سورة التوبة ولوازم فهمها(3) مفهوم الفتنة

qurankareem 

نواصل قراءة الدكتور جاسم سلطان فى سورة التوبة :

بعد أن استعرضنا في المقال الثاني من سلسلة سورة التوبة ولوازم فهمها فكرة نسخ آية تحريم العدوان على المسالمين من غير المؤمنين، نأتي للدليل الثاني القائم على تأويل مفهوم الفتنة في الآية (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة).

والقائلون بأن قتال غير المسلمين لا يكون بسبب اعتدائهم علينا، ولكن بمجرد كفرهم وشركهم! يبنون موقفهم على تأويل مفهوم الفتنة في الآية بأنه الشرك والكفر.

فابن جرير يروي عن قتادة والربيع والضحاك ومجاهد بأنهم يفسرون الفتنة بأنها الشرك والكفر.

الآية 193 من البقرة (قاتلوهم حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين لله ) وتفسير حتى لا تكون فتنة عند هذا النفر حتى لا يكون هناك شرك. وبالتالي فالحرب قائمة مادام هناك شرك وكفر.

ولنتابع الفخر الرازي وهو يفسر قوله تعالى (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ) الأنفال 39 في التفسير الكبير 15/168-169 "اعلم أنه تعالى لما بين أن هؤلاء الكفار إن انتهوا عن كفرهم حصل لهم الغفران ، وإن عادوا فهم متوعدون بسنة الأولين.

وأتبعها بأنه أمر بقتالهم إذا أصروا فقال (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) قال عروة بن الزبير: كان المؤمنون في مبدأ الدعوة يفتنون عن دين الله، فافتتن من المسلمين بعضهم، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا إلى الحبشة.

وفتنة ثانية وهي أنه لما بايعت الأنصار بيعة العقبة ، تآمرت قريش أن يفتنوا المؤمنين بمكة عن دينهم، فأصاب المؤمنين جهد شديد، هذا هو المراد بالفتنة، فأمر الله تعالى بقتالهم حتى تزول هذه الفتنة.

والمعنى هنا واضح فالفتنة تعني: الصد عن الدين، وإقامة الحواجز أمام الناس لمنعهم من الإيمان ابتداء، أو لإخراجهم منه بعد أن دخلوه.

ولكن الرازي يكمل: " وفيه وجه آخر ، وهو: أن مبالغة الناس في حبهم أديانهم أشد من مبالغتهم في حبهم أرواحهم ، فالكافر أبداً يسعى بأعظم وجوه السعي في إيذاء المؤمنين، وفي إلقاء الشبهات في قلوبهم، وفي إلقائهم في وجوه المحنة والمشقة.

وإذا وقعت المقاتلة زال الكفر والمشقة ، وخلص الإسلام ، وزالت تلك الفتنة بالكلية.

وإنما يحصل هذا المقصود إذا زال الكفر بالكلية!

إذا عرفت هذا فنقول:

إما أن يكون المراد من الآية (وقاتلوهم ) لغرض أن يحصل هذا المعنى(أي حتى يحصل) أو أن يكون المراد (قاتلوهم ) لغرض أن يحصل هذا المعنى أي ان يزول الكفر من العالم، فإن كان المراد من الآية هو الأول  بمعنى أن يكون المراد ( ويكون الدين كله لله) في أرض مكة وما حواليها، لأن المقصود حصل هناك. قال عليه السلام " لا يجتمع دينان في جزيرة العرب" ولا يمكن حمله على جميع البلاد، إذ لو كان ذلك مرادا لما بقي الكفر فيها (أي في جميع البلاد) مع حصول القتال الذي أمر الله به.

أما إذا كان المراد من الآية هو الثاني، وهو قوله : قاتلوهم لغرض أن يكون الدين كله لله فعلى هذا التقدير: لم يمتنع حمله على إزالة الكفر عن جميع العالم!

فكأن المراد: الأمر بالقتال لحصول هذا الغرض، سواء حصل في نفس الأمر أو لم يحصل ".

ها نحن أمام نظرية احتمالات مفتوحة يجوز فيها أن يكون المراد:

1. القتال ينتهي بانتفاء علته وهي الفتنة عن الدين والصد عنه.

2. القتال ينتهي بتصفية الجزيرة من جيوب الشرك.

3.القتال لا ينتهي حتى إخضاع آخر كافر في العالم.

وحين نعود لأمهات النصوص الكبرى مثل:

(وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ، إن الله لا يحب المعتدين ).

(فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين).

(فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين).

وحين نجمع مثل هذه النصوص ونضعها في سياق واحد، يتضح لنا المسار الأخلاقي الإسلامي بينا واضحاً، وهو مسار يعتبر أن من لم يعتدي فقتاله غير مشروع، وأن قتاله عدوان لا يحبه الله، وأن الحرب تنتهي بكف العدوان، وأن التقوى تقتضي التكافؤ بين العدوان ورده، وبالتالي فالإسلام لا يؤمن بالحرب المفتوحة على البشرية لمجرد اختلافها، بينما الاختلاف سنة كونية (ولا يزالون مختلفين ولذلك خلقهم). والآيات التي تعطي الإنسان حرية الاختيار للدين لا تعد ولا تحصى (لكم دينكم ولي دين). وأن الاختلافات مستمرة ليوم الدين.

الأمر هنا بين واضح حين نضع النصوص ونوفق بينها فتستقيم، ولكن ماذا عن من يقول أنها كلها منسوخة بآية السيف !؟

هذا المنشور نشر في مشروع النهضة الإسلامي. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s