جرائم التعازير فى الشريعة الإسلامية 2-3

gunes

الجزء الأول من تدوينة التى تشرح جرائم التعازير فى الشريعة الإسلامية ومدى أرتباط قاعدة أنه لا عقوبة بلانص بها هنا ونواصل الموضوع المقتبس من موسوعة التشريع الجنائى فى الإسلام :

القسم الثانى :التعزير للمصلحة العامة:

القاعدة العامة في الشريعة أن التعزير لا يكون إلا في معصية، أي في فعل محرم لذاته منصوص على تحريمه، ولكن الشريعة تجيز استثناء من هذه القاعدة العامة أن يكون التعزير في غير معصية، أي فيما لم ينص على تحريمه لذاته إذا اقتضت المصلحة العامة    ويشترط في التعزير للمصلحة العامة أن ينسب إلى الجاني أحد أمرين:

(1) أنه أرتكب فعلاً يمس المصلحة العامة أو النظام العام.

(2) أنه أصبح في حالة تؤذي المصلحة العامة أو النظام العام.

فإذا عرضت على القضاء قضية نسب فيها للمتهم أنه أتى فعلاً يمس المصلحة العامة أو النظام العام، أو أصبح في حالة تؤذي المصلحة العامة أو النظام العام، وثبت لدى المحكمة صحة ما نسب إلى المتهم لم يكن للقاضي أن يبرئه، وإنما عليه أن يعاقب على ما نسب إليه بالعقوبة التي يراها ملائمة من بين العقوبات المقررة للتعزير، ولو كان ما نسب إلى الجاني غير محرم في الأصل ولا عقاب عليه لذاته.

ويستدل الفقهاء على مشروعية التعزير للمصلحة العامة بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حبس رجلاً اتهم بسرقة بعير، ولما ظهر فيما بعد أنه لم يسرقه أخلى الرسول سبيله ووجه الاستدلال أن الحبس عقوبة تعزيرية والعقوبة لا تكون إلا عن جريمة وبعد ثبوتها، فإذا كان الرسول قد حبس الرجل لمجرد الاتهام فمعنى ذلك أنه عاقبه على التهمة، وأنه أباح عقاب كل من يوجد نفسه أو توجده الظروف في حالة اتهام ولو لم يأت فعلاً محرماً، وهذا العقاب الذي فرضه الرسول بعمله تبرره المصلحة العامة، ويبرره الحرص على النظام العام؛ لأن ترك المتهم مطلق السراح قبل تحقيق ما نسب إليه يؤدي إلى هربه، وقد يؤدي إلى صدور حكم غير صحيح عليه، أو يؤدي إلى عدم تنفيذ العقوبة عليه بعد الحكم، فأساس العقاب هو حماية المصلحة العامة وصيانة النظام العام.

ونظرية التعزير للمصلحة العامة تسمح باتخاذ أي إجراء، لحماية أمن الجماعة وصيانة نظامها من الأشخاص المشبوهين والخطرين، و معتادي الإجرام، ودعاة الانقلابات والفتن، والنظرية بعد ذلك تقوم على قواعد الشريعة العامة التي تقضي بأن الضرر الخاص يتحمل لدفع الضرر العام أو الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف.

لا جريمة ولا عقوبة بلا نص في هذا النوع من التعزير: فالشريعة إذن لم تخرج على القاعدة القائلة بأن لا جريمة ولا عقوبة بلا نص، وإنما تساهلت في تطبيقها على هذا النوع من الجرائم أكثر مما تساهلت في تطبيقها على جرائم التعزير العادية. فبدلاً من أن تنص على الفعل المكون للجريمة وتحدد له عقوبة مقدرة كما فعلت في جرائم الحدود أو جرائم القصاص والدية، وبدلاً من أن تنص على الفعل المحرم وتعينه ثم تترك القاضي أن يعاقب عليه بالعقوبة التي يراها ملائمة من بين العقوبات المقررة للتعزير، جاءت بدلاً من هذا كله تقرر: أن كل فعل أو حالة تمس نظام الجماعة أو مصلحتها يعاقب عليها بالعقوبة التي يراها القاضي ملائمة من العقوبات المقررة للتعزير.

العلة في إجازة التعزير للمصلحة العامة: والضرورات الاجتماعية هي المسوغ الوحيد لإقرار الشريعة هذا النوع من جرائم التعزير، فحماية نظام الجماعة وصالحها العامة تقتضي نصوصاً مرنة تلائم كل وقت وآن، وكل ظرف وحالة، وليس أكثر مرونة وأكثر ملائمة لحاجات الجماعة من هذا الذي جاءت به الشريعة، فإنه قَمين أن يقمع كل من تحدثه نفسه بإلحاق الضرر بالجماعة أو بنظامها؛ لأنه إذا استطاع أن يفلت من أحكام النصوص الجامدة فلن يستطيع بحال أن يفلت من هذه النصوص المرنة، وسنرى بعد قليل أن أحدث القوانين الوضعية أخذت بنظرية الشريعة الإسلامية توصلاً لحماية النظام العام والصالح العام.

القسم الثالث: التعزير على المخالفات

الأصل في التعزير أنه على فعل المحرمات وترك الواجبات، وهذا متفق عليه، ولكن الفقهاء اختلفوا على جواز التعزير في إتيان المكروه وترك المندوب، ففريق يرى أن لا عقاب على فعل مكروه أو ترك مندوب، وفريق يرى العقاب على فعل المكروه وترك المندوب وأساس اختلافهم في هذا الحكم هو اختلافهم في تعريف المكروه والمندوب، فمن رأى أن المكروه نهى بتخيير في الفعل، وأن المندوب أمر بتخيير في الفعل، أو أن الكروه ليس نهياً، والمندوب ليس أمراً، من رأى هذا قال بعدم جواز العقاب؛ لأن العقاب لا يكون إلا بتكليف. ومن رأى أن المندوب أمر لا تخيير فيه، وأن المكروه نهي لا تخيير فيه، قال بجواز العقاب على فعل المنهي عنه وترك المندوب إليه، والقائلين بهذا الرأي مع تجويزهم العقاب لا يسمون الفعل أو الترك معصية، ولا يسمون الجاني عاصياً، وإنما يسمون الفعل والترك مخالفة، والجاني مخالفاً، ويعللون ذلك بأن العصيان اسم ذم، وأن الذم أسقط عن فاعل المكروه وتارك المندوب

ويحتج بعض القائلين بالعقاب بفعل عمر رضي الله عنه، حيث مر على شخص أضجع شاة يذبحها، وجعل يحد الشفرة، فعلاه بالدَّرة وقال له: هلا حددتها أولاً؟ والذين يقولون بالعقاب يشترطون أن يتكرر إتيان المكروه وترك المندوب حتى يمكن العقاب، فالعقاب عندهم ليس على الإتيان أو الترك في ذاته، وإنما هو على اعتياد إتيان المكروه وترك المندوب، ويعتبرون أن العادة تتكون من تكرار الفعل مرتين

وإذا وقع الإتيان أو الترك ماساً بمصلحة عامة أو بالنظام العام عوقب على الإتيان والترك دون حاجة للتكرار، سواء أخذنا برأي القائلين بالعقوبة أو بالرأي المضاد؛ لأن العقاب في هذه الحالة ليس أساسه اعتبار الفعل مكروهاً أو الترك مندوباً إليه، وإنما أساسه أن الفعل أو الترك ماس بالمصلحة العامة أو النظام العام.

هذا المنشور نشر في دعوى, سلسلة تربوية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s