التدرج في تطبيق الشريعة الإسلامية.. مفهومه وضوابطه

 10 

بقلم: د. عطية فياض

لا شك أن تحكيم الشريعة الإسلامية وتطبيق أحكامها أمر واجب، وفرض لازم، وحكم قاطع ثابت بالأدلة الصحيحة من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، ولا خيار لمسلم ولا مسلمة ولا لمجتمع من المجتمعات في ذلك، ومن اختار شرعًا غير شرع الله أو بدل وعطل فقد أوقع نفسه في غضب الله ومقته وسخطه فضلاً عما يلحقه في الدنيا من شقاء وعنت ومشقة وحرج، والنصوص كثيرة في ذلك مما يبين أن تحكيم الشريعة الإسلامية من لوازم الإيمان ومقتضى الإسلام، قال تعالى (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا (65)) (النساء).

ومن خصائص أحكام هذه الشريعة أنها كلٌّ متحد مترابط متناسق، يؤخذ جملةً وتفصيلاً دون انتقاء وتشهٍ، ولا يمكن أن تستقيم معاملات الناس وفق الشريعة دون عقيدة صحيحة وأخلاق قويمة، وعبادة سليمة، وقد وضعت هذه الأحكام منسجمة مع بعضها الآخر، مكملة له، فالفصل بين أحكامها بتر لها وإخراج لها عن مسارها الصحيح، كما يقول الشيخ شلتوت: "العقيدة في الوضع الإسلامي هي الأصل الذي تبنى عليه الشريعة، والشريعة أثر تستتبعه العقيدة، ومن ثمّ فلا وجود للشريعة في الإسلام إلا بوجود العقيدة، ولا ازدهار للشريعة إلا في ظل العقيدة، ذلك أن الشريعة بدون العقيدة علو ليس له أساس، فهي لا تستند إلى تلك القوة المعنوية التي توحي باحترام الشريعة ومراعاة قوانينها، والعمل بموجبها دون حاجة إلى قوة من خارج النفس".

وفي مقابل هذه الأحكام الجلية هناك واقع مرير للأمة في علاقتها بالشريعة الإسلامية ليس وليد اليوم، وإنما ابتدأ منذ أكثر من قرنين، واشتد بأسه مع سقوط الخلافة الإسلامية على أيدي العلمانيين، الذي حرصوا من خلال تربعهم على عرش كثير من الحكومات العربية والإسلامية أن يحدثوا خللاً في البنية الفكرية للشعوب الإسلامية، لتعيش في فصام نكد بين ما تؤمن به وتعتقده، وما تطبقه في حياتها من مناهج وأنظمة، فبينما تعتقد أن الله سبحانه وتعالى هو الخالق المدبر الحكيم العليم اللطيف الخبير، وتؤمن بالقرآن وما فيه من آيات وأحكام لكنها في كثير من مجالات حياتها تخالف ما تؤمن به وما تعتقده إن لم يتزلزل إيمانها الكامل ببعض الأحكام حيث لا تعدم نفرًا من المسلمين يتكلمون عن الربا وكأنه المنقذ للاقتصاد، ويستبشع تطبيق الحدود، ولا يجد غضاضة في التحاكم إلى القوانين الوضعية، بل ويعتبرها هي المرجعية والحضارة، وزاد من تجذر هذا الفصام أن الدول التي تعلن تطبيقها للشريعة الإسلامية لم تقم بالتطبيق الكامل بحيث تقدم نموذجًا مغريًا يدفع حتى ولو لمحاكاتها إنما للأسف شوهت الشريعة الإسلامية بتطبيقها الخاطئ.

في ظل هذا الواقع بدت مسألة من المسائل المهمة التي تواجه الحركات الإسلامية الصاعدة والتي تتبنى الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية بالكامل، فماذا عساها أن تفعل أمام هذا الواقع المر، فهل تقوم بفرض الشريعة الإسلامية بالكامل من خلال القوانين التي تصدرها المجالس البرلمانية التي يشكل الإسلاميون فيها الأغلبية، وتعمل الحكومة على فرض الالتزام بها بقوة القانون وإجبار السلطة التنفيذية؟ أم يطبق ما تقدر عليه الدولة حسب ظروفها وإمكاناتها في الوقت الذي تعمل فيه على إزالة العوائق أمام الأحكام التي يتعذر عليها تطبيقه في الحال؟

إزاء هذا الجدل برز موضوع "التدرج في تطبيق الشريعة الإسلامية" فهل هناك تدرج في التطبيق أم أن التدرج قد انتهى بكمال الشريعة وتمام نزولها وانقطاع الوحي، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يكون التصرف مع هذا الواقع؟

نبين أولا معنى التدرج، وبيان صوره وأشكاله، ثم بيان كيفية التعامل مع هذا الواقع من منطلق قواعد الشريعة وأصولها.

معنى التدرج:

التدرج، تفعل من "درج" التدرج في اللغة: من دَرَجَ من باب دخل، ودرج الشيء يدرج درجًا ودَرَجانًا أي مشى مشيًا ضعيفًا، ودنا، ومضى لسبيله، ودرجه إلى كذا واستدرجه بمعنى: أدناه منه على التدريج فتدرّج، واستدرجه: رقاه من درجة إلى درجة، وأدناه على التدريج فتدرّج هو، كدرَّجه إلى كذا تدريجًا: عوده إياه كأنما رقاه منزلة بعد أخرى، والتدرج أخذ الشيء قليلاً قليلاً.

ومن ثم يمكن القول بأن التدرج: أخذ الأمور شيئًا فشيئًا، وقليلاً قليلاً، وعدم تناول الأمور دفعة واحدة.

وهذا المعنى هو الذي حرصت عليه الشريعة الإسلامية ودلت عليه نصوص القرآن والسنة، بل نزول القرآن الكريم منجمًا على ثلاث وعشرين سنة أبلغ دليل على اتباع الشريعة هذا المنهج في تثبيت الأحكام، قال تعالى (وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً (106)) (الإسراء)، وقال تعالى (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (32)) (الفرقان)، وفي الصحيح من حديث البخاري وغيره عن عائشة رضي الله عنها "إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل لا تزنوا لقالوا لا ندع الزنا أبدًا، لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم وإني لجارية ألعب (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (46)) (القمر). وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده..".

ولذلك وجدنا تدرجًا في التشريع من حيث الزمان إذ استغرقت عملية التشريع حتى اكتملت ثلاثًا وعشرين سنة، ومن حيث الأحكام تم البدء بالعقيدة والقيم الأخلاقية وتلتها الأحكام العملية، وتم بناء الفرد أولاً ثم بناء الدولة ثانيًا وهكذا، بل وعلى مستوى الحكم الواحد راعى الإسلام التدرج فيه وأمثلته كثيرة.

وهذا المنهج الإسلامي في التغيير هو الذي يستقيم مع طبيعة النفس التي خلقها الله سبحانه وتعالى وتتسم بسمات تستعصي معها على أن تقهر على شيء لا تريده ولا تستوعبه.
لكن هذا التدرج المشار إليه آنفًا قد انتهى ولا مجال للقول باتباعه وبنفس الطريقة لأن هذا يتعارض تعارضًا كاملاً مع قوله تعالى  (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) (المائدة: من الآية 3)، ولو قلنا بالتدرج في التشريع لكان معناه نسخ بعض الأحكام، وقد انتهى زمان النسخ.

ومن ثم فإن القول بالتدرج في التطبيق يجب أن يخرج منه وباتفاق الجميع التدرج في التشريع بمعنى الحكم على شيء ما بأنه مباح ثم بعد وقت يحكم عليه بأنه حرام، أو الحكم بإباحة شيء ما ثم يحكم عليه بالوجوب بعد ذلك، وهذه ليست محل نزاع ولا خلاف بين عقلاء الأمة علماؤها وغير علمائها.

لكن تبقى صورتان لهما علاقة بالتدرج:

الأولى: التدرج في الدعوة والبلاغ، ومعناه: بيان الأحكام الشرعية للناس شيئًا فشيئًا، لتتم معرفتهم، واستيعابهم لها، وإدراكهم لحقيقتها، والتدرج فيها من الأصول إلى الفروع، ومن الأيسر إلى ما يليه، ومن السهل إلى الأشد، ومن القريب لأذهانهم إلى ما بعد عنهم، وهذا واجب العلماء والدعاة خاصة، وما يجب أن يتوقف هذا العمل ولا تلك السنة، وهذا هو ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا عندما أرسله إلى اليمن في حديث الصحيحين عن ابن عباس أن معاذًا قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب".

الثانية: تطبيق ما تستطيع الدولة أو الأفراد تطبيقه مما تعد القدرة شرطًا في القيام به، ويسقط مع العجز، أو يخفف حكمه، أو يترخص فيه على حسب درجة العجز، ومن ثم فما لا يمكن القيام به ولا القدرة عليه يؤجل تطبيقه إلى حين استيفاء شرطه وانتفاء موانعه، وألا يؤدي تطبيقه إلى مفسدة أعظم من المصلحة التي تترتب على تطبيقه، وكل من شرط القدرة على القيام بالتكليف وانتفاء العجز، والموازنة بين المصالح والمفاسد، من الأمور المعتبرة عند تطبيق أحكام الشرع.

ولذلك فإنه يجب بحث هذه المسألة في إطار شرط القدرة على القيام بالتكاليف، أو في باب فقه الموازنات، وليس تحت مسألة التدرج؛ فهذا هو الباب الرئيس لها وليس باب التدرج.

وقبل الحديث عن القواعد الحاكمة لهذه المسألة فإنه يجب توافر عدة أمور:

أ- الإيمان الكامل بوجوب تطبيق الشريعة الإسلامية وصلاحيتها للتطبيق في جميع مجالات الحياة.

ب- وجود نية ورغبة صادقة لتطبيق الشريعة الإسلامية، وليس التفافًا لتعطيلها والتحايل عليها بدعوى عدم القدرة.

ج- وجود خطة لاستكمال تطبيق الشريعة الإسلامية في المجالات التي تعجز الدولة أو الأفراد عن القيام به.

د- وجود عجز حقيقي لا مجرد أعذار واهية.

هـ- ألا يؤجل تطبيق الأحكام التي يقدر على تطبيقها انتظارًا لمرحلة التطبيق الكامل، لحديث الصحيحين واللفظ لمسلم "فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه"

أما عن اعتبار القدرة والاستطاعة شرطًا في القيام بالتكليف فهو أمر بدهي تدل عليه الأدلة وتشهد له القواعد، ومن ذلك: قوله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (التغابن: من الآية 16)، ولحديث "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" ومنها ما ورد في الصحيح "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه ومن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" فهنا اعتد النبي صلى الله عليه وسلم بالقدرة كشرط للتغيير، وتدرج بالمكلف من حالة إلى حالة بحسب استطاعته

وقد ورد عن كثير من الفقهاء أقوال وقواعد صاغوها من هذه الأدلة:

قال القرافي "يشترط في خطاب التكليف علم المكلف وقدرته على ذلك الفعل"، وقال ابن حزم: "فأما ما عجز عنه فساقط، وأما ما لم يعجز عنه فباقٍ على وجوب الطاعة له".

وقد صاغ القرافي قاعدة على ذلك فقال "والقاعدة أن المتعذِّر يسقط اعتباره، والممكن يستصحب فيه التكليف".

كما أن اعتبار مآلات التطبيق، بحيث لا يترتب على تطبيق حكم مفسدة أعظم من المصلحة من تطبيقه فيشهد له ما صح عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها "يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض وجعلت لها بابين بابًا شرقيًّا وبابًا غربيًّا وزدت فيها ستة أذرع من الحجر فإن قريشًا اقتصرتها حيث بنت الكعبة".

وهذا الحديث يعتبر أصلاً عظيمًا في هذا الباب؛ إذ راعى النبي صلى الله عليه وسلم مآلات الأمور فعندما غلب على ظنه أن الفعل المشروع يحدث فتنة في القوم امتنع عنه درءًا للمفسدة، وهو ما فعله عمر في تقسيم أرض السواد إذ امتنع عن تقسيمها بين الفاتحين وتركها بيد أهلها يدفعون عنها خراجًا.

وروي قريب مما تقدم عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله كما رواه ابن الجوزي أن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز دخل على أبيه أمير المؤمنين الخليفة الراشد الخامس وقت قيلولته يستعجله بردّ المظالم إلى أهلها، فقال له عمر: يا بني، إن نفسي مطيتي، إن لم أرفق بها لم تبلغني، إني لو أتعبت نفسي وأعواني لم يكن ذلك إلا قليلاً حتى أسقط ويسقطوا، وإني لأحتسب في نومتي الأجر مثل ما أحتسب الذي في يقظتي، إن الله لو أراد أن ينزل القرآن جملة لأنزله، لكنه أنزل الآية والآيتين حتى استكنّ الإيمان في قلوبهم.

– وروي أن ابنه عبد الملك قال له: يا أبت لم لا تنفذ الأمور؟ فوالله لا أبالي في الحق لو غلت بي وبك القدور! فقال له عمر رضي الله عنه: "لا تعجل يا بني، فإن الله ذمّ الخمر في القرآن مرّتين وحرمها في الثالثة، وأنا أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة فيدفعوه وتكون فتنة".

– وروي عنه قوله "لو أقمت فيكم خمسين عامًا ما استكملت فيكم العدل، إني لأريد الأمر وأخاف أن لا تحمله قلوبكم، فأخرج معه طمعًا من الدنيا، فإن أنكرت قلوبكم هذا سكنت إلى هذا".

– وروي عنه قوله: "ما طاوعني الناس على ما أردت من الحق، حتى بسطت لهم من الدنيا شيئًا".

– وسئل الإمام مالك رحمه الله تعالى عن الرقيق العجم، يُشترون في شهر رمضان وهم لا يعرفون الإسلام ويرغبون فيه، لكن لا يفقهون ما يُراد منهم، فهل يُجبرون على الصيام أم يُطعمون؟ فقال: أرى أن يُطعموا ولا يمنعوا الطعام ويرفق بهم حتى يتعلموا الإسلام، ويعرفوا واجباته وأحكامه".

وقال ابن تيمية: "خاطب الله المؤمنين بالحدود والحقوق خطابًا مطلقًا كقوله: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ) – وقوله: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا) – وقوله: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ) – وكذلك قوله: (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا)- لكن قد علم أن المخاطب بالفعل لا بد أن يكون قادرًا عليه والعاجزون لا يجب عليهم وقد علم أن هذا فرض على الكفاية وهو مثل الجهاد، بل هو نوع من الجهاد- إلى أن قال- رحمه الله: والأصل أن هذه الواجبات تقام على أحسن الوجوه، فمتى أمكن إقامتها من أمير لم يحتج إلى اثنين، ومتى لم يقم إلا بعدد ومن غير سلطان أقيمت إذا لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها، فإنها من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن كان في ذلك من فساد ولاة الأمر أو الرعية ما يزيد على إضاعتها لم يدفع فساد بأفسد منه".

ويقول: "فالواجب على المسلم أن يجتهد وسعه، فمن ولي ولاية يقصد بها طاعة الله وإقامة ما يمكنه من دينه ومصالح المسلمين، وأقام فيها ما يمكنه من ترك المحرمات، لم يؤاخذ بما يعجز عنه، فإن تولية الأبرار خير للأمة من تولية الفجار".

ومن القواعد التي صاغها الفقهاء لضبط الأحكام المتقدمة:

قال القرافي: "إذا تعارضت المفسدة الدنيا والمفسدة العليا فإنا ندفع العليا بالتزام الدنيا"، وقال الزركشي في المنثور: "قاعدة: تعارض المفسدتين، قال ابن عبد السلام: أجمعوا على دفع العظمى في ارتكاب الدنيا". وقال ابن دقيق العيد: "من القواعد الكلية أن تدرأ أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما إذا تعين وقوع إحداهما…. وأن يحصل أعظم المصلحتين بترك أخفهما إذا تعين عدم إحداهما"، وعند السيوطي وابن نجيم: "إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما، ونظيرها: قاعدة خامسة، وهي  "درء المفاسد أولى من جلب المصالح"، فإذا تعارض مفسدة ومصلحة؛ قدم دفع المفسدة غالبًا، لأن اعتناء الشارع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات.. وقد يراعى المصلحة، لغلبتها على المفسدة.

وكل قاعدة من هذه القواعد لها أدلتها وتطبيقاتها الفقهية المتعددة حتى أن العز بن عبد السلام أورد أكثر من ستين مثالاً للأفعال المشتملة على مصالح ومفاسد وشرع فيها ارتكاب الأقل مفسدة لدفع الأعظم مفسدة، وترك المصلحة الدنيا لتحصيل المصلحة العليا.

ومن ثم فإذا كنت القوانين الحاكمة لبعض الأمور من المفاسد والمناكير فإن شرط تغييرها يجب أن يكون إلى الأصلح والمعروف فإن كان تغييرها يؤدي إلى ما هو أفسد من بقائها تركت، وبالطبع فإن الأفسد إنما يكون في طريقة تطبيق الحكم الشرعي.

ومن القواعد المهمة أيضًا في هذا الباب: قواعد إزالة الضرر، حيث قيد الفقهاء إزالة الضرر، وهو واجب شرعي بألا يزال بضرر مثله أو أكبر منه بل يزال بالمعروف والضرر الأخف.

ومن ثم فإذا كنا أمام تشريعات وضعية أوجدت مراكز قانونية لعشرات السنين، وأسس بموجبها الكثير من المؤسسات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وتدرب على العمل بموجب تلك القوانين رجالات في القضاء والسياسة والشرطة ونحوها، وبسبب غياب الشريعة الإسلامية لم تنضج كثير من الاجتهادات في مجال السياسة والحكم ويحتاج الأمر إلى المزيد منها وتنقيح ما هو موجود ففي مثل هذه الحالة يكون التطبيق الفوري في المجالات التي لها علاقة بما ذكر أفسد من ترك التطبيق.

ولو أخذنا أنموذج العلاقة بين المالك والمستأجر في مصر والذي حددته قوانين صدرت منذ أكثر من خمسين عامًا والتي تم بموجبها تأبيد عقد إيجار المساكن وتثبيت القيمة الإيجارية عند مستوى معين يتندر عليه الجميع، فلو أردنا تصحيح مثل هذه العلاقة وفقًا لأصول الشريعة وقواعد الفقه وقمنا بإخراج المستأجرين من مساكنهم فورًا دون تدبير مأوى لساكني هذه البيوت لأدى ذلك إلى مفسدة أعظم من مفسدة تأجيل تصحيح هذه الأوضاع الخاطئة، ومثل ذلك يقال في شأن المؤسسات الربوية إذ لا يتصور تحويلها إلى مؤسسات اقتصادية إسلامية بمجرد قانون أو قرار إداري؛ لأن الأمر يحتاج إلى تغيير الفلسفة التي تنطلق منها هذه المصارف وليس مجرد تثبيت سعر الفائدة أو تغييره،  ومثله أيضًا في تأهيل القضاة ومنفذو الأحكام إذ يحتاجون إلى دربة وتحصيل خبرة بقواعد الشريعة وروحها ومقاصدها قبل أن تصاغ لهم قوانينها في شكل مواد، ويسبق ذلك أو يتزامن معه النظر في مناهج التعليم والتربية ووسائل الإعلام لتقوم بعملية الإعداد والتوجيه والتثقيف، وهذا كله وفق خطة مدروسة محددة.

يقول الدكتور يوسف القرضاوي: "ولا نعني بالتدرج هنا مجرد التسويف وتأجيل التنفيذ واتخاذ كلمة التدرج "تكأة" للإبطاء بإقامة أحكام الله، وتطبيق شرعه، بل نعني بها: تحديد الأهداف بدقة وبصيرة، وتحديد الوسائل الموصلة إليها بعلم وتخطيط دقيق، وتحديد المراحل اللازمة للوصول إلى الأهداف بوعي وصدق بحيث تسلم كل مرحلة إلى ما بعدها بالتخطيط والتنظيم والتصميم حتى تصل المسيرة إلى المرحلة المنشودة والأخيرة التي فيها قيام الإسلام كل الإسلام".

ويلاحظ أن ثمت أحكامًا لا يمكن دخولها في هذه الخطة المذكورة إنما يجب البدء فيها فورًا، وهي تلك الأحكام المتعلقة بالعقيدة وما يتعلق بها من أحكام؛ ومن ثم فإن النص على أن دين الدولة هو الإسلام، وأن الشريعة الإسلامية هي المرجعية التشريعية والثقافية والحضارية للأمة من الأمور التي لا يجوز التهاون فيها، ولا الخجل من إعلانها للدنيا كلها، ويضاف إلى ذلك أيضًا ما هو معلوم من الدين بالضرورة في باب المأمورات أو في باب المنهيات، ومن ثم فإن الإبقاء على نصوص المواد التي لا تجرم الزنا إلا إذا اقترن بحالة إكراه، أو استغلال لصغر سن أو ضعف تمييز لا بد من إزالتها وتعديلها ولا يمكن التدرج فيها بحال من الأحوال، ويقال مثل ذلك في نظائره.

أما غير ما تقدم فيخضع للسياسة الشرعية التي تنتهجها الدولة في ترتيب أولويات التطبيق والتي تقوم على فقه مراتب الأعمال، وترتيب المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية.

وختامًا يجب التأكيد أن وضع هذه الخطة وتنفيذها التي تحقق شرط القدرة على تطبيق الشريعة الإسلامية، وإزالة العوائق التي تحول دون تطبيقها من الأمور التي يجب أن تسعى الأمة كلها إلى تحصيلها، القادر منهم وغير القادر، من هم في سدة الحكم ومتخذي القرار ومن هم في مقام التوجيه والتعليم، ومن هم من عامة الناس أو كانوا ممن يطلق عليهم النخبة، وكل له دوره ولا يعذر أحد في ترك شريعة الله سبحانه وتعالى مهملة مضيعة؛ لأن هذا هو المنكر الأكبر التي يجب أن تتضافر جميع الجهود لتغييره بكافة الوسائل المقدور عليها، والميسور منها لا يسقط بالمعسور.

المصدر

هذا المنشور نشر في الفقة الحركي, دعوى. حفظ الرابط الثابت.

رد واحد على التدرج في تطبيق الشريعة الإسلامية.. مفهومه وضوابطه

  1. يقول احمد عطيات ابو المنذر:

    الرد على دعوى التدرج في تطبيق الشريعة
    فالوا :
    أنه لابد من التدرج في تطبيق الشريعة في المجتمع الاسلامي المعاصر اذ لا يمكن تطبيقها تطبيقا كاملا في هذا المجتمع-ولا سيما اقامة الحدود الشرعية- الا بعد تهيئته من جميع النواحي : السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية ولذا فان الشريعة لم تطبق تطبيقا كاملا في أي مرحلة من مراحل التاريخ الاسلامي بما فيها المرحلة الأولى منه في عصر النبي صلى الله عليه وسلم
    الرد عليها:
    الاحتجاج بهذه الشبهة للحيلولة دون تطبيق الشريعة تطبيقا كاملا في المجتمع الاسلامي المعاصر باطل من وجوه عدة :
    الوجه الأول:
    ان عهد التدرج في أخذ المسلمين بأحكام التشريع قد انتهى بتكامل الاسلام وبنزول قوله عز وجل ((اليوم أكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا)) المائدة الآية3
    الوجه الثاني :
    ان تطبيق الشريعة الالهية لا يراد منه اصلاح المجتمع الانساني فحسب بل هو تنفيذ أمر الله وتحقيق العبودية له فالمسلم لا ينظر الى تطبيق الشريعة على أنه مجرد احلال نظام جديد صالح محل نظام ثبت عدم صلاحيته بل ينظر اليه-أيضا-نظرة ايمانية وهي : أنه أمر من الله تعالى واجب التنفيذ لا يصح التوقف فيه لأي مبرر كان سواء كان المجتمع مهيئا أو غير مهيئ كما أن الأخذ به وتطبيقه من لوازم الايمان بالله تعالى ومن لوازم الاقرار بحاكميته على عباده والانقياد له فيما أمر والانتهاء عما نهى عنه
    الوجه الثالث :
    أنه ينبغي هنا التنبه الى الفرق بين أصل وضع الشريعة وبين وضع القوانين البشرية فالشريعة الاسلامية شريعة الهية تختلف في اصل وضعها عن القانون البشري القاصر فقد فرضها الحكيم العليم لا لتنظيم شؤون المخلوقين العاجلة فحسب –كما هو الشأن في القوانين الوضعية –وانما وضعت لتوجيههم الى ما فيه صلاحهم وفلاحهم ظاهرا وباطنا في العاجل والآجل.
    كما أن الشريعة الاسلامية جاءت لتخرج المكلفين من دواعي أهوائهم حتى يكونوا عبادا لله اختيارا كما أنهم عبيد له اضطرارا ولم تجئ وفق أهواء النفوس وشهواتها العاجلة ومنافعها القريبة فقد قال تعالى ((ولو أتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن)) سورة المؤمنون الآية 71
    فمقصود الشريعة هو اصلاح المجتمع بايجاد الأفراد الصالحين والجماعة الصالحة وايجاد الدولة الصالحة ومن أجل ذلك جاءت نصوصها أرفع من مستوى العالم كله وقت نزولها والى الآن أما القوانين الوضعية فالمقصود الأول لها تنظيم المجتمع لتحقيق المصالح العاجلة ولو بموافقة أهواء النفوس فيما يعود عليها بالضرر
    ولذا يجب على المجتمع الاسلامي أن يطبق شرع الله في كل مناحي الحياة تطبيقا كاملا في حال القدرة على ذلك
    الوجه الرابع :
    ان الحياة البشرية لا تستقيم الا اذا استقت عقيدتها وعبادتها وشعائرها ومعاملاتها وسائر شؤونها من المصدر التشريعي الرباني وعليه فانه لا يمكن لمؤمن أن يزعم أنه أعلم وأحكم من خالقه جل وعلا فيطالب بتأجيل خضوع العباد لشرع ربهم وأن يكتفوا باقامة شعائره حتى تصلح أحوالهم فيأخذوا بشرائعه وهو يعلم ((أن دين الله لم يأت ليكون مجرد عقيدة في الضمير ولا ليكون مجرد شعائر تعبدية تؤدى في المحراب فهذهوتلك-على ضرورتهما للحياة البشرية وأهميتهما في تربية الضمير البشري-لا يكفيان وحدهما لقيادة الحياة وتنظيمها وتوجيهها وصيانتها مالم يقم على أساسهما منهج ونظام وشريعة تطبق عمليا في حياة الناس ويؤخذ الناس بها بحكم القانون (الالهي) والسلطان ويؤاخذ الناس على مخالفتها ويؤخذون بالعقوبات))الظلال ج2/ص 895
    الوجه الخامس :
    أنه من المعلوم أن المجتمع الاسلامي اذا لم يأخذ بالشريعة الاسلامية قبل مرحلة التهيؤ المزعومة في جميع نواحيه السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية فانه سيأخذ حتما بالقوانين التي هي من وضع البشر لأنه من الثابت أنه لا يمكن لأي مجتمع أن يبقى هكذا هملا بدون قوانين وتشريعات تنظم شؤون حياته وتحكم العلاقات بين أفراده واذا أخذ المجتمع الاسلامي في مرحلةالتهيؤ بالقوانين الوضعية فانه لن تصلح أحواله ولن يتحقق له التهيؤ المنشود لوجود الكثير من العيوب والنقائص التي توصم بها تلك القوانين والتي تثبت عدم قدرتها على التشريع وعدم صلاحيتها للتطبيق وما تعيشه معظم البلاد الاسلامية المعاصرة من حالات الانحراف عن الدين وشيوع المعاصي والمنكرات والموبقات والمسارعة في الاثم والعدوان والفساد في مختلف نواحي الحياة لهو أنصع دليل على عقم تلك القوانين الوضعية وعدم قدرتها على اصلاحالمجتمع الاسلامي المعاصر فكيف والحالة هذه يمكن تهيئة المجتمع لتطبيق الشريعة ؟ ومتى يصلح مجتمع يعيش حالة كهذه الحالة الا أن تتداركه رحمة الله؟
    ان حال هذا المجتمع يحتاج الى اجتثاث أصول الفساد فيه وذلك باحلال النظم والتشريعات الصالحة الميسرة للاصلاح في المجتمع وهذه النظم لا توجد الا في شريعة الخالق-جل وعلا-بمصادرها الأصلية وقواعدها العامة ومبادئها السامية
    الوجه السادس :
    أنه اذا كان القصد –كما يقول أصحاب هذا الاتجاه-اعداد المجتمع الاسلامي وتهيئته ليكون مجتمعا صالحا في جميع نواحيه السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية …. قبل تطبيق الشريعة فلا شك أنه على الفرض الوهمي لو تحقق ذلك بدون تطبيقها فما مبرر تطبيقها اذن-فيما بعد- في نظر هؤلاء؟
    الوجه السابع :
    ادعاء أن الشريعة الاسلامية لم تطبق تطبيقا كاملا في أي مرحلة من مراحل التاريخ الاسلامي بما فيها المرحلة الأولى منه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم انما هو ظلم كبير للحقيقة واتهام خطير لرجالات الاسلام عامة –وعلى رأسهم النبي صلى الله عليه وسلم – عبر تاريخه الطويل بعد الالتزام بتطبيق شريعة رب العالمين تطبيقا كاملا في كل مناحي الحياة سواء كان ذلك قبل اكتمال نزول الوحي أو بعده
    أما قبل اكتمال نزول الوحي فقد طبق صلى الله عليه وسلم كل ما أنزل اليه من أحكام الشرع في حينه ولم يثبت عنه أنه أرجأ تنفيذ شيئ من تلك الأحكام اذا نزل الوحي بذلك مع أنه كان بين المسلمين في بداية نزول الوحي في العهد المكي مذبذبون دائما ومع ذلك كانت تطبق عليهم الشريعة
    وأما بعد اكتمال نزول الوحي : فقد كانت تكونت الدولة والحكومة الاسلامية الأولى على يد النبي صلى الله عليه وسلم واكتمل التشريع الاسلامي واستوى نظاما شاملا تبين للناس فيه كل ناحية من نواحي الاسلام الادارية والقضائية والاقتصادية والاجتماعية وسنت المبادئ والنظم التي نظمت المجتمع الاسلامي –آنذاك- وأقامته على الأسس التي أرادها الله لعباده وتجلى للملأ كل جانب من جوانب الحكم والسياسة الداخلية والخارجية لحكومة النبي صلى الله عليه وسلم التي طبق فيها الشريعة بحذافيرها وتمثل الحكم الاسلامي فيها تمثيلا تحولت بفضله المدينة المنورة في ثماني سنوات الى دولة عظيمة مترامية الأطراف بسطت جناح رحمتها على بلاد العرب كلها ولو كان أمر الشريعة جائز الارجاء لما طبق صلى الله عليه وسلم شيئا منها فور دخوله المدينة
    والمتأمل سيرته صلى الله عليه وسلم يرى مدى التزامه المطلق الصادق بالشريعة الالهية الموحاة اليه من ربه عز وجل فلم يؤثر عنه صلى الله عليه وسلم أنه حاد عن تطبيق نص قرآني في واقعة واحدة ولا جزء من واقعة حتى ما كان يمس شخصه الكريم أو أقرب الناس اليه فقد كان النموذج الأعلى والأكمل الذي لا ترقى اليه المقارنة في مراقبة الحق وتطبيق الشرع على الناس مع تحري مدلول النص ومفهومه وعلته وبيان ذلك للناس ولم يقتصر تطبيقه لأحكام الشرع على مجال دون غيره بل كانت حياة المجتمع المسلم في عهده محكومة في كل مجالاتها بالشريعة الالهية الشاملة الهادية سواء كان ذلك في مجال السياسة أو في مجال المال والاقتصاد أو في مجال القضاء أو في غيرها من المجالات ,,وسار الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم على نهج النبي صلى الله عليه وسلم في شمول تطبيق الشريعة تطبيقا كاملا على جميع مجالات الحياة وعلى جميع أفراد الأمة ولم يثبت عنهم أنهم فرطوا في تطبيق أي حكم شرعي أو تساهلوا في تطبيقها تطبيقا كاملا أو في الخروج على شيئ منها أو في تطبيق حكم مخالف لها ..وظلت الشريعة الاسلامية –بوجه عام- نظاما عاما شاملا للحياة في معظم المجتمعات الاسلامية طوال عصور الاسلام المختلفة الى ما قبل فترة الانحراف الواسع الذي شهده القرن الرابع عشر الهجري بقليل.
    الدكتور مفرح بن سليمان القوصي

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s