لا جريمة ولا عقوبة بلا نص بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعى

intro_pic 

فى التدوينة الأخيرة من القراءة فى موسوعة التشريع الإسلامى للشهيد عبد القادر عوده تناولنا قاعدة لا جريمة ولا عقوبة بلا نص

واليوم ننقل ما كتبه الشهيد عبد القادر عوده عن هذه القاعدة وتطبيقها فى الأنواع المختلفة من الجرائم

لا جريمة ولا عقوبة بلا نص في جرائم الحدود

أثر القاعدة في جرائم الحدود: طبقت الشريعة قاعدة أن لا جريمة ولا عقوبة بلا نص تطبيقاً دقيقاً في جرائم الحدود، وهذا ظاهر بجلاء من تتبع النصوص التي وردت في هذه الجرائم.

وجرائم الحدود سبع:

(1) الزنا (2) القذف (3) الشرب (4) السرقة (5) الحرابة (6) الردة (7) البغي.

ففي جريمة الزنا يقول الله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى} [الإسراء: 32]، ويقول: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2]، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((خذوا عني فقد جل الله لهن سبيلاً: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة)). فهذه النصوص تحرم الزنا وتعاقب عليه بالتغريب والجلد والرجم، وهي كل العقوبات المقررة للزنا في الشريعة.

وفي جريمة القذف يقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 4]، فهذا النص يحرم القذف ويعاقب عليه بعقوبة أصلية هي الجلد، وبعقوبة تبعية هي الحرمان من حق أداء الشهادة، وليس للقذف في الشريعة عقوبة غير هاتين العقوبتين.

وفي جريمة الشرب يقول الله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} [المائدة: 90]، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((كل مسكر حرام))، ويقول: ((ما أسكر كثيره قليله حرام)). وهذه النصوص قاطعة في تحريم تناول الخمر والمسكرات.

أما العقوبة فقد عين النبى صلى الله عليه وسلم نوعها بقوله: ((اضربوه))، ولكن لم يؤثر عنه أنه حدد مقدار العقوبة تحديداً قاطعاً. وقد روى عنه أنه ضرب أربعين في الخمر، وروي عنه أن الضرب لم يكن محدد العدد، وفي عهد عمر –رضي الله عنه- أجمع الصحابة على أن يضرب شارب الخمر ثمانين جلدة قاسياً على القاذف؛ لأن الشارب إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى. فالعقوبة إذن تحددت بقول الرسول وعمله وإجماع الصحابة. وسنة الرسول مصدر من مصادر التشريع الإسلامي، وإجماع الصحابة مصدر آخر من مصادر التشريع، أي أن السنة والإجماع يقوم كلاهما مقام النص على العقوبة.

وفي جريمة السرقة يقول الله تعالى: { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ} [المائدة: 38]، فهذا النص يحرم السرقة ويحدد عقوبتها.

وفي جريمة الحرابة يقول الله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 33]، فهذا النص يحرم الحرابة والسعي بالفساد في الأرض، ويعاقب على ذلك بالنفي والقطع والقتل والصلب.

وفي جريمة الردة يقول الله تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85]، ويقول: {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} [البقرة: 217]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من بدل دينه فاقتلوه))، و يقول أيضاً: ((لا يحل دم أمرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)). فهذه النصوص تحرم الردة ويعاقب عليها بالقتل.

وفي جريمة البغي يقول الله تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} [الحجرات: 9]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من أتاكم وأمركم على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم ويفرق جماعتكم فاقتلوه))، ويقول: ((ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق هذه الأمة وهي جمع فاضربوه بالسيف كائناً من كان)). فهذه النصوص تحرم بغي طائفة على طائفة، وتجعل جراء البغي القتال والقتل حتى يفيء الباغي ويرجع عن بغيه.

هذه هي جرائم الحدود ليس فيها جريمة إلا نُصّ على تحريمها ونُصّ على عقوبتها، بل لقد عينت الشريعة العقوبات في جرائم الحدود تعييناً دقيقاً بحيث لم تترك للقاضي أيه حرية في اختيار نوع العقوبة أو تقدير كمها، حتى ليمكن القول بأن هذه العقوبات ذات حد واحد حكماً، وإن كان بعضها يحتمل بطبيعته أن يكون ذا حدين. فلا تسمح الشريعة للقاضي أن ينقص العقوبة أو يستبدل غيرها بها أو يوقف تنفيذها، ولم تجعل الشريعة لظروف الجريمة أو المجرم أي أثر على عقوبات جرائم الحدود، كما أنها لم تجعل للسلطة التنفيذية حق العفو عن هذه العقوبات. ومن ثم سميت هذه العقوبات بالعقوبات المقدرة حقاً لله تعالى، إشارة إلى أنها محددة النوع والمقدار، وأنها لازمة فلا يمكن المساس بها.

لا جريمة ولا عقوبة بلا نص في جرائم القصاص والدية

طبقت الشريعة القاعدة أن لا جريمة ولا عقوبة بلا نص تطبيقاً دقيقاً في جرائم القصاص والدية، وليس أدل على ذلك من استعراض النصوص التي وردت في هذه الجرائم.

أما الجرائم التي يعاقب عليها بالدية فهي: جرائم القصاص إذا عفى عن القصاص أو امتنع القصاص لسبب شرعي، ثم القتل شبه العمد، والقتل الخطأ، وإتلاف الأطراف خطأ، والجرح الخطأ.

ففي جريمة القتل العمد يقول الله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ} [الإسراء: 33]، ويقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 178]، ويقول جل شأنه: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45]، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((من اعتبط مؤمناً بقتل فهو قود به إلا إن رضى ولى المقتول))، ويقول: ((من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين: إن أحبوا فالقود –أي القصاص- وإن أحبوا فالعقل- أي الدية))، ويقول: ((في النفس مائة من الإبل)).

فهذه النصوص تحرم القتل العمد وتجعل عقوبته القصاص، إلا إذا عفا ولي القتيل فتكون العقوبة الدية، وهي مائة من الإبل.

وفي جريمة إتلاف الأطراف عمداً والجرح العمد يقول الله جل شأنه: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179]، ويقول: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45]، ويقول: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194]، ويقول: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم} [النحل: 126]، فهذه النصوص صريحة في تحريم إتلاف الأطراف والجراح، وفي جعل عقاب الجريمة القصاص في حالة العمد.

وفي جريمة القتل شبه العمد يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا إن في قتيل عمد الخطأ: قتيل السوط، والعصا، والحجر، مائة من الإبل))، فهذا النص يحرم القتل شبه العمد، ويعاقب عليه بالدية.

وفي جريمة القتل الخطأ يقول الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 92]، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وفي دية الخطأ عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون بنو مخاض))، فهاذان النصان يحرمان القتل الخطأ، ويعاقبان عليه بالدية، ويبينان مقدارها وأوصافها.

وفي قطع الأطراف والجراح خطأ حدد الرسول العقوبة على أساس أن ما كان في الجسم منه عضو واحد كالأنف والذكر واللسان ففيه الدية كاملة، وما كان في الجسم منه عضوان ففيه نصف الدية، فقال صلى الله عليه وسلم: ((في الأنف إذا أوعب مارنه جدعاً الدية))، وقال: ((وفي اللسان الدية، وفي الذكر الدية))، وقال: ((في الصلب الدية))، وقال: ((في اليدين الدية وفي الرجلين الدية))، وقال: ((في الأنثيين الدية))، وقال: ((في الأذنيين الدية))، وقال: ((في العين خمسون من الإبل))، وقال: ((في السن خمسة من الإبل))، وأوجب الرسول الدية في إذهاب المعاني، كالسمع والبصر والعقل.

أما الجراح فقد حدد النبي عقوبة بعضها دون بعض، فجعل أرش الموضحة خمساً من الإبل، وأرش الهاشمة عشراً من الإبل، وفي الآمة والدامغة ثلث الدية.

والقاعدة العامة في الشريعة: أن كل تلف أو جرح لم يحدد له الرسول دية أو أرشاً( فيه حكومة، وهي ما يحكم به القاضي بناء على تقدير أهل الخبرة بحيث لا يمكن أن تصل الحكومة إلى الدية أو الأرش الذي عينه الرسول للتلف أو الجرح الذي يليه في الشدة. وهذه القاعدة مجمع عليها من الأمة.

والدية في قطع الأطراف والجراح العمدية هي نفس الدية الواجبة في الخطأ، ولكنهما يختلفان في الوصف، فدية العمد مغلظة، ودية الخطأ مخففة، طبقاً لأحاديث الرسول وفعله.

وإذن فالعقوبة في إتلاف الأطراف محددة تحديداً لا شك فيه بنصوص صريحة في معظم الأحوال، وبإجماع لا شك فيه في بقية الحالات، والإجماع كما علمنا مصدر تشريعي من مصادر الشريعة الإسلامية، وهو ملزم بالمكلف كما يلزمه النص الصريح.

ومما سبق يتبين أن جرائم القصاص والدية منصوص عليها وعلى عقوباتها، وان الشريعة عينت هذه العقوبات تعييناً دقيقاً بحيث لم تترك للقاضي حرية في اختيار العقوبة وتقديرها، فكل مهمته أن يوقع العقوبة المقررة إذا ثبت لديه أن الجاني هو الذي أرتكب الجريمة بغض النظر عن ظروف الجريمة وظروف الجاني.

ويلاحظ أن سلطة القاضي في جرائم القصاص والدية تماثل سلطته في جرائم الحدود، ولا تفترق عنها إلا في أن القاضي ملزم أن لا يطبق عقوبة القصاص أو الدية إذا عفا عنها المجني عليه أو وليه، وأن يطبق العقوبة التي توجبها الشريعة أو يوجبها ولي الأمر في حالة العفو عن القصاص والدية.

وعقوبة القصاص وعقوبة الدية من العقوبات المقدرة؛ لأنها محددة النوع والمقدار، ولكنها مقدرة حقاً للأفراد، ومن ثم كان للمجني عليه أو وليه العفو عن العقوبة لأنها حقه، وصاحب الحق يستطيع أن يستوفيه وأن يتركه، أما ولي الأمر فليس له أن يسقط عقوبة القصاص أو الدية أو أن يعفو عن أحدهما، كما أنه لا يستطيع أن يسقط عقوبات الحدود أو يعفو عنها؛ لأنه لا يملك إسقاط حق الله ولا حقوق الأفراد( وإن كان عليه أن يستوفيها لأن استيفاءها من مقتضيات وظيفته.

([1] ) الموضحة والهاشمة والآمة والدامغة أسماء لجراح تصيب الرأس والوجه، وتسمى الشجاجز والموضحة: هي التي تكشف عن العظم. والهاشمة: هي التي تهشم العظم. والآمة: هي التي تصل إلى الجلدة التي تغطي المخ. والدامغة: هي التي تصل إلى المخ نفسه. ويطلق الفقهاء لفظ الشجاج على جراح الرأس والوجه، أما ما عدا ذلك فيسمونه جراحاً إلا ما يصل للتجويف الصدري والبطني فيسمونه جائفة.

([2] ) يطلق لفظ الدية على الدية الكاملة، ويطلق لفظ الأرش على بعض الدية.

([3] ) يقسم الفقهاء الحقوق التي تنشأ عن الجرائم إلى نوعين: حق الله تعالى، وحق الآدميين، ويعتبرون حق الله تعالى كلما كان خالصاً لله أو كان حق الله فيه غالباً، ويعتبرون الحق للعبد كلما كان خالصاً لهأو كان حق العبد غالباً فيه. وتنشأ حقوق الله عن الجرائم التي تمس مصالح الجماعة ونظامها، وتنشأ حقوق الآدميين عن الجرائم التي تمس حياة الأفراد وحقوقهم. وحين ينسب الفقهاء الحق لله، يعنون بذلك أنه لا يقبل الإسقاط عن الأفراد ولا من الجماعة، وحين ينسبون الحق للأفراديعنون بذلك أنه لا يقبل الإسقاط إلا من الأفراد.

والواقع أن كل جريمة تمس مصلحة الجماعة إنما تمس في النهاية مصلحة الأفراد، وكل جريمة تمس مصلحة الأفراد تمس في النهاية مصلحة الجماعة ولو كان محل الجريمة حقاً خالصاً للفرد. وفي هذا يقول أحد الفقهاء: ((ما من حق لآدمي إلا ولله فيه حق إذ من حق الله على كل مكلف ترك أذاه لغيره))

فإذا اعتبرت الشريعة بعض الجرائم ماسة بمصلحة الجماعة؛ فذلك لأنها تمس مصلحة الجماعة أكثر مما تمس مصلحة الفرد، وإذا اعتيرت بعض الجرائم ماسة بمصلحة الأفراد؛ فذلك لأنها تمس مصلحة الأفراد أكثر مما تمس مصلحة الجماعة. والأصل في الشريعة: أن فرض العقوبة واستيفاءها حق لله تعالى، ولكن الشريعة جعلت استيفاء بعض العقوبات حقاً للأفراد، كعقوبة القصاص والدية؛ فلهم أن يتمسكوا بها أو يتنازلوا عنها. فإذا تنازلوا عنها كان للجماعة أن تعاقب الجاني بالعقوبة الملائمة لظروف الجريمة والمجرم.وعلى هذا فإن جعل استيفاء بعض العقوبات حقاً للأفراد لا يسلب الجماعة حقها في فرض عقوبات أخرى على هذه الجرائم، ولا يمنع من تنفيذ هذه العقوبات الأخرى بمعرفة الجماعة.

والخلاصة: أن الحق ينسب لله كلما كان خالصاً لمصلحة الجماعة أو غلبت عليه مصلحة الجماعة، ونسبة الحق لله لا تفيده جل شأنه شيئاً، وإنما تمنع الجماعة والأفراد من إسقاط الحق؛ لأن حق الله لا يملك أحد إسقاطه.

هذا المنشور نشر في دعوى, سلسلة تربوية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s