تأملات في فريضة الحج

إنَّ الله طَيِّبٌ لا يَقبل إلا طَيِّبًا

من أهم الأمور التي لا بد أن يلتفت إليها الحاج قبل الشروع في حجه النفقة الحلال؛ لذلك كان عدم توافرها سببًا في ردِّ الأمر على صاحبه من أوله، يقول الأستاذ مصطفى مشهور: إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا فمن ينوي أداء فريضة الحج لا بد وأن يتحرى في كسبه الحلال الطيب بعيدًا عن الحرام أو ما فيه شبهة وفي هذا أيضًا جانب تربوي مهم في حياة المسلم.

إن الحج رحلة مباركة للقاء رب العالمين في بيته المعظم، فكيف يرضى المسلم وهو في هذه الرحلة المباركة أن يكون زاده ونفقته في الرحلة من حرام؟ لا شك أن النفقة الحرام تقطع طريق الوصول في هذه الرحلة المباركة من أولها، فقد روى الإمام مُسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَيّهَا النّاسُ إِنّ اللّهَ طَيّبٌ لاَ يَقْبَلُ إِلاّ طَيّبًا. وَإِنّ اللّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ. فَقَالَ: ﴿يَا أَيّهَا الرّسُلُ كُلُوا مِنَ الطّيّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وَقَالَ: ﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ثُمّ ذَكَرَ الرّجُلُ يُطِيلُ السّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدّ يَدَيْهِ إِلَى السّمَاءِ، يَا رَبّ يَا رَبّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنّى يُسْتَجَابُ لِذَلِك؟".

فالحديث يغلق باب القبول إلا من الطيب الحلال، وقد جاء الحديث مؤكدًا في بدايته على هذا المعنى بأكثر من مُؤكِّد، فمجيء "إنَّ" وإفادتها للتوكيد، ثم استعمال أسلوب النفي والاستثناء الذي يفيد القصر والتوكيد "لاَ يَقْبَلُ إِلاّ طَيّبًا"، جاءت هذه المؤكدات لتجعل الأمر محسومًا، فالعبد المسلم إن أراد من ربه قبول عبادته وطاعته وسائر أعماله فإنه لا بد من الطيب، وفي شرح قوله صلى الله عليه وسلم: "يُطِيلُ السَّفَرَ" يقول الإمام النووي: معناه والله أعلم أنه يطيل السفر في وجوه الطاعات كحَجٍّ وزيارة مستحبة وصلة رحم وغير ذلك.

إن المال الحرام يقطع على العبد المسلم كل ما في الفريضة من فضائل وخيرات، فهو يقطع عن العبد فضيلة النفقة في الحج والتي تعدل النفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف، فقد روى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "النَّفَقَةُ في الحَجِّ كالنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللهِ بِسبعمائة ضعف"، ولا شك أن المقصود في الحديث النفقة الحلال.

بل وتقطع عن العبد إجابة الدعاء؛ "ثُمّ ذَكَرَ الرّجُلُ يُطِيلُ السّفَرَ. أَشْعَثَ أَغْبَرَ. يَمُدّ يَدَيْهِ إِلَى السّمَاءِ. يَا رَبّ يَا رَبّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ. فَأَنّى يُسْتَجَابُ لِذَلِك؟".‏ فكيف وأكثر ما يرجوه الحج في رحلته الدعاء، فهو في كل موطن يدعو، يدعو عند رؤية الكعبة وعند الطواف وبين الصفا والمروة وعند الوقوف بعرفة وهكذا مع بقية المشاعر والمناسك، كل هذا يُحرم العبد منه بالنفقة الحرام.

بل إن الرحلة والعبادة كلها مردودة على صاحبها؛ لأن ما عند الله لا يُستجْلَبُ إلا بطاعته، وما عند الله من المغفرة والرحمة والخير والفضل لا تُطلَب إلا بالطيب الحلال، رُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا خرج الحَاجُّ حَاجًَّا بنفقةٍ طَيّبةٍ، ووضع رِجْلَهُ في الغَرْزِ فنادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه مُنَادٍ من السماء: لبيك وسعديك زَادُك حلال وراحلتك حلال وحجُّكَ مَبْرُورٌ غير مَأْزُور، وإذا خرج بالنَّفَقَةِ الخبيثة فوضع رِجْلَهُ في الغَرْزِ، فنادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه مُنَادٍ من السماء: لا لبيك ولا سعديك زَادُكَ حرامٌ ونفقتك حرامٌ وحجُّكَ مَأْزُورٌ غير مَبْرُور". أخرجه الطبراني في الأوسط.

فاختر أخي الحاج أي النداءين تريد أن تسمع، فما هي إلا رحلة واحدة وحجة واحدة ربما لا تستطيع أن تكررها، فاجعلها من بدايتها على طاعة الله في طهر ونقاء ونفقة طيبة حلال.

يقول الدكتور خالد أبو شادي: واطلب الزاد من حلال، فكيف تزور بيت الله برزق خبيث؟! بأي وجه يقابل الله من سرق عباد الله؟! أيجوز التطهر بماء نجس؟! أيرجو القبول وقد طُرد قبل الوصول؟!

إذا حَججتَ بمالٍ أصلُه سُحتٌ      فما حَججتَ ولكن حَجَّت العِيْر

لا يَقْبَلُ اللهُ إلا كُلَّ طَيِّبَةٍ فما       كُلُّ مَن حَجَّ بَيْتَ اللهِ مَبْرُور

أدعية السفر وتوديع الأهل ودلالات إيمانية وتربوية

قد علَّمنا الإسلام ذكر الله في كل موطن وعلى كل حال، وأدعية الأحوال نوع من الذكر الذي ينبغي أن يُلازم المؤمن في كافة أحواله ليكون دائما في مَعِيَّة ربه يحفظه ويصونه، والكثير من المسلمين الذين يلتزمون هذه الأدعية قد يغفلون عن دلالاتها الإيمانية والتربوية، ودعاء السفر يحمل الكثير من هذه الدلالات، يقول الأستاذ مصطفى مشهور: صلى عليك الله يا سيدي يا رسول الله علمتنا دعاءً نقوله عند السفر لو عشنا ما يتضمنه من معانٍ بحقٍّ لخرجنا بزاد تربوي كبير: "اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى"، توجيه النية والقصد إلى البر والتقوى والعمل الصالح وأن الهدف هو رضوان الله وسؤال ذلك من الله فيه شعور وإقرار أن هذا لا يتحقق إلا بتوفيق الله وإرادته.

والفقرة التالية من الدعاء: "اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل والمال والولد" ما أعظم أثر هذا الدعاء في نفس المؤمن، شعور بصحبة الله ومعيته في السفر فهو في حفظ الله ورعاية الله وضمان الله ثم الاطمئنان أن الله هو الخليفة في الأهل والمال والولد فلا قلق ولا انشغال على شيء من ذلك.

ثم يقول فضيلته: هكذا يتحقق التفويض لله وجميل التوكل عليه بصورة عملية واقعية ثم الفقرة التالية: "اللهم هوِّن علينا سفرنا هذا واطوِ عنا بعده" لجوء إلى الله في تيسير السفر وتخفيف مشاقه، فالأمر كله لله ولايظن أحد أن التيسير كامن فيما أخذ من أسباب كطائرة أو سيارة ولكن لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، فقد تصير السيارة سبب مشقة لا سبب راحة إن أمسك الله رحمته ووكلنا لأنفسنا.

ثم الفقرة التالية: "اللهم إنا نعوذ بك من وُعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في الأهل والمال" شعور بالعجز ولجوء إلى الله واستعاذة به مما يتعرض له المسافرون أحيانًا من متاعب وأخطار في السفر أو في أهلهم وأموالهم عند عودتهم إليهم.

ليستشعر الحاج عند بدء السفر أنه يبدأ رحلة في ضيافة الرحمن وأن من معه من ركب كلهم ضيوف الرحمن وزوار بيته الحرام، فيطمئن أنه في حفظ الله ورعايته ويتعامل مع ضيوف الرحمن بكل رفق ولين وتسامح وحب وتعاون، يعين الضعيف والمريض ويقضي حاجة المحتاج ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (البقرة: 197)وترويض النفس على ذلك طوال الرحلة زاد تربوي للمسلم في حياته ولازم للدعاة إلى الله على وجه الخصوص.

والدعاء المتبادل عند توديع الأهل والأصحاب عند السفر الذي أرشدنا إليه رسولنا الكريم فيه خير كبير ومعان تربوية هامة: "أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم أعمالك" هكذا يقول المقيم للمسافر، ويقول أيضًا: "زودك الله التقوى"، ويقول أيضًا: "لا تنسنا يا أخي من دعائك"، قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه عند سفره.. ويقول المسافر للمقيمين: "أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه"، موقف كله ذكر لله وافتراق على الله وفيه التواصي بالحق والثبات على الأمر والحرص على حسن الخاتمة، عاطفة وحب للخير المتبادل لا تجده إلا بين المسلمين.

وهذا الدعاء عند ركوب الدابة أو وسيلة السفر، إذ يسمي الله أولاً وعندما يركب يقول: الحمد لله، ويكبِّر ثلاثًا وإذا استوى يقول: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾، وفي ذلك تذكير لفضل الله في تسخير هذه الوسيلة ولا يرجع الفضل لصانعي الطائرة أو السيارة وحدهم فالفضل لله أولاً وأخيرًا هو الذي سخر لهم المواد لصنعها ورزقهم العقل الذي يفكرون به.

فما أحوج أن يتذكر الحَاجُّ هذه الدلالات الإيمانية والتربوية الهامة، فيتحول الذكر من مجرد ألفاظ يتحرك بها اللسان إلى مَعَانٍ ودلالات يحيا بها القلب ويستشعرها وتؤثر في حياة المسلم.

لبس ثياب الإحرام ودلالاته

لا شك أن مظهر الحجيج بلباس الإحرام البيضاء مظهر تَفرح وتُسَرُّ له القلوب، ومع تغيير الحاج لملابسه ولبس ثياب الإحرام يحس بتغيير حالته الروحية وازدياد شوقه إلى أداء الفريضة، وقد يغفل الحاج عن ما في هذا الأمر من دلالات، يقول الدكتور خالد أبو شادي: فتذكر بلبسك ثياب الإحرام الكفن ولفّك فيه، فإنك ستلقى الله عز وجل ملفوفًا في كفن أشبه ما يكون بثياب الإحرام، إذ ليس في ثياب الإحرام مخيط تمامًا مثل الكفن، وما أشبه المُحرِم اليوم بالميت، فكلاهما يغتسل، وكلاهما ذاهب للقاء ربه، وهذا ما يُذكِّر كل مُحرِم بإخوانه الموتى وبحاله الذي يشبه حال كل ميت، ويعبر عن ذلك الشاعر بقوله:

لعمرك لو كشفتَ التُّربَ      عنهم فما تَدرِي الغَنِي من الفقير

ولا الجِلْد المُلامِس ثوب      صُوفٍ من الجِلْدِ المُلامِسِ للحَرِير

إذا أَكَلَ الثَّرَى هذا وهذا       فما فَضْلُ الغَنِي على الفَقِير؟

وتذكر أن هذه الحال تبعث في النفس أكبر درجات الخضوع وأسمى منازل الخشوع وأقصى تذلل للخالق سبحانه، فأنت اليوم ليس معك من متاع الدنيا سوى ما تلبس، وإن كان نعيم الدنيا وزخرفها قد أنساك أن الملك كله لله فقد جاءك اليوم الذي تقف فيه بين يدي ربك كيوم ولدتك أمك، ليس عليك من دنياك سوى ما تستر به عورتك، أنت اليوم أشبه ما تكون برضيع لُفَّ في قطعة قماش، لا يملك لنفسه شيئًا ويحتاج من خالقه إلى كل شيء.

وتذكر بلبسك ثياب الإحرام أن الناس سواسية من الملوك إلى الصعاليك لا فضلٍ لأحد على أحد إلا بالتقوى، فالكل يخلع صنعة الخَيَّاط ليلبس خرقة البسطاء، ويلحق بذلك أفقر الفقراء بأغنى الأغنياء، فيغرس ذلك في قلب كل معتمر ولا شك خلق التواضع، لكنه وإن تساوى الظاهر فالله أعلم بالسرائر، فلعل فقيرًا يعيش على الكفاف يكون خيرًا عند الله من ملء الأرض من غنيٍ ضاقت خزائنه بالمال، ولعل رجل من عامة الناس أشعث أغبر لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره.

وتذكر بلبسك ثياب الإحرام الزهد في الدنيا، والزهد في الدنيا كما قال ابن المبارك: النظر إلى الدنيا بعين الزوال فتصغر في عينك فيسهل عليك الإعراض عنها، أو كما قال الإمام أحمد: الزهد في الدنيا عدم فرحه بإقبالها ولا حزنه على إدبارها، ولذلك لما سئل عن الرجل يكون معه ألف دينار هل يكون زاهدًا؟ قال: نعم بشرط أن لا يفرح إذا زادت ولا يحزن إذا نقصت. وهل هناك فرصة لغرس الزهد في القلوب أعظم من هذه الفرصة الذي نخلع فيه فاخر الثياب فلا فخر ولا مباهاة، ونرتدي ملابس الإحرام البسيطة التي ليس لها جيوب.

وتذكر بلبسك ثياب الإحرام أن تُبيِّض قلبك كما بَيَّضتَ ثيابك، فَرُبَّ مُبَيِّضٍ لثيابه مُدنِّسٍ لدينه.

واستَشْعِر كذلك بياض المنهج الذي تحمله ونقاء رسالة الإسلام التي تحويها بين أضلاعك.

ويقول الأستاذ مصطفى مشهور: ما أشبه الحاج الذي يخرج من بيته وقد اغتسل وخرج من مشاغل الدنيا ليخلص بقلبه لله وترك الأهل والمال والولد خلفه، ما أشبهه بمن يخرج من الدنيا عند لقاء الله فالاغتسال يقابله التغسيل وملابس الإحرام تقابل ملابس التكفين والخروج من مشاغل الدنيا يقابله الخروج الجسدي من الدنيا وتوديع الأهل وترك المال والولد أمر مشترك في الحالتين، فما أجمل أن يتذكر الحاج هذا المعنى، ويأخذ العبرة والعظة، ويستعد للقاء الله على طهر ونقاء، فيرد المظالم ويقضي الديون ويطلب الصفح ممن أساء إليه ويتوب إلى الله فربما لقي الله في سفره هذا، وبهذا يبدأ رحلته طيبًا مباركًا.

التلبية شعار الحج

"لَبّيْكَ اللهُمّ لَبّيْكَ، لَبّيْكَ لاَ شِريكَ لَكَ لَبّيْكَ، إنّ الحَمْدَ والنعْمَةَ لَكَ والمُلْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ"، إنه النداء الرباني، نداء الخضوع والاستجابة والاستسلام لرب العالمين، نداء التوحيد، كلمات طالما رددها كل مسلم يتمنى ويشتاق زيارة بيت الله الحرام وأداء فريضة الحج، كلما سمع المسلم هذا النداء المحبب إلى قلبه طار شوقًا إلى البيت الحرام؛ لذلك استحقت هذه الكلمات أن توضع شعارًا يلخص كل ما في الفريضة من معانٍ ودلالات وأحكام، هذه الكلمات القليلة العدد لخصت الكثير من المعاني والأمور التي ينبغي أن نتوقف أمامها ويستشعرها كل حاج وهو يردد هذه الكلمات.

يقول الدكتور خالد أبو شادي: ومعنى التلبية: إجابة نداء الله عز وجل على الفور مع كمال المحبة والانقياد، وتكرار كلمة (لبيك) وَعدٌ منك لربك بطاعة بعد طاعة وشهادة منك على نفسك بإجابة بعد إجابة، فَارْجُ الله أن تكون صادقا في دعواك، واخْشَ أن تكون غير ذلك فيقال لك: لا لبيك ولا سعديك.

ويقول الأستاذ مصطفى مشهور: التلبية وما تحمل ألفاظها من معاني الاستجابة لداعي الله وما فيها من تنزيه عن الشرك وأن الحمد له وحده والنعمة والملك له وحده، ثم إن تكرارها باللسان وانشغال القلب بها فيه تأكيد وتثبيت لمعاني الإيمان والتوحيد والشعور بفضل الله وفقرنا إليه.

ولقد كان سلفنا الصالح يعيش مع هذا النداء الرباني بكل جوارحه ويستشعر أثناء ترديده لهذه الكلمات ما فيها من المعاني والدلالات، وأنه مُقْدِمٌ على عبادةٍ يرجو قبولها ويخاف من رَدِّهَا، قال سُفيان بن عُيينَة: حَجَّ عليُّ بن الحسين فلما أَحْرَم واسْتَوتْ به راحلته اصْفَرَّ لَونُه وانْتَفَضَ ووَقَعَتْ عليه الرَّعْدَة ولم يستطع أن يُلَبِّي، فقيل له: لِمَ لا تُلَبِّي؟ فقال: أخشى أن يُقال لي: لا لبيك ولا سعديك، فلمَّا لَبَّى غُشِي عليه ووَقَع من على راحلته فلم يزل يَعتَرِيه ذلك حتى قضى حجَّه.

ولما حَجَّ جعفر الصادق أراد أن يُلبِّي فتغيَّر وجهه، فقيل له: مَا لك يا حفيد بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: أريد أن أُلَبِّي وأخاف أن أسمع غير الجواب.

وعن أثر هذا النداء الرباني ومكانته يقول حافظ بك عامر صاحب كتاب (رسالة الحج فلسفته وأسراره): كلمات روحانية فيها أنوار السماء تضيء على كل ما في الأرض وكل ما في النفس، وتجعل الإنسان سماويًّا إلهيًّا في بعض أوقاته ليتذكرها في سائر أيامه الأخرى، فإذا رجع إلى دنياه العادية نَبَّهَتْهُ معانيها فكانت له كالقانون الروحي، هذا النشيد دَوِيّ عام يهتف به مئات الألوف من المؤمنين بصوت واحد فلا يمكن أن ينساه من سمعه، وبذلك يكون قد انغرس في نفسه، وحمل معه الهيئة التي تذكر به الحاج دائمًا، فيرتبط به في الذاكرة فلا يُمحَى ولا يُنسَى.

بعض المُعِينَات على التَّلْبِيَة:

ويستكمل أبو شادي فيقول: وابدأ بالتحرك إلى مكة من الميقات، وأنت تردد هذا النشيد الإلهي لمئات أو آلاف المرات، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقطع هذه المسافة على ظهر البعير في يوم وليلة، لا يمل ولا يكل من التلبية، ونحن اليوم نقطعها في أربع ساعات تقريبا، ومع هذا نستشعر الرتابة والملل.

قال أبو حازم: "كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا أحرموا لم يبلغوا الرَّوْحَاء حتى تُبَحَّ أصواتُهم"، وما ذلك إلا لأنهم موقنون في ثواب الله، واثقون من عطائه، منفذون لأمره الذي نقله إليهم نَبِيُّهُ فقال: "أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أنْ آمُرَ أصْحَابِي ومَن معي أن يَرفَعُوا أَصْوَاتَهُم بِالتَّلْبِيَةِ"؛ (صحيح) انظر حديث رقم: 62 في صحيح الجامع.

وفي رفع الأصوات بالتلبية قهر للوسواس وطرد للنعاس، وهو أيضًا أجلب للخشوع وأجلب للدموع، والنساء في التلبية كالرجال لعموم الأحاديث الواردة في ذلك، فيرفعن أصواتهنَّ ما لم تُخْشَ الفِتْنَة.

ومما يُعِينُك على التلبية بشارة النبي صلى الله عليه وسلم لك: "مَا أَهَلَّ مُهِلٌّ قَطّ ولا كَبَّرَ مُكَبِّرٌ قَطّ إلا بُشِّرَ"، قيل: يا رسول الله.. بالجَنَّةِ؟! قال: "نَعَمْ" (حسن) انظر حديث رقم: 1621 في السلسلة الصحيحة.

ومما يُعِينُك على التلبية قول النبي صلى الله عليه وسلم: "مَا من مُلَبٍّ يُلَبِّي إلا لَبَّى ما عن يمينه وشماله من حَجَرٍ أو شَجَرٍ أو مُدَرٍ حتى تَنْقَطِعَ الأرضُ من ها هنا وها هنا عن يمينِهِ وشمالِهِ". (صحيح) انظر حديث رقم: 2363 في صحيح ابن ماجة.

ومما يُعِينُك على التلبية أن تتأكد أن كل ما مررت عليه من زرع وشجر وجماد وحجر سيشهد في حقك أمام الله يوم القيامة، قال أبو الدَّرْدَاء رضي الله عنه: اذْكُرُوا اللهَ عند كُلِّ حُجَيْرَةٍ وشُجَيْرَةٍ لعلها تأتي يوم القيامة فتَشْهَد لكم.

ومما يعينك على التَّلْبِيَة أن تحس أن تلبيتك ما هي إلا طلب في إلحاح ودعاء في إصرار أن يحضر قلبك ويفيض دمعك وتخشع جوارحك.

ومما يعينك على التلبية أن تُحدِّث نفسك بقرب الوصول إلى الكعبة المشرفة، فيزداد شوقك مع كل خطوة، وكلما دنوتَ شِبْرًَا زادت ضربات قلبك لهفة واضطربت مشاعرك لوعة.

التلبية بداية وعهد مع الله:

تُعقد المعاهدات دومًا في بداية أمرٍ ما، والتلبية معاهدة مُقدَّسة بين العبد وربه، فهي ليست نهاية بل بداية، ومن عاد من الحج أو العمرة فقد رجع بعد أن أبرم العهد مع الله، ليعود بعدها من مقام العهد إلى مقام العمل، ومِن وَعْدِ اللسان إلى تصديق الجوارح، فعملك الحقيقي أخي المشتاق إنما يبدأ بعد حجك أو عمرتك، لذا كان عليك أن تخجل من مخالفة الله بعد انطلاق هذه الكلمات من فمك، فإن رجوع الرجل عن وعده لمخلوق ضرب من الدناءة وانخلاع من صفات الرجولة، فكيف إذا كان الوعد مع الخالق؟!.

الحَجُّ وتَهْذِيبُ الأخْلاَقِ

إن المتتبع لشرائع الدين وعباداته يلاحظ أن أحد أهم ما يستفاد من هذه الشرائع والعبادات هو تهذيب الأخلاق وتقويمها، ونرى أمثلة كثيرة من العبادات والشرائع يتمثل فيها هذا الأمر، ففريضة الصلاة مثلاً نجد أنها تهذب الأخلاق وتقومها، يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾، روى البخاري ومسلم عن أبي هريرةَ رضي اللّه عنه؛ أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: "آيَةُ المُنافِقِ ثَلاثٌ: إذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أخْلَفَ، وَإِذَا ائْتُمِنَ خانَ"؛ وزاد في رواية: "وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أنَّهُ مُسْلِمٌ"، فالحديث يقرر أنه لا بد لهذه الصلاة وهذا الصيام أن يكون له أثر في أخلاق المسلم، فيُخَالِق الناس بخلقٍ حسنٍ؛ فلا يكذب ولا يخلف وعده ولا يَخُون الأمانة وإلاَّ عُدَّ من المنافقين، رغم محافظته على أداء العبادة؛ لكن ولأن هذه العبادات لم يكن لها أثر في تقويم الأخلاق صار العبد من المنافقين.

وفي فريضة الصيام تهذيب للأخلاق أيضًا، روى البُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَه"، فالحديث يوضح الربط بين صورة العبادة- ترك الطعام والشراب- وبين أخلاق المسلم ومجانبته لقول الزور والعمل به، وفي الحديث عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قال: قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: "قال اللَّه عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جُنَّة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سَابَّهُ أحدٌ أو قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إنِّي صَائِمٌ؛ والذي نفس محمد بيده لَخُلُوف فم الصائم أطيب عند اللَّه من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه"، مُتَّفّقٌ عَلَيهِ. وهذا لفظ رواية البخاري.

إن الصيام يمنع سوء الأخلاق ويهذب النفس ويقومها وتعتاد النفس مع الصيام على كظم الغيظ وترويضها على الالتزام بالأخلاق الحميدة.

وفريضة الزكاة فيها تهذيب وتطهير وتزكية للنفس من البخل والشُّحّ والالتصاق بمتاع الدنيا الزائل، يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.

وعلى نفس المنهج تأتي فريضة الحج ودورها في تهذيب الأخلاق وتقويمها، يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾، ففي فريضة الحج تجتمع كل المقومات الزمانية والمكانية وتتضافر لإتاحة الجو المناسب لتهذيب الأخلاق وتقويمها، في هذه الأماكن الطاهرة في بيت الله وفي مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى جبل عرفات وبين الصفا والمروة وغيرها من أماكن الطاهرة، ويكفي أن بيت الله الحرام يصل فيه تهذيب الأخلاق لحد المعاقبة على عقد النية بالسوء، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، مجرد الإرادة، ألا يكفي هذا حافزًا ومراقبًا للإنسان ليقوم أخلاقه ويهذبها.

ثم يأتي الزمان ليقوم بعامل آخر، فمشاعر الحج تأتي في الأشهر الحرم، وفي أفضل أيام الدنيا العشر الأوائل من ذي الحجة ومنها يوم عرفة الذي ورد عنه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما رُؤي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أغيظ ولا أحقر منه يوم عرفة، وما ذلك إلا مما يرى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رأى يوم بدر؛ رأى جبريل يزع الملائكة"، رواه مالك في الموطأ كتاب الحج وقال: هذا مرسل وقد وصله الحاكم في المستدرك عن أبي الدرداء.

فتتضافر عوامل الزمان والمكان لتكون عامل تحفيز وترهيب في نفس الوقت من سيء الأخلاق؛ بل هي تربية وإعادة تأهيل للمسلم ليعود بعد حجه وقد قُوّمت أخلاقه.

إنها أخلاق تلازم الحاج منذ إحرامه إلى وقت رجوعه، أيام متواصلة يحافظ المسلم فيها على سمو أخلاقه ويراقب الله في كل خلق يأتيه خوفًا من أن يبطل حجه أو ينقص أجره، فلا رفث ولا فسوق ولا جدال، فهذا هو السبيل لمغفرة الذنوب، ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم: "مََن حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَومِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ"، وفي رواية الترمذي: "غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ".

إن المسلم في هذه الفريضة يضع نصب عينيه هذا الشرط الذي اشترطه رسول الله صلى الله عليه وسلم لمغفرة الذنوب وهدم كل ما كان من ذنوب سالفة.

وفي الحديث عن عمر بن الخطاب أن النبي عليه الصلاة والسلام قال له: "إنَّكَ رَجُلٌ قَويٌّ، لا تُزَاحِم النَّاسَ على الحَجَر، فتُؤذِي الضَّعِيفَ، إنْ وَجَدْتَ خلوة فاستلمه، وإلا فاستقبله، وكَبِّر وهَلِّل"، إن النبي صلى الله عليه وسلم يلفت نظر عمر بن الخطاب وكل المسلمين إلى التزام الأخلاق ومنها خلق الرحمة أثناء تأدية الشعائر، فلا تجعل حرصك على تقبيل الحجر أو استلامه يؤدي إلى إيذاء مسلم، وإيذاء المسلم حرام ويتضاعف الذنب باعتبار المكان وهو بيت الله الحرام أما تقبيل الحجر أو استلامه فهو سنة، فهل يأتي العبد بذنب مضاعف ليقوم بفعل سنة؟ وكذلك في بقية الشعائر والمناسك، ينبغي أن يلازم المسلم خلق الرحمة في كل رحلته وفي تأديته لمناسك الحج.

إننا نعلم عظيم رحمة الله في هذه الفريضة، فما أعظم أن نتقرب إلى الله بنفس الخلق الذي يعم كل أرجاء المكان، فنرحم الكبير والضعيف والمرأة، ونساعد المحتاج ونرشد الضال، كل ذلك نرجو به رحمة الله عز وجل، فعن عبدِ اللهِ بنِ عمرو قال: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وسَلَّم: "الرَّاحمونَ يرحمهُم الرَّحمَنُ، ارحموا مَن في الأرضِ يرحمُكُمْ من في السَّمَاءِ". رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

وهكذا تتكامل شخصية المسلم العابد لربه المحافظ على طاعته صاحب الأخلاق الحسنة والمعاملة الطيبة، فلا تناقض في شخصيته، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قيل للنبي صلَّى الله عليه وسلم: "إنَّ فُلانَةَ تَصُومُ النَّهَارَ، وتَقُومُ الليلَ، وتُؤذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا"، فقال: "لا خَيْرَ فِيْهَا، هِي في النَّارِ". هكذا حسم رسول الله صلى الله عليه وسلم القضية، فلا يستقيم في ميزان الإسلام محافظة على العبادات دون أثر في الأخلاق والمعاملات.

أخي الحاج: لا بد أن يرى الناس منك تغيرًا، لا بد أن يرى الناس أثر حجك عليك، فإن كان في أخلاقك بعض السوء فحاول أثناء الفريضة تقويم نفسك، وإن كنت صاحب أخلاق حسنة فَزِدْ في إحسانك وبِرِّك بالناس، فالحج ما هو إلا بداية لشخصية جديدة يراك الناس عليها، شخصية جديدة بأخلاق جديدة، فيجد أهلك منك تغيرًا ويجد جيرانك منك تغيرًا ومع زوجتك وأولادك وذوي رحمك ومع أصدقائك والناس أجمعين.

تقبل الله منا ومنك صالح الأعمال ولا تنسنا من صالح دعائك.

———–

بعض المراجع

1- سلسلة "من فقه الدعوة" الكتاب الثاني: (زاد على الطريق)، لفضيلة الأستاذ/ مصطفى مشهور رحمه الله. صدر عن دار التوزيع والنشر الإسلامية بالقاهرة.

2- كتاب (رحلة المشتاق.. العمرة)، للدكتور/ خالد أبو شادي. صدر عن دار الراية للنشر والتوزيع بالقاهرة.

3- سلسلة "روضة الدعاة" الكتاب الأول: (الحج.. دروس وعبر)، للأستاذ/ أسامة جادو. دار الدعوة للطبع والنشر والتوزيع ودار المدائن للنشر والتوزيع بالإسكندرية.

إعداد: هاشم أمين

المصدر


هذا المنشور نشر في مقالات, دعوى. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s