تأملات فى ظلال سورة الطلاق

145280

سورة الطلاق  يبين الله فيها أحكام الطلاق  ويفصل فيها الحالات التي لم تفصل في سورة البقرة  التي تضمنت بعض أحكام الطلاق  ويقرر فيها أحكام الحالات المتخلفة عن الطلاق من شؤون الأسرة ولكن ليس هدف هذه التأملات الوقوف على الأحكام الفقهية للطلاق ولكن المتأمل للسورة يجد أمرا عجبا يفسر جزءا من طبيعة الدين وطبيعة التشريع الإسلامى العظيم

  وهنا أقتبس بعض ما ذكره الدكتور أحمد الريسوني  فى كتابه النفيس الكليات الكبرى للشريعة الإسلامية حيث يقول :

يتعذر إيجاد فاصل بين المقاصد والقواعد العامة للشريعة الإسلامية واعتبار شىء منها خاص بالعبادات أو المعاملات أو خاص بما هو قانون للأمة أو شئونها الخاصة وهذا حد فاصل بين التشريع الإسلامى والقوانين الوضعية فالتشريع الإسلامى ذو وظيفة تعبدية تربوية أولا ثم تأتى وظيفته القانونية الاجتماعية والسياسية و الاقتصادية حتى فى مجال فض المنازعات يهدف التشريع الإسلامى إلى تزكية الإنسان ومخاطبة الوجدان والإيمان فيعتمد على الوازع الإيمانى قبل الوازع القانونى

فالعدل مثلا قاعدة كلية من قواعد التشريع ولكنه ليس خاص فقط بالحكم والقضاء بل يشمل الصلاة والزكاة (الأمور التعبدية ) وعلاقات الاباء والأبناء والجيران (الأمور الاجتماعية الخاصة ) بل وحقوق الإنسان مع نفسه فى جسمه ونومه ويقظته فالقواعد والمقاصد فى الشريعة لا يمكن الفصل فيها بين ما هو شخصى وعام ورسمى وغير رسمى (1)

ويمكن أن نطبق هذا على سورة الطلاق :

سورة الطلاق وهى توضح أحكام الطلاق تحشد للأمر هذه الحشد العجيب من الترغيب والترهيب  والتعقيب على كل حكم  ووصل هذا الأمر بقدر الله في السماوات و الأرضين  وسنن الله في هلاك العاتين عن أمره  وفي الفرج والسعة لمن يتقونه  وتكرار الأمر بالمعروف والسماحة والتراضي  وإيثار الجميل  والإطماع في الخير  والتذكير بقدر الله في الخلق وفي الرزق  وفي اليسر والعسر (2)

كما تحشد السورة الكثير  من الحقائق الكونية الكبرى في معرض الحديث عن الطلاق كما توجه الخطاب إلى النبي [ ص ] بشخصه  وهو أمر عام للمؤمنين وحكم عام للمسلمين  زيادة في الاهتمام وإشعارا بخطورة الأمر المتحدث فيه .

وأمام هذا التفصيل الدقيق للأحكام حالة حالة , والأمر المشدد في كل حكم بالدقة في مراعاته  وتقوى الله في تنفيذه  ومراقبة الله في تناوله  والإطالة في التعقيب بالترغيب والترهيب , إطالة تشعر القلب كأن هذا الأمر هو الإسلام كله ! وهو الدين كله ! وهو القضية التي تفصل فيها السماء  وتقف لتراقب تنفيذ الأحكام ! وتعد المتقين فيها بأكبر وأسمى ما يتطلع إليه المؤمن  وتوعد الملتوين والمتلكئين والمضارين بأعنف وأشد ما يلقاه عاص ; وتلوح للناس بالرجاء الندي والخير المخبوء وراء أخذ الأمر بالمعروف والسماحة والتجمل والتيسير .(2)

ويقرأ القارئ في هذه السورة . . (واتقوا الله ربكم). . (وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه). . (لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا). . (وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله). . (ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر). . (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب . . ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره . قد جعل الله لكل شيء قدرا). . (ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا). (ذلك أمر الله أنزله إليكم) (ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا). . (سيجعل الله بعد عسر يسرا). .

كما يقرأ ذلك التهديد العنيف الطويل المفصل (وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا , وعذبناها عذابا نكرا . فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا . أعد الله لهم عذابا شديدا). .

يعقبه التحذير من مثل هذا المصير  والتذكير بنعمة الله بالرسول وما معه من النور , والتلويح بالأجر الكبير: (فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا  قد أنزل الله إليكم ذكرا:رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور . ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا)

ثم يقرأ هذا الإيقاع الهائل الضخم في المجال الكوني الكبير:(الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن , يتنزل الأمر بينهن , لتعلموا أن الله على كل شيء قدير , وأن الله قد أحاط بكل شيء علما)

يقرأ هذا كله تعقيبا على أحكام الطلاق . ويجد سورة كاملة في القرآن , من هذا الطراز , كلها  وربطها هكذا بأضخم حقائق الإيمان في المجال الكوني والنفسي . وهي حالة تهدم لا حالة بناء , وحالة انتهاء لا حالة إنشاء . . لأسرة . . لا لدولة . . وهي توقع في الحس أنها أضخم من إنشاء دولة !

علام يدل هذا ?

إن له عدة دلالات تجتمع كلها عند سمو هذا الدين وجديته وانبثاقه من نبع غير بشري على وجه التأكيد . حتى لو لم تكن هناك دلالة أخرى سوى دلالة هذه السورة !

إنه يدل ابتداء على خطورة شأن الأسرة في النظام الإسلامي:

فالإسلام نظام أسرة . البيت في اعتباره مثابة وسكن , في ظله تلتقي النفوس على المودة والرحمة والتعاطف والستر والتجمل والحصانة والطهر ; وفي كنفه تنبت الطفولة , وتدرج الحداثة ; ومنه تمتد وشائج الرحمة وأواصر التكافل .

والذي ينظر في تشريعات الأسرة في القرآن والسنة في كل وضع من أوضاعها ولكل حالة من حالاتها , وينظر في التوجيهات المصاحبة لهذه التشريعات , وفي الاحتشاد الظاهر حولها بالمؤثرات والمعقبات ; وفي ربط هذا الشأن بالله مباشرة في كل موضع , كما هو الحال في هذه السورة وفي غيرها . . يدرك إدراكا كاملا ضخامة شأن الأسرة في النظام الإسلامي , وقيمة هذا الأمر عند الله , وهو يجمع بين تقواه – سبحانه – وتقوى الرحم في أول سورة النساء حيث يقول:(يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة , وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء , واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام . إن الله كان عليكم رقيبا). . كما يجمع بين عبادة الله والإحسان للوالدين في سورة الإسراء وفي غيرها: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا). . وبين الشكر لله والشكر للوالدين في سورة لقمان: (أن اشكر لي ولوالديك). .

والدلالة الثانية لسياق السورة , وللاحتفال بشأن العلاقات الزوجية والعائلية هذا الاحتفال في القرآن كله , هي اتجاه النظام الإسلامي لرفع هذه العلاقات الإنسانية إلى مستوى القداسة المتصلة بالله ; واتخاذها وسيلة للتطهر الروحي والنظافة الشعورية – لا كما كان ينظر إليها في العقائد الوثنية , وعند أتباع الديانات المحرفة , البعيدة بهذا التحريف عن فطرة الله التي فطر الناس عليها .

والدلالة الثالثة لسياق سورة الطلاق ونظائرها هي واقعية هذا النظام الإسلامي ومعاملته للحياة وللنفس البشرية كما هي في فطرتها , مع محاولة رفعها إلى ذلك المستوى الكريم , عن طريق استعداداتها وملابسات حياتها . ومن ثم لا يكتفي بالتشريع الدقيق في هذا الأمر الموكول إلى الضمير . ولا يكتفي بالتوجيه . ويستخدم هذا وذاك في مواجهة واقع النفس وواقع الحياة .

"إنه يهتف بالرجال: (وعاشروهن بالمعروف , فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا). . فيميل بهم إلى التريث والمصابرة حتى في حالة الكراهية , ويفتح لهم تلك النافذة المجهولة: (فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا)فما يدريهم أن في هؤلاء النسوة المكروهات خيرا , وأن الله يدخر لهم هذا الخير . فلا يجوز أن يفلتوه . إن لم يكن ينبغي لهم أن يستمسكوا به ويعزوه ! وليس أبلغ من هذا في استحياء الإنعطاف الوجداني واستثارته , وترويض الكره وإطفاء شرته .

"فإذا تجاوز الأمر مسألة الحب والكره إلى النشوز والنفور , فليس الطلاق أول خاطر يهدي إليه الإسلام . بل لا بد من محاولة يقوم بها الآخرون , وتوفيق يحاوله الخيرون:(وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله , وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما . إن الله كان عليما خبيرا). . (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا . فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير). .

[ فإذا لم تجد هذه الوساطة , فالأمر إذن جد , وهناك ما لا تستقيم معه هذه الحياة , ولا يستقر لها قرار . وإمساك الزوجية على هذا الوضع إنما هو محاولة فاشلة , يزيدها الضغط فشلا , ومن الحكمة التسليم بالواقع , وإنهاء هذه الحياة على كره من الإسلام , فإن أبغض الحلال إلى الله الطلاق ] .

فإذا أراد أن يطلق فليس في كل لحظة يجوز الطلاق . إنما السنة أن يكون في طهر لم يقع فيه وطء . . وفي هذا ما يؤجل فصم العقدة فترة بعد موقف الغضب والانفعال . وفي خلال هذه الفترة قد تتغير النفوس , وتقر القلوب , ويصلح الله بين المتخاصمين فلا يقع الطلاق !

ثم بعد ذلك فترة العدة . ثلاثة قروء للتي تحيض وتلد . وثلاثة أشهر للآيسة والصغيرة . وفترة الحمل للحوامل . وفي خلالها مجال للمعاودة إن نبضت في القلوب نابضة من مودة , ومن رغبة في استئناف ما انقطع من حبل الزوجية .

ولكن هذه المحاولات كلها لا تنفي أن هناك انفصالا يقع , وحالات لا بد أن تواجهها الشريعة مواجهة عملية واقعية , فتشرع لها , وتنظم أوضاعها , وتعالج آثارها . وفي هذا كانت تلك الأحكام الدقيقة المفصلة , التي تدل على واقعية هذا الدين في علاجه للحياة , مع دفعها دائما إلى الأمام . ورفعها دائما إلى السماء .(3)

ونجد ختام سورة الطلاق بقوله عز وجل :

و كأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله , فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا  فذاقت وبال أمرها  وكان عاقبة أمرها خسرا  أعد الله لهم عذابا شديدا  فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا

ونقف لحظة أمام هذا التحذير فنرى أن الله أخذ القرى واحدة بعد واحدة كلما عتت عن أمر ربها ورسله . . ونجد أن هذا التحذير يساق هنا بمناسبة الطلاق وأحكامه  فيرتبط الطلاق وحكمه بهذه السنة الكلية . ويوحي هذا الارتباط أن أمر الطلاق ليس أمر أسر أو أزواج . إنما هو أمر الأمة المسلمة كلها . فهي المسؤولة عن هذا الأمر . وهي المسؤولة فيه عن شريعة الله . ومخالفتها عن أمر الله فيه – أو مخالفتها عن أمر الله في غيره من أحكام هذا النظام , أو هذا المنهج الإلهي المتكامل للحياة – هي عتو عن أمر الله , لا يؤاخذ به الأفراد الذين يرتكبونه , إنما تؤاخذ به القرية أو الأمة التي تقع فيها المخالفة , والتي تنحرف في تنظيم حياتها عن نهج الله وأمره . فقد جاء هذا الدين ليطاع , ولينفذ كله , وليهيمن على الحياة كلها . فمن عتا عن أمر الله فيه – ولو كان هذا في أحوال الأفراد الشخصية – فقد تعرض لما تعرضت له القرى من سنة الله التي لا تتخلف أبدا .

وتلك القرى ذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا . . ذاقته في هذه الأرض قبل يوم الحساب الأخير . ولقد ذاقت هذا الوبال قرى وأمم وشعوب عتت عن منهج الله في الأرض . ونحن نشهد وأسلافنا شهدوا هذا الوبال . ذاقته فسادا وانحلالا , وفقرا وقحطا , وظلما وجورا , وحياة مفزعة لا أمن فيها ولا سلام , ولا طمأنينة فيها ولا استقرار . وفي كل يوم نرى مصداق هذا النذير !

(1) كتاب الكليات الكبرى للدكتور أحمد الريسونى

(2) (3) ظلال القرآن بتصرف

 

هذا المنشور نشر في دعوى. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s