أنواع الجرائم بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعى –2 (نظرات فى موسوعة التشريع الجنائى للشهيد عبد القادر عوده )

2447

نواصل تقسيم الجرائم فى الشريعة الإسلامية والقانون الوضعى والفارق بينهما من موسوعة التشريع الجنائى فى الإسلام للشهيد عبد القادر عوده :

تنقسم الجرائم بحسب قصد الجاني إلى جرائم مقصودة وجرائم غير مقصودة:

(أ) الجرائم المقصودة:

هي التي يتعمد الجاني فيها إتيان الفعل المحرم وهو عالم بأنه محرم، وهذا هو المعنى العام للعمد في الجرائم المقصودة أو الجرائم العمدية.

وللعمد معنى خاص في القتل، وهو تعمد الفعل المحرم وتعمد نتيجته، فإن تعمد الجاني الفعل دون نتيجة كان الفعل قتلاً شبه عمد، وهو ما يسمى في القوانين الوضعية بـ "الضرب المفضي إلى الموت".

(ب) الجرائم غير المقصودة:

هي التي لا ينتوي فيها الجاني إتيان الفعل المحرم ولكن يقع الفعل المحرم نتيجة خطأ منه، والخطأ على نوعين

النوع الأول: هو ما يقصد فيه الجاني الفعل الذي أدى للجريمة ولا يقصد الجريمة ولكنه مع ذلك يخطئ: إما في نفس الفعل كمن يرمي حجراً ليتخلص منه فيصيب أحد المارة، أو يرمي صيداً فيخطئه ويصيب آدمياً. وإما أن يكون الخطأ في ظنه كمن يرمي ما يظنه حيواناً فإذا هو إنسان، أو يرمي من يظنه جندياً من جنود الأعداء فإذا هو أحد الوطنيين. ففي هذه الحالات يقصد الجاني الفعل ولا يقصد الجريمة، ولكن خطأه في فعله أو ظنه يؤدي إلى وقوع الجريمة.

النوع الثاني: هو ما لا يقصد فيه الجاني الفعل ولا الجريمة، ولكن يقع الفعل نتيجة لإهماله أو عدم احتياطه، كمن ينقلب وهو نائم على آخر بجواره فيقتله، وكمن يحفر بئراً في طريق ولا يتخذ احتياطاته لمنع سقوط المارة فيه.

تظهر أهمية تقسيم الجرائم إلى مقصودة وغير مقصودة من وجهين:

أولهما: أن الجريمة المقصودة تدل على روح إجرامية لدى الجاني، أما غير المقصودة فليس فيها ما يدل على ميل الفاعل للإجرام، ومن ثم كانت عقوبة الجريمة المقصودة شديدة وعقوبة الجريمة غير المقصودة خفيفة.

ثانيهما: يمتنع العقاب على الجريمة المقصودة إذا لم يتوفر ركن العمد، أما الجريمة غير المقصودة فيعاقب عليها لمجرد الإهمال أو عدم التثبت وتعرف القوانين الوضعية هذا التقسيم، وهي تتفق مع الشريعة في موضوعه ونتائجه.

 

تنقسم الجرائم بحسب وقت كشفها إلى جرائم متلبس بها وجرائم لا تلبس فيها.

الجريمة المتلبس بها:

هي الجريمة التي تكشف وقت ارتكابها، أو عقب ذلك ببرهة يسيرة. وقد عرف قانون "تحقيق الجنايات المصري" التلبس في المادة الثامنة بأن مشاهدة الجاني متلبساً بالجناية هي رؤيته حال ارتكابها أو عقب ارتكابها ببرهة يسيرة، ويعتبر أيضاً أن الجاني شوهد متلبساً بالجناية إذا تبعه من وقعت عليه الجناية عقب وقوعها منه بزمن قريب، أو تبعته العامة مع الصياح، أو وجد في ذلك الزمن حاملاً لآلات أو أسلحة أو أمتعة أو أوراقاً أو أشياء أخرى يستدل منها على أنه مرتكب الجناية أو مشارك في فعلها.

والجريمة التي لا تلبس فيها:

هي التي لا تكشف وقت ارتكابها، أو التي يمضي بين ارتكابها وكشفها زمن غير يسير.

والمعروف لدى فقهاء الشريعة أن التلبس هو كشف الجريمة وقت ارتكابها، ولكن ليس في الشريعة ما يمنع من اعتبار حالة التلبس طبقاً لوجهة "القانون المصري"، خصوصاً وأن المقصود من اعتبار هذه الحالة قائمة هو تسهيل الإجراءات لكشف الحقيقة.

أهمية هذا التقسيم: تظهر أهمية هذا التقسيم في الشريعة من وجهين:

أولهما: من حيث الإثبات: إذا كانت الجريمة من جرائم الحدود وكان الدليل عليها هو شهادة الشهود؛ فيجب أن يكون الشهود قد شهدوا بأنفسهم الحادث وقت وقوعه، ورأوا الجاني وهو يرتكب الجريمة، ويجيز الإمام مالك أن يكون الشهود سماعيين ينقلون عمن شهدوا الحادث، ولا يجيز هذا باقي الأئمة

ثانيهما: من حيث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: إذ شوهد الجاني وهو يرتكب الجناية كان لأي شخص أن يمنعه بالقوة عن ارتكاب الجريمة، وأن يستعمل القوة اللازمة لمنعه، سواء كانت الجريمة اعتداء على حقوق الأفراد كالسرقة، أو اعتداء على حقوق الجماعة كشرب الخمر و الزنا، وهذا ما يسمى بـ "حق الدفاع الشرعي العام".

تقسيم الجرائم بحسب طريقة ارتكابها جرائم إيجابية- وجرائم سلبية

تنقسم الجرائم إلى إيجابية وسلبية: بحسب ما إذا كان الفعل قد ارتكب بطريق الإيجاب أو السلب، أو بحسب ما إذا كان الفعل مأموراً به أو منهياً عنه.

والجريمة الإيجابية: تتكون من إتيان فعل منهي عنه كالسرقة و الزنا والضرب.

والجريمة السلبية: تتكون من الامتناع عن إتيان فعل مأمور به، كامتناع الشاهد عن أداء الشهادة والامتناع عن إخراج الزكاة. وأكثر الجرائم إيجابية وأقلها الجرائم السلبية.

الجريمة الإيجابية تقع بطريق السلب: ومن المتفق عليه بين الفقهاء أن الجريمة الإيجابية قد تقع بطريق السلب، فإذا وقعت على هذا الوجه استحق فاعلها العقوبة، فمن حبس إنساناً ومنعه الطعام أو الشراب أو الدفء في الليالي الباردة حتى مات جوعاً أو عطشاً أو برداً فهو قاتل عمداً إن قصد بالمنع قتله، وذلك ما يراه مالك والشافعي وأحمد أما أبو حنيفة فلا يرى الفعل قتلاً، لأن الهلاك حصل بالجوع والعطش والبرد ولم يحصل بالحبس، ولا صنع لأحد في الجوع والعطش والبرد، ولكن أبا يوسف ومحمداً يريان الفعل قتلاً عمداً، لأنه لا بقاء لآدمي إلا بالأكل والشرب والدفء. فالمنع عند استيلاء الجوع والعطش والبرد على الممنوع يكون إهلاكاً له.

والأم التي تمنع ولدها الرضاع قاصدة قتله تعتبر قاتلة عمداً، ولو أنها لم تأت بعمل إيجابي

ومن منع فضل مائه مسافراً، عالماً بأنه لا يحل له منعه، وأنه يموت إن لم يسقه، اعتبر قاتلاً له عمداً وإن لم يَلِ قتله بيده، وهو رأي في مذهب مالك

ويرى بعض فقهاء مذهب أحمد أنه قتل شبه عمد

وإذا حضر نساء ولادة فقطعت إحداهن الحبل السُّري ولم تربطه بعد قطعه متعمدة الامتناع عن ربطه فمات الوليد بسبب ذلك فهي قاتلة له، ومن الممكن أعتبار بقية الحاضرات قاتلات إذا لم يرون أيضاً ربط الحبل السري، لأن القطع غير مهلك في ذاته، وإنما المهلك ترك الربط، ولما كن جميعاً قد تعمدن ترك الربط فالهلاك ينسب إليهن جميعاً

متى يعتبر الممتنع مسئولاً؟: والظاهر من تتبع أمثلة الفقهاء أن الممتنع لا يعتبر مسئولاً عن كل جريمة ترتبت على امتناعه، وإنما يسأل فقط حيث يجب عليه شرعاً أو عرفاً أن لا يمتنع. وإذا كان هذا هو القاعدة فهناك اختلاف على ما يوجبه الشرع والعرف، ومن الطبيعي أن يكون هذا الخلاف ما دامت وجهات النظر مختلفة، فمثلاً: يرى بعض الحنابلة أن من أمكنه إنجاء آدمي من هلكة كماء ونار أو سبع فلم يفعل حتى هلك فلا مسئولية عليه، ويرى بعض الحنابلة أنه مسئول وأساس هذا الخلاف هو: هل الإنجاء واجب أم غير واجب؟ ومن هذا القبيل المثل الذي ضربناه عن منع الماء.

واتجاه فقهاء الشريعة في القتل بالترك هو نفس الاتجاه الذي سار عليه أغلب شراح القوانين الوضعية ابتداء من القرن التاسع عشر، أما قبل ذلك فقد كانت غالبية الشراح ترى أنه لا يمكن إحداث الجريمة بالترك، لأن الترك عدم ولا ينشأ عن العدم وجود، وكانت أقلية الشراح ترى أن الترك يصلح سبباً للجريمة كالفعل تماماً، لأن كليهما يرجع إلى إرادة الإنسان،

وقد انتهت الغالبية إلى التسليم بأن الترك يصلح سبباً للجريمة، ولكنهم لم يأخذوا بهذا المبدأ على إطلاقه، وقيدوه بأن يكون الشخص مكلفاً في الأصل بالعمل، وأن يكون الامتناع أو الترك مخالفة لهذا التكليف، ويستوي عندهم أن يكون مصدر التكليف بالعمل القانون أو الاتفاق. ومن الأمثلة التي يضربها شراح القوانين على القتل بالترك: حبس شخص دون حق ومنع الطعام عنه بقصد قتله، وامتناع الأم عمداً عن إرضاع ولدها بقصد قتله. ويضربون مثلاً على الحالة التي لا مسئولية فيها: الامتناع عن إنقاذ مشرف على الغرق، أو إنسان أحاطت به النار، أو أقدم على افتراسه سبع. والأمثلة في الحالين تكاد تكون نفس الأمثلة التي يضربها فقهاء الشريعة الإسلامية.

 الفرق بين الشريعة والقانون: ويلاحظ أن اشتراط شراح القوانين أن يكون العمل واجباً بمقتضى القانون أو الاتفاق يساوي تماماً ما يشترطه فقهاء الشريعة من أن يكون العمل واجباً بمقتضى الشريعة، لأن الشريعة توجب الوفاء بالعقود والاتفاقات طبقاً لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1]، فمن كان عليه واجب طبقاً لاتفاق فهو واجب أيضاً طبقاً للشريعة ما دام لا يخرج على نصوصها أو روحها فالشريعة والقانون يتفقان تماماً في هذه النقطة.

ولكن الشريعة تخالف القوانين الوضعية في أنها تجعل الجاني مسئولاً عن الترك والامتناع إذا كان العرف يوجب على الشخص أن يعمل ولا يمتنع، ولا شك أن الشريعة منطقية في هذا التوسع، لأن الشرائع والقوانين جميعاً بل واتفاقات الأفراد تفترض أن ما يفرضه العرف يجب اتباعه، ولا معنى لأن ينص في الاتفاقات على واجبات مقررة بمقتضى العرف ومتعارف عليها من الجميع، فإذا سئل الشخص عن واجب يفرضه اتفاق دولي فأولى به أن يسأل عن واجب يفرضه العرف ويعترف به الناس دون حاجة لاتفاق أو إثبات.

وتمتاز الشريعة الإسلامية على القوانين الوضعية بأنها عرفت هذه النظرية من القرن السابع، بينما لم تبدأ القوانين الوضعية بمعرفتها إلا في القرن التاسع عشر، فكأن القوانين لم تجئ إلا بما سبقتها إليه الشريعة.

 

هذا المنشور نشر في دعوى, سلسلة تربوية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s