حتى لا نعود إلى مارس 1954

مجلس

مقالة معتز بالله عبد الفتاح فى الشروق :

العبارات التالية، بدأت أزمة مارس 1954 التى انحرفت بثورة 1952 من الديمقراطية إلى التسلطية:

«السادة أعضاء مجلس قيادة الثورة.. بعد تقديم وافر الاحترام، يحزننى أن أعلن لأسباب لا يمكننى أن أذكرها الآن أننى لا يمكن أن أتحمل من الآن مسئوليتى فى الحكم بالصورة المناسبة التى ترتضيها المصالح القومية.. ولذلك فإننى أطلب قبول استقالتى من المهام التى أشغلها، وإننى إذ أشكركم على تعاونكم معى أسأل الله القدير أن يوفقنا إلى خدمة بلدنا بروح التعاون والأخوة.»

كانت هذه استقالة محمد نجيب فى 22 فبراير 1954. وفى 25 فبراير أصدر مجلس قيادة الثورة بيان إقالة محمد نجيب الذى انتقص بوضوح من الرجل ومن دوره.

ولكن جماهير مصر احتجت على الاستقالة وعلى بيان الإقالة، وانهالت البرقيات على المجلس ودور الصحف ترفض الاستقالة. واندلعت المظاهرات التلقائية فى القاهرة والأقاليم لمدة ثلاثة أيام تؤيد نجيب وكانت الجماهير تهتف (محمد نجيب أو الثورة) وفى السودان اندلعت مظاهرات جارفة تهتف (لا وحدة بلا نجيب)، وانقسم الجيش بين مؤيد لعودة اللواء محمد نجيب وإقرار الحياة النيابية وبين المناصرين لمجلس قيادة الثورة.

وكان سلاح الفرسان أكثر أسلحة الجيش تعاطفا مع محمد نجيب، وتداركا للموقف أصدر مجلس قيادة الثورة بيانا فى 27 فبراير 1954 جاء فيه «حفاظا على وحدة الأمة يعلن مجلس قيادة الثورة عودة اللواء أركان حرب محمد نجيب رئيسا للجمهورية وقد وافق سيادته على ذلك»… وهكذا عاد محمد نجيب إلى الحكم على أكتاف الجماهير.

بعد عودته بدأ نجيب مشاوراته مع مجلس القيادة للتعجيل بعودة الحياة البرلمانية، وفى ليلة 5 مارس صدرت قرارات ركزت على ضرورة عقد جمعية لمناقشة الدستور الجديد وإقراره، وإلغاء الأحكام العرفية والرقابة على الصحف والإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين. وفى 25 مارس 1954 اجتمع مجلس قيادة الثورة كاملا وانتهى الاجتماع إلى إصدار القرارات التالية:

السماح بقيام الأحزاب، مجلس قيادة الثورة لا يؤلف حزبا، لا حرمان من الحقوق السياسية حتى لا يكون هناك تأثير على الانتخابات،  تنتخب الجمعية التأسيسية انتخابا حرا مباشرا بدون تعيين أى فرد وتكون لها سلطة البرلمان كاملة والانتخابات حرة، حل مجلس الثورة فى 24 يوليو 1954 باعتبار الثورة قد انتهت وتسلم البلاد لممثلى الأمة، تنتخب الجمعية التأسيسية رئيس الجمهورية بمجرد انعقادها.

ومن أسف أن عددا من قيادات مجلس الثورة بالتعاون مع عدد من عمال النقل رأوا فى هذه الخطوة مؤامرة على الثورة وردة إلى تسليم البلاد إلى القوى الرجعية التى كانت تحكم قبل الثورة. وفى 28 مارس 1954، خرجت المظاهرات حول البرلمان والقصر الجمهورى ومجلس الدولة تحت شعارات من قبيل: «لا أحزاب ولا برلمان»،  «تسقط الديمقراطية.. تسقط الحرية.» وبالتالى كان الحال هو إلغاء قرارات 25 مارس الخاصة بإجراءات التحول الديمقراطى إلى أن تم التخلص من محمد نجيب تماما فى نوفمبر 1954 وكان قد تم التخلص من الإخوان قبله فى أكتوبر 1954 بسبب حادث المنشية.

ربح جناح «الديمقراطية الاقتصادية والاجتماعية» على حساب «الديمقراطية السياسية» ضد محمد نجيب والفريق الذى يرى أن تحقيق كل أهداف الثورة الأخرى لا بد أن يتم من خلال نظام ديمقراطى متكامل سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. وعليه انهزم محمد نجيب فى معركة مارس 1954 وظل بلا سلطات حقيقية حتى يوم وضعه تحت الإقامة الجبرية فى 14 نوفمبر 1954.

لماذا نتذكر هذا الكلام الآن؟

أبناء هذا الجيل، عليهم ألا يبادلوا حقوقهم تحت شعارات «الأمن أو الحرية،» «الحرية أو العدل،» «الاستقلال أو المساواة،» «الخبز أو المواطنة.» هذه كلها حقوق متكاملة وليست متنافسة. والجمع بينها حق وواجب علينا. ولا مجال للوصول إلى منصب سياسى إلا عبر ممر شرعى واحد ووحيد وهو الانتخابات الحرة النزيهة تحت إشراف قضائى كامل.

هذا المنشور نشر في مقالات, الثورة المصرية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s