دروس تربوية من سورة يوسف (الحلقة الأولى: أحسن القصص)

بقلم الأستاذ :- محمد مسعد ياقوت

الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3)

***

سورة يوسف، سورة تقول: إن العاقبة للمتقين، ومن يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين، سورةٌ تفصَّل لنا كيف يكون التمكين في الأرض، وكيف يتسنى لكل شاب طموح أن يسلك سبيل النجاح.

نزلت هذه السورة الكريمة قبل الهجرة، حيث مرحلة الاستضعاف التي عاشها المسلمون، وقد ذاقوا ألوانًا من الإيذاء والاضطهاد.

كانت هذه القصة غاية في الأهمية لصاحب الدعوة، لسان حالها يقول: اصبر كما صبر النبيون من قبلك. إن الذي مكَّن ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء، لهو قادرٌ على أن يمكِّن لك.

سينصرك الله على قريش، كما آثر الله يوسفَ على إخوته.

سيعترفون بخطأهم كما اعترفوا ليوسف.

إن كنت تكابدُ الإيذاء من أهل بلدتك، فهذا يوسف باعه إخوتُه عبدًا بعدما ألقوه في قعر الجب.

إن كنت فقدت أباك وأمك وعمك، فهذا يوسف قد فقد أهله أجمعين.

إن كنت تكابد لأواء الحصار في الشِعب، فهذا يوسف لبث في السجن بضع سنين.

سيجمع الله شملك بقومك يومًا ما، طائعين لك، كما جمع الله شمل يوسف بأبويه وإخوته على عرش مصر.

سيندمل الجرح، ويزول الوجع، وستمضي في طريق الحياة بهذا القلب الخيّر، يفيض منه النور إلى البشر، وتسرج به قلوبًا غلفًا، وعيونًا عميا، وآذانًا صمًا.

***

حاجة الإنسان لمدارسة القصص الهادف:

عن سعد بن أبي وقاص – رضي الله عنه – قال: أنزل الله القرآن على رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، فتلاه عليهم زمانًا، فقالوا: يا رسول الله، لو قصصت علينا ؟ فأنزل الله تعالى: " الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ " إلى قوله: "نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ " الآية. فتلاها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – زمانًا، فقالوا: يا رسول الله، لو حدثتنا ؟ فأنزل الله: "اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً " [الزمر23 ] الآية

فهؤلاء هم صفوة خير الله، يطلبون القصة من معلمهم – صلى الله عليه وسلم، وقد علموا أن القصة لا تخلو من موعظة وعبرة، وأنها تنفي عن النفس الملالة، وهي أنشط للعقل في التفكر والتدبر واستخلاص الحِكم.

ولطالما كانت القصةُ وسيلةَ الدعاة والمربين في غرس القيم والمفاهيم، فالقصةُ تحمل المعنى إلى النفس حملاً، وأقرب ألا تُنسى من الذاكرة.

والقصة وسيلةٌ تربوية، تزكو بها النفوس، وتطهر بها القلوب، فيها تسليةٌ للقلوب المكروبة، وتثبيت للنفوس المترددة، والمعلم إذا أراد أن يُوصِّلَ قيمةً ما لتلاميذه؛ فإنما يستخدم القصة، حينئذ لا نسيان ولا ملل.

والقصة نوعٌ من أنواع البيان، وقد قال النَّبِىُّ – صلى الله عليه وسلم – « إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا »

ولكم كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقص على أصحابه يرببيهم بالقصص، وكثيرًا ما كان يقول: " إِنَّ رَجُلاً كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ " ويحكي من شأنه، ويقول: " كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ" كذا وكذا، ويقول: « بَيْنَمَا ثَلاَثَةُ نَفَرٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يَمْشُونَ، ويحكي قصتهم.

***

" الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ "

ألف، لام، راء، ألا تسمعون تلك الحروف ؟ من مثل هذه الحروف – وغيرها من حروف المعجم – يتألف قصصُ القرآن، أحسنُ القصص، وأعظمُ العبر، وأقومُ الشرائع والحِكم، فإن كنتم في ريب مما أنزله الله على عبده، فأتوا بسورة من مثله، ومادة الحروف بين أيديكم، تعرفونها، من الألف، واللام، والميم، وغيرها،  فإن لم تفعلوا، ولن تفعلوا، فاتقوا النار، التي وقودها الناس والحجارة.

هذه آَيَاتُ الْكِتَابِ الْواضح البين، الذي يوضحُ الحقَ من الباطل، ويبين الخيرَ من الشر، ويُجلِّي الحلالَ من الحرام، ويُظهر الصواب من الخطأ.

كتابٌ عظيم، فيه بيانٌ للناس، وتفصيلٌ لكل شيء، فهلموا إلى الهدى والرشاد !

"إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ "

لقد أنزلنا هذا الكتاب المبينَ قرآنًا بلغة العرب، وبَيَّنَّاه بأفصح لسان، فكما أنزل الله التوراة باللغة العبرانية، والإنجيلَ باللغة السريانية، فهذا القرآن المبين، أنزله الله باللغة العربية المبينة، أشرف اللغات، وأغناها، وأوسعها، وأقواها – وهي لغة المستقبل، وهي باقية ببقاء القرآن والإسلام-.وذلك من فضل الله عليكم وعلى الناس..

أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لعلكم تعقلون أحكام الله، ولعلكم تفقهون آياته، ولعلكم تفهمونها وأن تحيطوا بها علمًا.وَلَوْ جعلناه قُرْءاناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصّلَتْ ءاياته!

قال ابن كثير: " وذلك لأن لغة العرب أفصح اللغات وأبينها وأوسعها، وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس؛ فلهذا أنزلَ أشرف الكتب بأشرف اللغات، على أشرف الرسل، بسفارة أشرف الملائكة، وكان ذلك في أشرف بقاع الأرض، وابتدئ إنزاله في أشرف شهور السنة وهو رمضان، فكمل من كل الوجوه

" قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ "

فمن أراد أن يعقل القرآن، فعليه أن يفهم العربية.

والشريعة واللغة لا انفصام لهما.

وكلما اقترب المرء من العربية اقترب من القرآن.

ويعبِّر " الثعالبي عن تلك العلاقة الوثيقة بين الدين واللغة، فيقول في أبلغ تعبير -:

"من أحب الله تعالى، أحب رسوله محمداً، ومن أحب الرسول العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب العربية، ومن أحب العربية عُِني بها، وثابر عليها، وصرف همته إليها، ومن هداه الله للإسلام وشرح صدره للإيمان، وآتاه حسن سريرة فيه، واعتقد أن محمداً خير الرسل، والعرب خير الأمم، والعربية خير اللغات والألسنة، والإقبال على تفهمها من الديانة، إذ هي أداة العلم، ومفتاح التفقه في الدين، وسبب إصلاح المعاش والمعاد، ولو لم يكن في الإحاطة بخصائصها، والوقوف على مجاريها ومصارفها، والتبحر في جلائلها ودقائقها إلا قوة اليقين في معرفة إعجاز القرآن، وزيادة البصيرة في إثبات النبوة التي هي عمدة الإيمان، لكفى بها فضلاً يحسن أثره، ويطيب في الدارين ثمره

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: " اللغة العربية من الدين ومعرفتها فرض واجب فإن فهم الكتاب والسنة فرض ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب

" نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ "

نحن بوحينا إليك هذا الكتاب العربي المبين؛ نقص عليك أحسن القصص[9]، وأعظم العظات والعبر – قصة يوسف.

ولماذا سميت هذه السورة أحسن القصص من بين سائر الأقاصيص؟

ـ  لأنه ليست قصة في القرآن تتضمن من العبر والحكم ما تتضمن هذه القصة[10]. ـ ولحسن مجاوزة يوسف عن إخوته، وصبره على أذاهم، وعفوه عنهم، وكرمه في العفو عنهم، حتى قال: {لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ} [يوسف: 92]

ـ ولأن فيها ذكر الأنبياء والصالحين والملائكة والشياطين، والجن والإنس والأنعام والطير، وسير الملوك والممالك، والتجار والعلماء والجهال، والرجال والنساء وحيلهن ومكرهن، وفيها ذكر التوحيد والفقه والسير وتعبير الرؤيا، والسياسة والمعاشرة وتدبير المعاش، وجمل الفوائد التي تصلح للدين والدنيا

ـ و لأن فيها ذكر الحبيب والمحبوب وسيرهما

ـ و لأن كل من ذكر فيها كان مآله السعادة؛ انظر إلى يوسف وأبيه وإخوته، وامرأة العزيز…فما كان أمر الجميع إلا إلى خير

وإن كنتَ من قبل هذا الكتاب لمن الغافلين، فما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، وما كنت تعرف وحيًا ولا نبوة، ولا شيئًا عن تلك الأخبار والأيام.

ولم تعرف العربُ قبل القرآن حضارةً ولا دولةً.

كانوا قبل القرآن في ضلال واضح، وانحراف مريع، وغي ظاهر، يسجدون للأوثان، ويقتلون الأطفال، ويعاقرون صنوف الفواحش…

فنزل القرآن؛ فتعلموا التوحيد، واستنارات عقولهم، وخرجوا من الظلمات إلى النور، ومن الجهل إلى العلم، ومن النعرات العصبية إلى أخوة الإسلام، وقد كانوا فيما مضى قبائل متناثرة متناحرة.

فلله منك أيها العربي الذي غفلت عن نعمة القرآن، ثم أنت تتركه وتبتغي الهدى في غيره، من تلك الكتابات العلمانية والأوثان الفكرية، كماركس وفولتير وروسو وغيرهم ممن لو اجتمعوا في صعيد واحد، فلن تعدو جماعتُهم قدر بزقة يتفلها محمد – صلى الله عليه وسلم – من رُضاب ريقه الكريم، فلا تكونن كالحِدأة تصيد الجِرذان، وتترك الصيد الثمين !

فوائد:

ـ القرآن بيان للناس، يُجلي للناس الطريق، بلسان عربي مبين، فيه أحسن القصص، وأروعُ العبر، والإنسان قبل القرآن شيء، وبعده شيء آخر.

ـ المسلم مطالب بتلاوة القرآن، ومعنى هذا أن كل مسلم مطالب بتعلم اللغة العربية، وتغييب المسلمين عن لغتهم، ما هو إلا تغيبهم عن دينهم وقرآنهم، والإساءة إلى اللغة هي درب من الإساءة إلى القرآن.

ـ اللغة العربية محفوظة، وخالدة، ولن تموت، فكما أن الله أنزل الذكر وهو له حافظ، فهذا يستلزم حفظ الله للغة العربية.

ـ لاحظ أن أكابر علماء المسلمين كانوا أئمةً في اللغة، منهم الشافعي، والطبري، والقرطبي، حتى في زماننا هذا، ترى أبرز العلماء أقوياء في اللغة. 

وصية عملية:

ـ  احرص على لغة القرآن، واجتهد في تعلمها والنطق بها، واشرع في حضور دروسها عند بعض مشايخها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "واعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيرا قويًا بينًا ويؤثر أيضًا في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق

ـ اجلس مع ذويك, احك لهم قصة، تكون فيها عبرة. 

المصدر

هذا المنشور نشر في دعوى, سلسلة تربوية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s