و هو المطلوب كحلم إسرائيلي و هدف أمريكي لتنعم إسرائيل بكيانات هشة و يتبدد آخر ركن يمثل الدولة و يصبح التقسيم لمصر مسألة وقت، الشعب يريد معرفة الحقيقة و إذا حاول البعض إخفاؤها فسوف تتكلم الأحداث بغير لسان و تتكشف الحقائق أمام الشعب.
    3-إتهام فلول النظام و جمال مبارك و رجال العادلي هو في الحقيقة لا يعني إلا واحد من احتمالين: الأول أنه إعتراف صريح بسذاجة المنظمين بحيث يستخدمهم جمال من السجن و يورطهم بالريموت و في هذه الحالة لا بد أن يقفوا مع النفس ليقرروا الإختفاء من المشهد و التنظيم و الجعجعة لأنها ستؤدي وفقاً لهذه التصرفات الساذجة و الفهم السكحي لخراب البلاد لا قدر الله، الإحتمال الثاني وجود إتفاق في الهدف لإشاعة الفوضي-و هي البديل لحكم مبارك علي حد قوله- و قد تؤدي إلي مجلس رئاسي أو تفكيك الجيش.
    4-المجلس العسكري الذي نعتز به و بقادته الذين استخدمهم الله و ربط علي قلوبهم لحفظ هذا البلد و نسأل الله أن يثبتهم ليكملوا المهمة الوطنية ببحرفية تجعل يوم انتقال السلطة لحكومة منتخبة عيداً مشهوداً يستحقه هذا الشعب ، هذا المجلس مطالب وطنياً أن يبدأ إجراءات لمصداقة الأداء أهمها إعلان شرط منع ترشح كل من تقلد منصباً في الحزب الوطني بكل دوائره و هياكله في الإنتخابات البرلمانية.
    5-للأسف المستفيد الوحيد مما حدث هو إسراءيل فقد أريقت أغلي دماء لأكثر من ألف من شبابنا بالإضافة إلي 9 قتلي، ساهمت إسرائيل بقتل 6 منهم و نحن بما حدث قمنا بالباقي، فهل البطولة إحداث النكاية في العدو أم الإنتحار؟
    معذرة فالقلب يعتصر ألماً ، و لا حول و لا قوة إلا بالله, و الله غالب علي أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون.
    اللهم احفظ مصر و اجعلها في أمنك و أمانك يا رب العالمين، اللهم من أراد مصر بخير فاجعل عز مصر علي يديه و من أراد مصر بسوء فرد كيده في نحره و أشغله بنفسه و أرنا فيه عجائب نقمتك و آية قهرك علي الملأ يا ذا الجلال و العظمة و الإكرام يا عزيز يا حكيم، اللهم آمين

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s