مصادر التشريع الجنائي الإسلامى –القرآن

1_200945_3963 

نواصل القراءة فى موسوعة التشريع الجنائى فى الإسلام للشهيد عبد القادر عوده ويتحدث فى هذا الفصل عن مصادر التشريع الجنائى فى الشريعة الإسلامية فيقول :

أما مصادر التشريع الإسلامي الجنائي المقرر للجرائم والعقوبات فأربعة فقط، منها ثلاثة متفق عليها وهي: (1) القرآن (2) السنة (3) الإجماع. أما الرابع فهو القياس، وقد اختلف فيه الفقهاء، فرأى البعض أنه مصدر تشريعي جنائي، ورأى البعض الآخر أنه ليس مصدراً في تقرير الجرائم والعقوبات.

ويجب أن نلاحظ الفرق الهام بين القرآن والسنة من ناحية وبين غيرهما من المصادر من ناحية أخرى. فالقرآن والسنة هما أساس الشريعة، وهما اللذان جاءا بنصوص الشريعة المقررة للأحكام الكلية. أما بقية المصادر فهي لا تأتي بأسس شريعة جديدة، ولا تقرر أحكاماً كلية جديدة وإنما هي طرق للاستدلال على الأحكام الفرعية من نصوص القرآن والسنة، ولا يمكن أن تأتي بما يخالف القرآن والسنة، لأنها تستمد منهما وتستند إلى نصوصهما.

القرآن

نقل القرآن إلينا بطريق التواتر كتايةً ومشافهة، والتواتر يفيد الجزم والقطع بصحة المنقول، والنقل بطريق التواتر يفيد القطع واليقين

وإذا كانت نصوص القرآن قطعية فإن دلالتها على معانيها قد تكون قطعية وقد تكون ظنية

مثال لقطعية النص القرآنى مثل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} [النور: 4] فدلالة ثمانين على العدد قطعية، ودلالة أبداً على التأبيد قطعية.

مثال للظنى الدلالة كقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} [البقرة: 228] فلحفظ القرء قد يعني الحيض وقد يعني الطهر، ومن ثم فدلالته على معناه ظنية لا قطعية، إذ من المحتمل أن يكون المراد من اللفظ الحيض، ومن المحتمل أن يكون المراد الطهر.

فإن كان النص دالاً على معناه ولا يحتمل التأويل كانت دلالته قطعية،وإن كان النص دالاً على معناه ولكنه يحتمل التأويل كانت دلالته ظنية

وأحكام اقرآن على نوعين:

أحكام يراد بها إقامة الدين وهذه تشمل أحكام العقائد والعبادات

وأحكام يراد بها تنظيم الدولة والجماعة، وتنظيم علاقة الأفراد بعضهم ببعض، وهذه تشمل أحكام المعاملات والعقوبات والأحكام الشخصية والدستورية والدولية…إلخ.

وأحكام القرآن على تنوعها وتعددها أنزلت بقصد إسعاد الناس في الدنيا والآخرة، ومن ثم كان لكل عمل دنيوي وجه أخروي، فالفعل التعبدي أو المدني أو الجنائي أو الدستوري أو الدولي له أثره المترتب عليه في الدنيا من أداء الواجب، أو إفادة الحل والملك أو إنشاء الحق أو زواله، أو توقيع العقوبة، أو ترتيب المسئولية

من أهم من تعرض لهذه النقاط فى الشريعة الإسلامية الدكتور أحمد الريسونى فى كتابه الكليات الكبرى للشريعة وقد نقلت بعض كلامه فى تأملات فى سورة الطلاق

نعود لموسوعة التشريع الجنائى الإسلامى :  

ومن يتتبع آيات الأحكام يجد كل حكم منها يترتب عليه جزاءان: جزاء دنيوي، وجزاء أخروي،

ويجعل للقتل جزاءين أحدهما دنيوي، والثاني أخروي، فأما جزاء الدنيا فهو القصاص، وأما جزاء الآخرة فهو العذاب الأليم، وذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 178]، والعذاب الأليم هو عذاب الآخرة، يؤيد ذلك قوله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93]، ويؤيده أن القصاص عقوبة الدنيا على الاعتداء.

وجزاء قطع الطريق أو الحرابة: القتل والقطع والصلب والنفي؛ عقوبة دنيوية والعذاب العظيم عقوبة أخروية، وذلك قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 33].

وجزاء السارق: القطع في الدنيا، والعذاب في الآخرة، لقوله تعالى: { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ *فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم} [المائدة: 38، 39]، والمقصود التوبة بعد العقوبة الدنيوية، ولا يتوب بعد عقابه إلا من كان مسئولاً مسئولية أخروية

وإشاعة الفاحشة ورمي المحصنات له عقوبة في الدنيا وعقوبة في الآخرة، حيث يقول جل شأنه: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة} [النور: 19]، ويقول: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ *يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ} [النور 23، 25].

و الزنا له عقوبتان أيضاً إحداهما في الدنيا والثانية في الآخرة، فيقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا *يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا *إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الفرقان: 68، 70].

وأكل أموال اليتامى معاقب عليه في الدنيا والآخرة، وذلك قوله تعالى: {وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} [النساء: 2]، وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10].

وأكل الربا له عقوبتان؛ الأولى في الدنيا والثانية في الآخرة، وذلك قوله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 275].

ولم تشرع أحكام الشريعة الإسلامية للدنيا والآخرة عبثاً، وإنما أقتضى ذلك منطق الشريعة. فهي في أصلها تعتبر أن الدنيا دار أبتلاء وفناء، وأن الآخرة دار بقاء وجزاء، وأن الإنسان مسئول عن أعماله في الدنيا ومجزى عنها في الآخرة، فإن فعل خيراً فلنفسه، وإن أساء فعليها، والجزاء الدنيوي لا يمنع من الجزاء الأخروي إلا إذا تاب الإنسان وأناب.

أحكام الشريعة لا تتجزأ: وأحكام الشريعة لا تتجزأ ولا تقبل الانفصال، وليس ذلك فقط لما ذكرناه من أن التجزئة تخالف الغرض من الشريعة، وإنما لأن نصوص الشريعة نفسها تمنع من العمل ببعضها وإهمال البعض الآخر، كما تمنع من الإيمان ببعضها والكفر ببعض، وتوجب العمل بكل أحكامها والإيمان إيماناً تاماً بكل ما جاءت به، فمن لم يؤمن بهذا ويعمل به دخل تحت قوله تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ} [البقرة: 85].

وتمتاز الشريعة الإسلامية عن الشرائع الوضعية بميزات عظيمة هي أن أحكامها شرعت للدنيا والآخرة. وهذا هو السبب الوحيد الذي يحمل معتنقيها على طاعتها في السر والعلن والسراء والضراء؛ لأنهم يؤمنون بأن الطاعة نوع من العبادة يقربهم إلى الله، وأنهم يثابون على هذه الطاعة، ومن استطاع منهم أن يرتكب جريمة ويتفادى العقاب الدنيوي فإنه لا يرتكبها مخافة العقاب الأخروي وغضب الله عليه.

وتفرض الشريعة على معتنقيها أن يؤمنوا بأنها من عند الله، وأنها أصلح نظام وأعدله، ومن ثم فهم لا يعدلون بها نظاماً آخر، ويترتب على هذا أن لا تجد مؤمناً بالدين الإسلامي يرضي بأي نظام مخالف له أو خارج عليه، كالشيوعية وما أشبه، بينما تجد من تطبق عليهم القوانين الوضعية يقيسون الأنظمة بمقياس المصلحة المادية العاجلة، فيستشرفون إلى كل نظام جديد، ويتطلعون إلى الأخذ بكل ما يرونه أفضل من نظامهم أو مما يمكنهم من الجاه والمال والسلطان، ومن ثم يعيشون غير مستقرين على مبدأ ولا نظام.

فمزج الشريعة بين أحكام الدنيا والدين وإيمان المسلمين بها ضمن للشريعة الاستمرار والثبات، وبث في المحكومين روح الطاعة والرضاء، ودعاهم إلى التخلق بالأخلاق الكريمة، وجعل للشريعة قوة في الردع ليست لأي قانون وضعي آخر مهما أحكم وضعه وأحسن تطبيقه وتنفيذه

هذا المنشور نشر في دعوى, سلسلة تربوية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s