قادة… صدقوا ما عاهدوا الله عليه

 

في زمن تتحكم فيه الأهواء والشهوات والصراعات على السلطة , وتتسلط فيه القلوب المريضة على شعوبهم بالقهر والاستبداد , وتعلو أصوات تنادي بإبعاد الدين الإسلامي من توجيه الضمير الإنساني وإقصائه من المجتمع نتيجة إما عدم رغبتهم في تقييد سلوكهم المنحرف بعقيدة وشريعة تسعى نحو بسط الطمأنينة في النفوس , وإما نتيجة جهلهم بحقيقة سماحة هذا الدين من جانب وعلى الجانب الآخر جهلهم بقدرته على إظهار الصورة المتماسكة القوية المتراحمة صاحبة الأخلاق القائدة الموجِّهة للفرد والمجتمع المسلم على حد سواء.

في ظل هذا كله أحب أن أقدِّم لكم شخصية تاريخية غير معروفة إلا للقليل , شخصية أظهرت غاية الرسالة المحمدية أنها دعوة وليست صراعاً على الحكم , شخصية ضحت بحياتها من أجل نشر دين الله عز وجل في أصعب الأماكن معيشة وظروف بيئية , شخصية رأت الدنيا طريقاً موصلاً للآخرة فآثرت ما عند الله على الدنيا بما فيها من ملذات وشهوات , إنه القائد الشجاع زعيم دولة المرابطين الأمير (أبو بكر بن عمر اللمتوني) [1].

نشأة المرابطين: إنني حين أتحدث عن هذه الشخصية البارعة لا أتحدث عن جيل الصحابة الذين يتذرع بهم المتوجسون من الدين بقولهم: هؤلاء الصحابة فأنى لنا بهم. بل كانت بدايات ظهور المرابطين على مسرح التاريخ في أواسط القرن الخامس الهجري , حيث بدأت في السيطرة على سائر أنحاء المغرب وموريتانيا والسنغال , والسبب في قيام تلك الدولة الفتية هي قبيلة (لمتونة) – قبيلة بطلنا اليوم- وهي بطن من قبيلة (صنهاجة) أعظم القبائل البربرية , عرفوا حياة الصحراء واتخذوا اللثام شعارا لهم ولقبوا ب ( الملثمين ) , ووصل لهم الإسلام عن طريق الفاتح العظيم (عقبة بن نافع ).

كان يحيى بن إبراهيم أمير الملثمين  الجدالي- أمير الملثمين آنذاك- قد حزن من جهلهم لأمور دينهم , فطلب من أمير القيروان فقيها يعلمهم أمور دينهم , فالتقى بـ(أبي عمران الفاسي ) شيخ المذهب المالكي المعروف وقتئذ, واتفقوا على إرسال فقيه لهم يسمى ( عبد الله بن ياسين الجزولي ) وكان من أنبه تلاميذه , والذي ستقوم على يديه دولة المرابطين بعد ذلك.

ويقبل الناس كأمواج البحر على هذا الفقيه, فأخذ يبث فيهم أحكام الدين, ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر, لكن دعوته لم ترق لبعض السادة منهم والذين أنفوا المساواة بالعبيد, ومطالبته لهم بالإقلاع عن العادات المنافية للإسلام مثل الزواج بأكثر من أربع.. إلخ. فنفروا منه وعادوه وهاجموه ونهبوا داره, فلم ييأس من ذلك وقرر أن يغيّر وجهته , فاتفق هو وصديقه إبراهيم بن يحيى على الانقطاع للعبادة والزهد في جزيرة تقع في مصب نهر السنغال..وانضم إليه سبعة رجال فقط , ثم ما لبث أن أشتهر أمره , ووفد عليه كثير من الرجال والأشراف فعكف على تثقيفهم ووعظهم , وسماهم ب( المرابطين ) للزومهم رابطته. وبعدما اكتملت فترة الإعداد , بعثهم إلى قومهم لينذرونهم ويعلمونهم أمور دينهم , ثم يدخل هذا الرجل في قتال مع مخالفيه حتى أذعنوا للطاعة وحسن دينهم , وبايعوه على الكتاب والسنة.

وبدأت تظهر مواقف الجد في حياته حيث يدخل في حروب طاحنة داخل أفريقيا المدارية اتسمت بالقوة والضراوة , يستشهد فيها الأمير( يحيى الجدالي)  فيتولى من بعده بطلنا (أبو بكر بن عمر اللمتوني) وهنا تبدأ قصته.

جهاد اللمتوني: كان اللمتوني محبا للدين وكانت لديه رغبة شديدة في الاستشهاد؛ لذا لم يكن يرى إلا في أقرب المواقع من العدو , وقد بدأ جهاده بقبيلة (براغواطة ) وهي قبيلة أسسها رجل يهودي استغل جهل الناس وبداوتهم فادعى النبوة , وزعم أنه أنزل عليه قرآن جديد وأنه المهدي المنتظر وأباح الزواج بأكثر من أربعة ,  فنشأ بين الفرقتين قتال شديد أصيب فيه (ابن ياسين ) بجراح قاتلة , وقبل استشهاده أوصى القوم بمقولته العظيمة:"كونوا على الحق إخوانا في الله وإياكم والمخالفة والتحاسد".

اجتمع الأمر في يد اللمتوني , فكان أول ما فعله بعد دفن الإمام متابعة حرب (براغواطة) حتى انتصر عليهم وأذعنوا للطاعة , وبينما هوا يواصل انتصاراته إذ تأتيه الأنباء بوثوب قبيلة جذالة على قبيلته لمتونة وقد أنزلت بهم مذبحة , كما غارت المدن الوثنية على قبائل الجنوب؛ عندها قرر العودة تاركا زوجته الحسناء ( زينب النفراوية ) وقد سلم القيادة إلى رجل معروف للمرابطين بدينه وعدله هو ابن عمه ( يوسف بن تاشفين )[2], ومن هنا تبدأ حياة اللمتوني الجديدة.

اللمتوني جنوبا وابن تاشفين يعمر الدولة الجديدة: في سنة 453 هجريا يتوجه اللمتوني بنصف الجيش فيقضي على أسباب الشقاق بين القبائل, لكنه اكتشف أن معظم قبائل أفريقية تعبد الأصنام والأشجار؛ فأخذ يدعوهم للدين حتى دخل فيه خلق كثير , وطالت غيبة الأمير في أدغال أفريقيا فإذا بيوسف بن تاشفين يبدأ في بناء دولة المرابطين وتشييد المدن وبناء عاصمة لهم في مراكش عام 1026م.

استمر الأمر على ذلك لأعوام عديدة استقر الناس على زعيمهم يوسف بن تاشفين , وفي يوم من الأيام ينادي مناد:أن قد عاد الأمير أبو بكر من الجنوب, عند ذلك أصبح الأمر بالغا الخطورة حيث أصبح هناك أميران يحكمان البلاد وكلاهما أبلى في بناء الدولة بلاء حسنا كما عرفا بتقواهم ودينهم , ولا ينكر أحد حق اللمتوني في دولته التي كان قائدا لابن تاشفين فيها.

خرج ابن تاشفين لاستقبال ابن عمه وأميره اللمتوني , وعندها أخذه أبو بكر بعدما شاهد من صنيع ابن عمه في تحمل الأمانة والقيام بها على أكمل وجه فجلسا على الأرض  وبعد طول صمت ونظر من أبي بكر قال: "يا يوسف أنت ابن عمي ومحل أخي , وأنا لا غنى لي عن معاونة إخواننا في الصحراء ولم أر من يقوم بأمر المغرب غيرك , ولا أحق به منك  , وقد خلعت نفسي لك وما وصلت إليك إلا لأسلم لك الأمر , وأعود إلى الصحراء".

عند ذلك يعود أبو بكر للصحراء وينشر الإسلام في دول الغرب الأفريقي وهم: غينيا بيساو, سيراليون ,ساحل العاج, مالي , بوركينا فاسو, النيجر , غانا , توجو, الكاميرون , , أفريقيا الوسطى , الجابون.

عاش حياته مجاهدا زاهدا لا يفكر في سلطة ولا منصب, يغزو في كل عام مرتين, وفي إحدى غزواته عام 1085م يصاب بسهم فتصعد روحه لبارئها شاهدة على صدق جهاده رحمه الله رحمة واسعة.

كل يوم يرتفع فيه الأذان في الغرب الأفريقي يثقل من موازين هذا الرجل المجاهد الورع الذي أدرك حقيقة الدنيا فلم تشغله ما فيها من زخارف وأهواء؛ فعمل لمقتضاها وتركها وراء ظهره حتى كانت خاتمته في وسط الشهداء نحسبه كذلك ولا نزكيه على الله وهو حسيبه.

——————————————————————————–

[1] القصة بكاملها في كتاب ( تاريخ الأندلس ) لمؤلفه  المؤرخ محمد عبد الله عنان لمن أراد المراجعة.

[2] القائد المعروف مؤسس دولة المرابطين في الأندلس وبطل معركة الزلاقة.

المصدر

أ. محمد عبد الباسط

هذا المنشور نشر في ثقافة تاريخية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s