جرائم التعازير فى الشريعة الإسلامية -1

 200280222-001 

نواصل القراءة فى موسوعة التشريع الجنائى فى الإسلام للشهيد عبد القادر عوده وما زلنا فى تأصيل أحد قواعد وأركان الجريمة وهى قاعدة لا جريمة ولا عقوبة بدون نص وسوف نتناول هذه القاعدة جرائم التعازير

  طبقت الشريعة قاعدة أن لا جريمة ولا عقوبة بلا نص في جرائم التعازير أيضاً، وكان من المنطقي أن تطبقها؛ لأن القاعدة من القاعد الأساسية في الشريعة فلا يمكن إهمالها، ولكن الشريعة لم تطبق القاعدة على الوجه الذي طبقتها به على جرائم الحدود، أو جرائم القصاص والدية، ولم تتقيد بالحدود الضيقة التي قيدت بها تطبيق القاعدة في هذه الجرائم، وإنما توسعت الشريعة في تطبيق القاعدة على جرائم التعازير إلى حد ما؛ لأن المصلحة العامة وطبيعة التعزير تقتضي هذا التوسع الذي جاء على حساب العقوبة في أغلب الأحوال، وعلى حساب الجريمة في القليل النادر.

وقد جاء هذا التوسع على حساب العقوبة؛ لأنه لا يشترط في جرائم التعازير أن يكون لكل جريمة عقوبة معينة محددة يتقيد بها القاضي كما هو الحال في جرائم الحدود أو جرائم القصاص والدية، فللقاضي أن يختار لكل جريمة ولكل مجرم العقوبة الملائمة من مجموعة من العقوبات شرعت لعقاب الجرائم التعزيرية كلها، وللقاضي أن يخفف العقوبة وأن يغلظها.

وجاء التوسع على حساب الجريمة؛ لأنه يجوز في بعض الجرائم التي تمتاز بصفات معينة أن لا ينص على الجريمة بحيث يعينها النص تعييناً كافياً، بل يكفي أن ينص عليها بوجه عام.

 ما هو التعزير؟:

ولأجل أن نتبين أثر القاعدة تماماً في جرائم التعازير يجب أن نعرف قبل كل شئ ما هو التعزير. التعزير: هو تأديب على ذنوب لم تشرع فيها الحدود أي هو عقوبة على جرائم لم تضع الشريعة لأيها عقوبات معينة محددة، فهو يتفق مع الحدود من وجه وهو أنه تأديب استصلاح وزجر يختلف بحسب أختلاف الذنب، ولكنه يختلف عنها من وجهين

أولهما: أن لكل حد عقوبة معينة أو عقوبات لا محيص من توقيعها على الجاني، أما في التعزير فهناك مجموعة من العقوبات تبدأ من النصح وتنتهي بالجلد والحبس، وقد تصل للقتل في الجرائم الخطيرة، ويترك للقاضي أن يختار من بين هذه المجموعة العقوبة الملائمة للجريمة لحال المجرم ونفسيته وسوابقه، وللقاضي أن يوقع أكثر من عقوبة، وله أن يخفف العقوبة أو يشددها وله أن يوقف التنفيذ إن رأى في ذلك ما يكفي لردع الجاني وتأديبه.

ثانيهما: أن عقوبة الحد لا يجوز لولي الأمر فيها العفو، أما عقوبات التعزير فلولي الأمر العفو عنها كلها أو بعضها.

الشريعة لم تنص على كل جرائم التعازير: لم تنص الشريعة على كل جرائم التعازير، ولم تحددها بشكل بشكل لا يقبل الزيادة والنقصان، كما فعلت في جرائم الحدود وجرائم القصاص والدية، وإنما نصت على ما تراه من هذه الجرائم ضاراً بصفة دائمة بمصلحة الأفراد والجماعة والنظام العام، وتركت لأولي الأمر في الأمة أن يحرموا ما يرون بحسب الظروف أنه ضار بصالح الجماعة أو أمنها أو نظامها، وأن يضعوا قواعد لتنظيم الجماعة وتوجيهها، ويعاقبوا على مخالفتها. والقسم الذي ترك لأولي الأمر من جرائم التعازير أكبر من القسم الذي نصت عليه الشريعة وحددته، ولكن الشريعة لم تترك لأولي الأمر حرية مطلقة فيما يحلون أو يحرمون بل أوجبت أن يكون ذلك متفقاً مع نصوص الشريعة ومبادئها العامة وروحها التشريعية.

أقسام التعزير: ينقسم التعزير ثلاثة أقسام:

(1) تعزير على المعاصي

(2) وتعزير للمصلحة العامة

(3) وتعزير على المخالفات.

التعزير على المعاصى  فرض على أفعال حرمتها الشريعة بذواتها ويعتبر إتيانها معصية والتعزير للمصلحة العامة  فرض لأفعال وحالات لم تحرم لذواتها وإنما حرمت لأوصافها، ولا يشترط في الفعل أو الحالة المحرمة أن يكون معصية و التعزير على المخالفات  فرض على أفعال حرمتها الشريعة بذواتها ويعتبر إتيانها مخالفة ولا يعتبر معصية.

والفرق بين هذه الأقسام الثلاثة: أن الفعل في القسم الأول يكون محرماً دائماً ومعتبراً معصية، وفي القسم الثاني لا يكون الفعل محرماً إلا إذا توفر فيه وصف معين؛ لأن الفعل ذاته ليس معصية، أما في القسم الثالث فيكون الفعل مأموراً به أو منهياً عنه، ولكن إتيانه يعتبر مخالفة لا معصية.

القسم الأول: التعزير على المعاصي

من المتفق عليه أن التعزير يكون في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة، سواء كانت المعصية لله أو لحق آدمي ومعنى أن المعصية لله أنها تمس حقوق الجماعة أو أمنها أو نظامها، ومعنى لأنها حق آدمي أنها تمس حقوق الأفراد.

والمعاصي: هي إتيان ما حرمته الشريعة من المحرمات، وترك ما اوجبته من الواجبات

ويعرف المحرم: بأنه ما طلب من المكلف الكف عن فعله طلباً حتماً، بأن تكون صيغة طلب الكف دالة على الحتم، مثل قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} [المائدة: 3]، أو أن يكون النهي عن الفعل مقترناً بم ايدل على أنه حتم، مثل قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً} [الإسراء: 32]، وقوله: {وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ} [الإسراء: 33]، أو أن يكون الأمر بالاجتناب مقترناً بذلك، نحو قوله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} [المائدة: 90]، أو أن يكون طلب الكف مقترناً بترتيب عقوبة، مثل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4].

يقسم الفقهاء المعاصي إلى ثلاثة أنواع:

النوع الأول:

ما فيه الحد، وقد تضاف إلى الحد الكفارة: مثل القتل والسرقة والزنا وغير ذلك من جرائم الحدود وجرائم القصاص والدية، ولا يدخل تحت هذا النوع إلا جرائم الحدود وعددها سبع، وجرائم القصاص والدية وعددها خمس؛ لأن هذه الجرائم دون غيرها هي التي تعاقب عليها الشريعة بعقوبة الحد؛ أي بعقوبة مقدرة.

والأصل في هذا النوع من المعاصي أن عقوبة الحد تغني فيه عن التعزير، لكن ليس ثمة ما يمنع أن يجتمع التعزير مع عقوبة الحد إذا اقتضت ذلك المصلحة العامة، وهذا هو اتجاه المذاهب الأربعة.

النوع الثاني:

ما فيه الكفارة ولا حد فيه: كالوطء في نهار رمضان، والوطء في الإحرام.

والكفارة في أصلها نوع من العبادة؛ لأنها عبارة عن عتق أو صوم أو إطعام مساكين، فإذا فرضت فيما لا يعتبر معصية كانت عبادة خالصة، ومثل ذلك الإطعام بدل الصوم لمن لا يطيق الصوم، وإذا فرضت على معصية فهي عقوبة خالصة، كالكفارة في القتل الخطأ والظهار، والكفارة في هذا تشبه المال، فهو قد يكون عقوبة جنائية كما في حالة الغرامة، وقد يكون تعويضاً إذا حكم به لتعويض الضرر، وقد يكون عقوبة وتعويضاً إذا جمع بين العقوبة والتعويض كالدية.

ويختلف الفقهاء في جواز التعزير في هذا النوع من المعاصي، فيرى البعض أن لا تعزير فيه؛ اكتفاء بالعقوبة التي حددت له وهي الكفارة، ويرى البعض الآخر –ورأيهم الراجح- أنه لا يجوز أن يجتمع مع الكفارة التعزير

النوع الثالث:

ما لا حد فيه ولا كفارة: كتقبيل المرأة الأجنبية والخلوة بها، والشروع في السرقة، وأكل الميتة، ويدخل تحت هذا النوع ما لا يدخل تحت النوعين السابقين، فيدخل تحته معظم المعاصي، بل إن المعاصي التي تدخل تحته لا تعد كثرة؛ لأنها غير محصورة.

ومن المتفق عليه بين الفقهاء أن هذا النوع من المعاصي فيه التعزير، أي لا عقوبة عليه إلا التعزير.

لا جريمة ولا عقوبة في التعزير بغير نص: وظاهر مما سبق أن الشريعة الإسلامية نصت على جرائم التعزير وعقوباتها، وعينت الجرائم وحددت العقوبات تحدبداً دقيقاً بحيث لا يستطيع القاضي أن يعاقب على فعل لم تحرمه الشريعة، ولا يستطيع أن يعاقب بغير العقوبات المقررة للتعازير، ولا أن يخرج على حدودها.

وإذا كانت هذه هي شهادة النصوص الصريحة، وشهادة الواقع الملموس، فإن القول بأن للقاضي سلطة تحكمية في جرائم التعزير هو قول لا أساس له، ولا نكون مغالين إذن إذا قلنا: إن أساس هذا القول هو قلة الاطلاع أو سوء الفهم، فالحقيقة التي لا يجادل فيها إلا مكابر أن كل من أوتي حظاً من الاطلاع على نصوص الشريعة، وقدرة على تفهم أساليب الفقهاء واصطلاحاتهم، يعلم حق العلم أن القاضي ليس له سلطة تحكمية ولا غير تحكمية في تعيين الجرائم والعقوبات، وأن نصوص الشريعة تكفلت ببيان الجريمة والعقوبة، وأن سلطة القاضي منحصرة في تطبيق النص على الواقعة المعروضة عليه، فإن انطبق وقع على الجاني العقوبة،

ولكن الشريعة أعطت القاضي سلطة واسعة في اختيار العقوبة التي يراها ملائمة من بين عقوبات مقررة للجريمة، وجعلت له أن ينظر في اختيار العقوبة إلى شخصية المتهم وسوابقه، ودرجة تأثره بالعقوبة، كما ينظر إلى الجريمة وأثرها في الجماعة، وجعلت للقاضي أن يعاقب بعقوبة واحدة أو بأكثر منها، وأن يصعد بالعقوبة إلى حدها الأعلى، أو ينزل بها إلى حدها الأدنى، وله أن يعاقب المتهم بوعظه أو توبيخه أو تهديده، فينذره بأن لا يعود لمثل ما فعل، وله أن يعاقب بأشد من ذلك، بحبس أو بغرامة، وله أن يمضي العقوبة أو يوقف تنفيذها.

هذه هي سلطة القاضي في الشريعة، وهي ليست سلطة تحكمية، وإنما هي سلطة أعطيها ليتمكن من علاج المجرم والجريمة، وهي سلطة الاختيار وتقدير لا سلطة تحكم واستعلاء، قصد منها تمكين القاضي من تقدير خطورة الجريمة والمجرم واختيار العلاج المناسب لهما، وإنها لسلطة قمينة أن تحقق العدل، وترفع الرحج، وتضع الأمور في مواضعها، وتعاقب كلاً بما يستحقه.

وهذه الطريقة التي ابتكرتها الشريعة من ثلاثة عشر قرناً لمعالجة جرائم التعزير هي الطريقة التي اتجهت إليها القوانين الوضعية أخيراً، فهي تنجو نحو توسيع سلطان القضاء في اختيار العقوبة الملائمة للمجرم وللجريمة وتقدير هذه العقوبة، فتجعل للقاضي أن يختار في الغالب بين عقوبتين، أو يوقعهما معاً، وأن يرتفع بالعقوبة إلى حدها الأعلى، أو ينزل بها إلى الحد الأدنى، وتجعل للقاضي أيضاً أن يوقف تنفيذالعقوبة أو يمضيها بشروط معينة،

ولكن سلطة القاضي في القوانين الوضعية لا تزال أضيق بكثير من سلطة القاضي في الشريعة الإسلامية، وكثيراً ما يتعرض الأول للحرج حيث يجد نفسه عاجزاً عن توقيع العقوبة التي تتلاءم مع الحالة المعروضة عليه، ولقد كان هذا سبباً دعا الكثيرين من علماء القانون إلى أن يطالبوا بتوسيع سلطان القاضي، واقترح بعضهما حلاً للمشكلة ألا ينص القانون على عقوبة كل جريمة بذاتها، بل تعين الجرائم دون تعيين عقوبتها، ثم تعين العقوبات التي يستطيع القاضي تطبيقها، ويترك له أن يختار هو لكل جريمة العقوبة الملائمة بعد تقدير ظروف الجريمة وظروف الجاني. وهذه الطريقة التي يقترحها بعض علماء القانون هي نفس الطريقة التي تسير عليها الشريعة في جرائم التعزير.

نستكمل باقى الأنواع التدوينة القادمة ان شاء الله

هذا المنشور نشر في دعوى, سلسلة تربوية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s