حديث من القلب.. الأضحى وموسم الحج

 

لفضيلة المرشد العام للإخوان المسلمين أ. د. محمد بديع

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين..

إخوتي وأخواتي وأحبابي في الله، يا كل المسلمين والمسلمات في كل بقاع الأرض، هذا حديث من القلب في هذه المناسبة المجيدة المباركة "عيد الأضحى المبارك" وما يسبقه من عشر ذي الحجة، والتي من أفضل الأعمال فيها القرب إلى الله عزَّ وجلَّ وهو أفضل من القرب من الله في كل أيام الأرض وعلى كل مدار السنة.

ترى ما الذي يجب أن نستفيده من هذه الأيام، وما هي الدروس المستفادة من رحلة الحج للذين أكرمهم الله عزَّ وجلَّ للذهاب إلى هذه الأماكن المقدسة، ومن لم يسعدهم الحظ ماذا يستفيدون بهذه الأيام والذكريات من هذه الرحلة المباركة، بل والانتفاع بها عن بعد كما وصانا الرسول- عليه الصلاة والسلام-.

بداية، هذه العبادات تجمع الأمة، ابتداءً من الصلاة التي لها صور فردية وصور جماعية تجمع الأمة في كلِّ مكان على المستوى المحدود في الحي، وفي البلد، وفي المحافظة، بل وفي القطر، عندما نجتمع في الصلاة في أشكالها المتعددة هذه أحد صور اجتماع الأمة، ثم نجتمع في الصيام على مستوى العالم كل في مكانه بتكليف فردي، ولكن تعيش الأمة مشاعر واحدة بنظام واحد، نظام روحاني تربوي بدني يجمع الروح والجسد في عبادة واحدة، ثم توحيد الأمة كلها، جغرافيًّا وزمانيًّا في مكان واحد من كلِّ بقاع الأرض، هذا لون جديد من توحيد الأمة، ومن تعبيدها لله رب العالمين كي يعترفوا جميعًا أنهم عبيد لله عزَّ وجلَّ، وأنه لا مصدر للتشريع إلا من الله عزَّ وجلَّ الإله المعبود بحق.

لهذا عندما ندخل إلى شعيرة الحج ونستعد لها تبدأ أفئدتنا أولاً بأن تهوى هذه الأرض وهذه الأماكن المقدسة؛ استجابة لدعوة أبينا إبراهيم الذي سمانا المسلمين عليه وعلى نبينا وعلى كل أنبياء الله أفضل الصلوات وأتم التسليم (رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ) (إبراهيم: من الآية 37) وكأن هذا هو الهدف الرئيسي من أن تهفو القلوب لهذه الأماكن (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37))(إبراهيم).

يأتي موسم الحج هذا العام وحولنا ثورات الربيع العربي تؤكد أن دعاءكم ودعاء الصالحين من عباد الله عزَّ وجلَّ في كل مكان، بل إن دعاء الحجيج في الحج الماضي لم يذهب سدًى ولا هباءً، فاستجاب الله دعاءنا ودعاءكم ودعاء الأمة كلها بأن أنقذ بعض الأمة العربية وبعض بلاد الأمة العربية من طواغيتها، ونحتاج إلى تكثيف الدعاء في هذا العام ونحن على يقين بالاستجابة، فنحن لا نحمل هم الإجابة ولكننا نحمل هم الدعاء، فإذا ألهمنا الله- عزَّ وجلَّ- الدعاء، كانت الإجابة معه، (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (غافر: من الآية 60)، وعد الله الحق الذي لا يتخلف.

نحن نذهب إلى هناك وقد ضحينا بالأموال والجهد، نستعد للتضحية عندما يطلب منا لحماية هذا الدين، وحماية بلادنا من الغاصبين، واقتناص حريتنا وعزتنا وكرامتنا التي أكرمنا الله عزَّ وجلَّ بها، بل خلقنا عليها "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا"، لتكون الحرية على رأس مطالب الأمة العربية والإسلامية، حرية تتمثل في العبودية لله تعالى وحده، فقمة الحرية في العبودية لله، لا يستعبدنا أمر آخر مهما عظم ولا شهوة أخرى مهما تغلغلت، وها نحن نرى أن الشهوات وصلت ببعض الحكام الظلمة إلى أن يقتل شعبه وإخوانه وأبناء عشيرته؛ من أجل أن يبقى على الكرسي.

لعلهم يتعظون فيكونوا من السعداء الذين اتعظوا بغيرهم، ولا يكونوا من الأشقياء الذين جعلهم الله عبرة لغيرهم، نحن نبدأ في رحلات الحج بالتضحية بالعزيز الغالي، بل نتخير إنفاقنا بالحلال الحر من مالنا وإلا رُدَّ علينا المال وردت علينا الحجة، لهذا فإن بداية اختيار هذا المال للإنفاق منه على رحلة الحج هو تذكير بأهم ما يمكن أن يعيش عليه المسلم، وهو أن يكون مطعمه حلال ومشربه حلال وملبسه حلال وغذي بالحلال، وإلا فلو كان مطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فإنه يرد عليه دعاؤه فـ"لا لبيك ولا سعديك".

لهذا فهذه بداية أولى ثم النية والإخلاص لله عزَّ وجلَّ، ثم عندما نذهب إلى هناك فكلنا نجتمع حول بيت الله عزَّ وجلَّ بتحية الطواف الأولى للشحن من الكعبة إلى القلب، وعجيب أن يطوف الناس حول بيت الله عزَّ وجلَّ ثم يكون القلب أقرب إلى جهة الشحن عندما يكون هناك في طواف مستمر دائم لا ينقطع، ويبقى هذا الخيط متصلاً بالتوجه إلى الكعبة في كل صلاة، فيبقى له معنى وصلة كهربائية روحانية مغناطيسية من الإيمان من الاتصال المباشر من الكعبة عن قرب وعن بعد.

وما دام هذا الحج يفرض مرة في العمر، فلا بد أن تكون الدروس طويلة المفعول تكفي من عاشها وحتى من نقلت إليه أن يعيش على هذه الدروس وهذه العبر حياته كلها؛ لأنها فرضت مرة في العمر ولا بد أن تكون طويلة الأثر، ويمتد المفعول إلى العمر كله.

سأتناول بعضها وبسرعة، فالمقام لا يتسع إلى التفصيل لعل الله تعالى أن ينفعنا بما نسمع وما نقول، ولعل أول درس نتعلمه من أمنا هاجر المرأة الضعيفة النفساء التي ذهب زوجها أبونا إبراهيم إلى لقاء الله عزَّ وجلَّ، وترك زوجته وابنه الرضيع في كنف الله ورعايته، ولنا هنا درس لا ننساه ولا بد أن نعيش عليه أن اليقين الذي يدخل في قلوب العباد له مصدران، إما يقين بواقع يوقن به الإنسان العادي، أما المؤمن فيقينه ليس مصدره الواقع الذي حوله، إنما مصدره اليقين بقول الله عزَّ وجلَّ، كما قالوا في الحكمة المأثورة "يقيني بالله يقيني"، فهو يقين مصدره الغيب بكلام الله ووعده لنا ووعيده لأعداء هذه الأمة، يقين مصدره بدايات سورة البقرة، فأول صفات المتقين (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) (البقرة: من الآية 3) قبل أن يصلوا ويصوموا ويزكوا ويحجوا؛ لأن هذا هو بداية اليقين، يقين بالغيب بقول رب العزة وقول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم.

أما اليقين الآخر الذي يتولد عند الناس من الماديات والواقعيات، فقد ذمَّه الله عزَّ وجلَّ لأنه مرتبط بشيء يأتي ويزول، أما يقين الغيب فلا يزول؛ لذلك يقول أصحاب النار- أعاذنا الله منها-: (رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا) (السجدة: من الآية 12)، أي إن أدلة يقيننا أننا أبصرنا وسمعنا (فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (12))، (كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100)) (المؤمنون).

يقيننا بالله عزَّ وجلَّ ينفعنا ويحفظنا، فنحن على يقين من أن هذه الثورات العربية والإسلامية التي أعادت الأمة إلى ربها، وردتها إلى دينها ردًّا جميلاً هي ثورات منصورة بإذن الله ومحفوظة بإذنه، ثم بأن نكون جميعًا يدًا واحدةً في مواجهة ظلم وفساد واستبداد ونصيحة لحكام لم يتعظوا بعد أن يعيدهم الله عزَّ وجلَّ إلى جادة الصواب، فإما أن تصيبهم دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوة لهم، وإما أن تصيبهم دعوته صلى الله عليه وسلم دعوة عليهم: "اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه".

أمنا هاجر رضي الله عنها علمتنا الدرس الأول الذي يعيش معنا العمر كله، وهو درس السعي، وعجيب أن حياتنا في الدنيا كلها ما هي إلا سعي، وكأن درس السعي هو الدرس الأول، تلقيناه على يد أمنا هاجر رضي الله عنها التي قدمت يقينًا عجيبًا قالته في جملة واحدة تشمل الحاضر والمستقبل، في حين أن كل ما حولها كان لا يوحي بهذا اليقين، إلا أن يقينها كان في الله عزَّ وجلَّ وحده لا شريك له.

كانت مهددة بالضياع وبالموت وبالهلاك حتمًا لا محالة بحساب الأسباب، أما هي فقد كان يقينها برب الأسباب، قالت: "إذًا لن يضيعنا"، حاضر ومستقبل مقطوع به ما دمنا مع الله عزَّ وجلَّ، فهلا تعلمنا هذا الدرس ولم ننسه؟.

وهذا أمر غريب أن يكون هذا اليقين عند بعض الناس دافعًا إلى القعود ركونًا بتواكل على الله عز وجل، ما دام عندنا يقين بالله عزَّ وجلَّ أنه سينصرنا ويرزقنا ويعزنا ويكرمنا، فهل سيحدث كل هذا بدون أسباب؟!.

إنه يقين حقيقي دافع إلى الأخذ بالأسباب كأعلى ما يكون الأخذ بالأسباب، وهو إتقان في الأخذ بالأسباب لا يفعله حتى من يوقنون باليقين الغيبي.

فإنهم ييأسون بسرعة، أما صاحب اليقين الغيبي الإيماني فإنه لا ييأس أبدًا (إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ (87)) (يوسف).

أمنا هاجر في الدرس الثاني قد علمتنا درسًا يعيش معنا العمر كله يا حضرات المؤمنين الصادقين والمؤمنات الصادقات، مهما كان ما حولكم من أسباب لا توحي بنجاة فأنا على يقين بالله عزَّ وجلَّ أنه سينجيني، وأنه تعالى لن يضيعني لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولكني مع كل هذا اليقين آخذ بالأسباب سبع مرات، فهل تصورتم إنسانًا يأخذ بالأسباب سبع مرات ولا يجد لهذا السبب نتيجة، وما زال يصر على الأخذ بالأسباب.

هل تصورتم وصية رسولكم صلى الله عليه وسلم بالإيجابية المطلقة الكاملة إلى أقصى نهاية عمرك وعمر الدنيا؛ حيث قال صلى الله عليه وسلم: "إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها"، فالفسيلة هي صغار النخل، فكيف أزرع فسيلة من صغار النخل لن تؤت ثمرها إلا بعد عشر سنوات كحد أدنى والقيامة تقوم، وأنا أغرس غرسًا يطول انتظاره؟؟! نعم، فإنما أنا مكلف بالأخذ بالأسباب، آخذًا أجري على أخذي بالأسباب وعلى الإيجابية لآخر لحظة في عمري وعمر الدنيا كلها.

أنتم تذهبون الآن وأسأل الله أن يرزقنا جميعًا للذهاب إلى بيت الله الحرام كي نعيش معًا هذه الوقائع رأى العين ببذل الجهد، لقد اختُصِرَ الجبل وأصبح تلاًّ أو هضبة، بل ونَعُمَت تضاريسه ليسهل الصعود عليها، ورغم هذا نجد صعوبة في أن نصعد إلى أعلى هذه الهضبة بعد أن أزيل جزء كبير من الجبل؛ بينما أمنا هاجر كانت تصعد إلى أعلى قمة الجبل لأنها كانت لا يمكن أن ترى ما وراءه إلا بهذا الصعود إلى النهاية ولم تجد شيئًا، في حين أننا الآن نكسل ونتهاون ولا نستطيع أن نصعد إلى أعلى هذه الهضبة وننادي من أسفلها: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158)).

أمنا هاجر تصعد إلى أعلى الجبل ولا تجد شيئًا، أمنا هاجر تنزل لتسير وتجري وتهرول ثلاثة أرباع الكيلو حتى تصل إلى المروة وتصعد أيضًا بنفس الطريقة إلى أعلى الجبل بصعوبة ومشقة لا نستطيعها نحن الآن بكل ما حولنا من تيسيرات، أسأل الله أن يجزي كل من قام بها للتسهيل على عباد الله وحجاج الله وزوار بيت الله الحرام، فهم الآن قد يسروا لنا الكثير، ونحن أيضًا ما زلنا نقصر في كثير على الرغم من كل هذه التسهيلات.

أما أمنا هاجر فصعدت إلى أعلى الجبلين ثم نزلت مرة أخرى سبعة أشواط، نحرص جميعًا على أداء الشكل، أما اللب والموضوع فيتفلت منا بعد انتهاء السعي.

لا يا أخوتي وأخواتي، إذا عدنا إلى بلادنا فيظل درس السعي، يقين بالله عزَّ وجلَّ ثم أخذ بالأسباب دون كلل ولا ملل ولا تواكل ولا يأس، وكل الأمل في الله عزَّ وجلَّ بلا أي وسيلة من الوسائل حولنا من الماديات تعمق هذا اليقين، بل كلها غيب، ونحن على يقين بالغيب، فسبحان الله عزَّ وجلَّ الذي وعدنا بالغيب ووعده كان مأتيًّا.

وبعد أن فرغت أمنا هاجر من السبعة أشواط جلست وقد تعبت وأصابها الكلل، فكانت الجائزة ماء زمزم ماء اليقين، تتعجبون أنها تطلب ماءً لتشرب ويشرب ابنها، فمن أين سيأكلون؟؟، فالماء هو شراب وطعام، من أين سيعالجون إذا مرضوا؟؟ هو الماء هو طعام وشراب وعلاج.

نفترض أنهم أكلوا وشربوا وعولجوا، كيف سيدفعون الغوائل من حشرات ومن وحوش ومن لصوص؟؟؟ يا من تخافون على دنياكم: لا أمان إلا لمن يحيى دينه، من رضي الحياة بغير دين، فقد جعل الفناء لها قرينًا.

أمُّنا هاجر قد أحيت دينها، وأخذت بالأسباب فأكرمها ربها عز وجل من حيث لا تحتسب بشيء فيه كل احتياجاتها، من طعام وشراب وعلاج، ومن أين يأتي الأمن؟؟ فقد أشار الله بقوله (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4))(قريش) فقد أشار بـ"هذا" التي تدل على القرب ولم يقل ذلك أو ذاك.

فمن ذا الذي يطعم من جوع؟ ومن ذا الذي يؤمن من خوف إلا الله؟

فلا تبتغوا عند غيره الرزق، ولا تبتغوا عند غيره الأمن، فقد قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82))(الأنعام).

تصوروا أمكم هاجر وهي لا تملك أن تقدم إعلانًا للقوافل تناديهم أن هنا ماء فاحضروا إلينا لتحموننا، فأرسل الله تعالى طيورًا من السماء مأمورةً، فجنود ربك الذي لا يعلمها إلا هو يسخرها لعبادة الصالحين، وما يعلم جنود ربك إلى هو، وقد أرسل الله لها طيورًا أمرت أن تقدم إعلانًا غير مدفوع الأجر بأن هنا ماء، فأخذت الطيور تنزل وتصعد وكل القوافل ترى هذا الإعلان المجاني الرباني، لتقول لكل القوافل هنا ماء، فجاءت كل هذه القوافل من كل مكان حولها تبغي هذا الماء، وعندما أتت تحقق الركن الأخير وهو الأمن والأمان والحراسة على يد جنودٍ أرسلها الله عزَّ وجل، من أول الطيور التي أعلنت عن وجود الماء إلى كل القوافل التي حوَّلت اتجاهها إلى بئر زمزم لتعيش حولها تنتفع من أجل دنياها، أما هم، فيحقق بهم رب العزة الأمن والأمان والحراسة لهاجر وابنها، بل والعزة والكرامة والسلطان، فهي تختار من هذه القوافل من يعجبها، أما مَن تجد فيه شيئًا تكرهه فتصرفه، وتصبح صاحبة سلطان على كل القوافل، بل تأتيها القوافل من كل بقاع الأرض تحمل إليها ما ذكر في القرآن "ثمرات كل شيء"، ولذلك، إذا ما احتج الناس (وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا)، كان الرد عليهم بكل الوضوح (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (57)) (القصص)، فلم يقل ثمرات الفاكهة ولا ثمرات النباتات؛ بل قال "ثمرات كل شيء"، هذه دروس أمكم هاجر، فهلا وعيناها؟!، هلا كان في قلوبنا هذا اليقين غير مرتبط بالأسباب التي تحيط بنا، هل كان عندنا مع كل هذا اليقين أخذ بالأسباب على أعلى مستوى من الأداء، لا يفعله حتى مَن يعبدون الأسباب، فإنهم ييأسون بسرعة، أما نحن فنعبد رب الأسباب ونتوجه إليه بالأسباب ابتغاء مرضاته فيثيبنا من حيث لا يحتسب من خارج الأسباب (ماء زمزم- ماء اليقين- طعام وشراب وعلاج وأمن وأمان وعزة وكرامة ومجد وسلطان).

سأقفز سريعًا في عيد الأمة، عيد الأسرة، عيد الأب والابن والزوجة، فشيء غريب أن يكون عيد الأضحى عيد يُعلي فيه شأن الأسرة المسلمة الأب والابن والزوجة، وأيضًا هذه الأسرة المسلمة الصادقة المؤمنة في مواجهة عدو واحد، وهذه اللبنة الأولى في المجتمع، فإذا كانت اللبنة الأولى في هذه الأسرة لبنة صالحة، تعبد ربها ولا تلجأ إلا إليه وتطلب منه الرضا والمغفرة والرحمة وتطلب منه المدد والعون في مواجهة عدو واحد قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5)) (الفلق)، فكل ما نخاف منه يا رب نلجأ إليك فيه ونستعيذ بك منه (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6)) (الناس)، وقد وسوس الشيطان لإبراهيم ولإسماعيل عليهما السلام ولهاجر عليها رضوان الله، لكن ماذا كان موقف هذه الأسرة المسلمة؟، كان موقفها موقف واحد وهو رجم إبليس ورد كيده إلى نحره، فالشيطان كان قد حاول بكل الوسائل لكنه فشل؛ لأن الأسرة كانت مؤمنةً صادقةً مع ربها وتستعين به مهما كان الابتلاء ومهما كانت المشقات.

ثم يكبر هذا الدرس المصغر لتصبح الأمة كلها في مواجهة عدو واحد، فانظروا إلى هذه الأمة وهي تقف جميعها في صعيدٍ واحدٍ في عرفات وقد لبسوا ملابس تشبه الأكفان كي يستعدوا للحظة الحشر، يقرءون سورة الحج فيجدونها في بدايتها تتحدث عن الآخرة (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1)) (الحج)، فهذا هو المشهد المصغر ليوم الحشر، ولا بد من اتقاء الله تعالى في هذا الموقف، فالأمة كلها تتدرب تدريبًا يوميًّا لثلاث مرات بل بسبعين مرة في مواجهة عدو واحد وهو إبليس، فيرجمونه بأحجار في متناولهم جميعًا حتى مَن لا يقوى على الحركة منهم كالعجزة والمرضى والمسنين الذين يجلسون يجمعون الحصيات بكل يسر، فلم يكلفنا ربنا سبحانه وتعالى إلا أيسر الأسباب (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) (البقرة)، وكلها تكاليف الله عز و جل، ونحن ندعوه يا رب (لا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا) و(وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) (في خواتيم سورة البقرة)، ونزل حينها جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم مبشرًا إياه "يا محمد: الله عز وجل يقرؤك السلام ويقرئ أمتك السلام ويقول لك بعد أن فرغتم من دعاء خواتيم سورة البقرة، قد فعلت قد فعلت قد فعلت"، (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ) (آل عمران: من الآية 195).

ودعاء يوم عرفة مستجاب، فاجعلوه لإخوانكم في فلسطين وسوريا واليمن وكشمير وأفغانستان، في كل بقاع الأرض حيث يظلم المسلمون ويقتلون، ولا يعقل أن يكون هذا القتل وهذه الدماء من مسلمين لمسلمين، فهل يعقل أن يكون هذا هو الدرس الذي نعود به، ليرجم بعضنا بعضًا ويقتل بعضنا بعضًا ونحن نتدرب على عداوة عدو واحد، سنة وشيعة، ومن كل الأجناس والألوان ومن كل الأقطار ومن كل الأعمار، ذكورًا وإناثًا.

بل وأنت مع زوجتك تتذكر دعاءً واحدًا، كل الأمة تدعوه عند الركن اليماني "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وأدخلنا الجنة مع الأبرار"، أتدرى ما هي حسنة الدنيا؟؟

إنها زوجتك الصالحة، والتي إن كانت معك في الحج، فاعلم أن هذا الدعاء، دعاءً مستجابًا عند الله عز وجل، وإن لم يكن لك زوجة، فاعلم أن هذا الدعاء هو أغلى ما تطلبه عندما تصل إلى الكعبة في هذا الركن اليماني، وإن لم تكن زوجتك معك في الحج، فتأكد- عندما ترجع- أن أكبر نعمة أنعمها الله عليك بعد تقوى الله هي زوجتك الصالحة.

نعود إلى الأمة وهي تدعو ربها في يوم عرفة وقد جمعت الصلوات في البداية والنهاية، كي يتفرغ يوم عرفة، فما الذي في يوم عرفة؟؟

لا توجد عبادات في يوم عرفة أخرى إلا الدعاء، وأفضل الدعاء هو دعاء يوم عرفة، فهلا كان الدعاء من القلب، ما دام قد حظي بهذه الأهمية في هذه الشعيرة.

يا أمة الإسلام.. ربكم يدربكم في يوم عرفة على أن تدعوا لبعضكم، وقد كان الدعاء المستجاب في الحج الماضي تحقق هذا العام، فهلا دعوتم الله دعاءً نسأل الله أن يحققه حتى وأنتم هناك نرى تباشير استجابة دعائكم لأمتكم بأن تكون خير أمة أُخرجت للناس، تنفع غيرها من الأمم بالخير الذي تحمله إليها رحمة لكل العالمين، لا نقطع شجرًا ولا نصطاد صيدًا ولا طيرًا، ونتعلم العبودية ونتعلم الرحمة بكل الكائنات من حولنا، وهذا درس إذا ما عدنا إلى بلادنا، هل بقي معنا منه شيء؟!

فنحن نرجم إبليسًا واحدًا سبعين مرة، ويحول ربنا سبحانه وتعالى هذه الحصيات إلى جمرات، هل تعلمون ما الجمرة؟!، إنها قطعة من نار، والعجيب أن الشيطان المخلوق من نار تحرقه هذه الجمرة الصغيرة، وهي لا تحرقه بتأثيرها المادي، بل تحرقه بما غلفتها به من يقينٍ في قلبك بسلطان الله عز وجل.. (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) (الأنفال: من الآية 17)
إخوتي وأخواتي وأحبابي في الله، رب العزة معكم يؤيد عملكم البسيط الصغير، ويحول هذه الحصية إلى جمرة من نار، تحرق هذا الشيطان المخلوق من نار، أهذا جهدك؟، أهذا تأثير الحصية؟، بل إنه فعل الله عز وجل الذي توجهت إليه باليقين وقلت "طاعةً للرحمن ورجمًا للشيطان".

تذكر هذا، وعندما تعود لبلدك وتواجهك المشاكل ويواجهك أعداء الأمة، فقد قال لك رب العزة في حديثه القدسي: "ما من عبدٍ من عبادي يعتصم بي دون أحد من خلقي، أعلم ذلك من نيته، فتكيده السماوات والأرض، إلا جعلت له من بين ذلك مخرجًا".

هلا توحدت الأمة على إرضاء ربها والحرص على الجنة كما يحرص الناس على دنياهم، هلا توحدت الأمة مشاعرَ وأجسادًا، وعلمت أن عدوها يريد تفتيت صفِّها وتمزيق وحدتها، لأنه يعلم أن سر قوتها في وحدتها.

هل تعلمون أن الله حرَّم الجدال في الحج؛ لأن هذا الجدال يُوغر الصدور، فإذا ما حرم الجدال، فهل يكون الصراع والخلاف والتنابذ والغيبة والنميمة أقل تحريمًا من الجدال؟!!.

هل علمتم أن رب العزة يجمع هذه النفوس ويجعل لها من كل العبادات ما يُوحِّد لها صفها، وهي ترفض أن تتوحد؟ بل وتقدم الشكل في العبادات على الجوهر؟.

أبدًا، فالهدف من كل هذه الشعائر هو توحيد الأمة، ولا يمكن أن تؤدي أبدًا إلى فرقة الأمة، بل نكون نحن السبب في هذه الفرقة.

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤكد علينا ويقول لنا: "اقرءوا القرآن ما اجتمعت عليه قلوبكم، فإن اختلفتم عليه فقوموا"، إنما جاء القرآن ليوحدكم، فإن كان سببًا في خلافكم فقوموا لا تقرءوا القرآن؛ لأنكم بهذا حوَّلتم القرآن عن هدفه الذي أنزله الله عز وجل (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) (الإسراء: من الآية 9)، و(هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ) (فصلت: من الآية 44) هدى معنويًّا وشفاءً ماديًّا ومعنويًّا، هكذا يكون القرآن، وإن لم يكن كذلك، فالعيب فينا وفي تلاوتنا وفي اتباعنا ألا نكون قرآنًا يمشي على الأرض كما كان حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم.

احرصوا على موسم حجٍ هادئ، تنعم فيه الأمة بالرحمة والشفقة، وانتفعوا من كل التيسيرات التي جزى الله- عزَّ وجلَّ- عنها كل من قدمها في هذه البقاع المقدسة لعباد الله وحجاج الله وزوار بيت الله وعمار بيت الله، هكذا يكون رب العزة في قلوبنا وتكون عبادات رب العزة سبحانه وتعالى، دافعًا لنا بترتيب الأولويات بوحدة الأمة واجتماعها، بل قد قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن "إصلاح ذات البين أعلى درجة من الصلاة والصيام والقيام"، هكذا يكون وهكذا تكون الدروس .

ونحن- بعيدًا عن هذا الموسم الكريم- ولم يكتب لنا أن نكون من بين حجاج بيت الله الحرام وعماره وزوار مسجد حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة، ندعو لكم أيها الحجاج وتدعون لنا، وأولى الدعوات المستجابة عند الله عزَّ وجلَّ هي دعوة الأخ لأخيه بظهر الغيب أن يردكم ربي سبحانه وتعالى سالمين غانمين معافين مقبولي الدعاء مقبولي الحج والعمرة، وهكذا يكون دعاؤنا لكم ودعاؤكم لنا لله عز وجل ونحن على يقين بالإجابة.

ثم أيضًا، ونحن هنا نستطيع أن ننتفع بهذه العشرة أيام المباركة بأعمال البر والخير، وأعلاها من درجة الصيام والقيام والصلاة والزكاة التي أحيانًا يحرص عليها المسلمون، وهذا أمر طيب، لكن أن يقدم عليها شيء أهم منها، فهو الترتيب في فقه الأولويات "إصلاح ذات البين".

فلا يُعقل أن نكون صائمين في هذه العشر من ذي الحجة، ونقدم الأضحيات، ثم نجد فرقة المسلمين هي السائدة وصراعات المسلمين هي المشهد الذي نراه الآن، فهل يُعقل أن نُقدِّم هذه الشكليات على هذا اللب وهذه القضية الأصلية "وحدة أمة الإسلام ونبذ الخلافات والفرقة ولم شمل المسلمين وإصلاح ذات بينهم"؟؟ وهذي أعلى عند الله من درجة الصلاة والصيام والزكاة.

ولهذا أقول: يا كل مَن تستطيع من حكماء وعقلاء المسلمين: ألِّف بين المسلمين واجمع شملهم، وأصلح ذات بينهم، كل على قدر استطاعته، فهذه هي الدرجة الأولى في وحدة المسلمين بدوائر الأمة، كل في مكانه، ينفع بها ربي عز وجل، فإن أنهار الدنيا من قطرات المطر، إذا ما جمعت مجهوداتها.

وبإذن الله سبحانه و تعالى أمة منتصرة ورب غفور وبلاد طيبة، تعود خيراتها إلى أهليها، وحرياتها إلى أيدي شعوبها، وبعزة الله عز وجل ونصرته ووحدة هذه الأمة يجعل ربنا عدونا يهابنا كما كان ويعمل لنا ألف حساب، بحيث قد أخرجنا من قلوبنا حب الدنيا وكراهية الموت، فنزع الله عز وجل حب الدنيا من قلوبنا، ثم ألقى في قلوب أعدائنا الرعب والخوف من هذه الأمة ويعمل لها ألف حساب، لأنه قد نزع من قلوبهم الخوف منا عندما غرس في قلوبنا الوهن بحب الدنيا وكراهية الموت .

فهيا بنا نتعلم من هذه الشعيرة ومن هذا الحج ونحن فيه أو بعيدون عنه هذه الدروس، ونجعلها واقعًا في حياتنا نحقق بها لأمتنا عبوديًّة لله عز و جل، وتآلفًا وحبًا وتراحمًا، ثم طاعةً لله عز وجل وخدمةً للبشرية، ورحمةً للعالمين.

وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته وتقبل الله منا ومنكم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، وكل عام وأنتم بخير وعافية ورضًا وطاعة ورحمة من الله عز وجل ونصر وتأييد وتمكين بفضله سبحانه وتعالى الذي بنعمته تتم الصالحات.

هذا المنشور نشر في رسالة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s