بين الهجرة والثورة

 

بقلم: محمد عبد الباسط

كلما مرت  علينا ذكرى ومناسبة من سيرة نبينا إلا وتوقفنا عندها نستلهم منها الدروس والعبر وقد تكشفت نصب أعيننا ذكريات الهجرة المباركة في الوقت الذي مر على ثورتنا الفتية  عشرة أشهر , فوجدت أن هناك صلة ما تربط بينهما وعلاقات متشابكة تجمع بينهما مما خطر ببالي مع الإقرار بقدسية الهجرية لما فيها من توجيه سماوي وكذلك أنها كانت فراراً بالدين لحمايته من تربص المتربصين به من الطواغيت بمكة .

لكنني أحببت أن أمزج بين الدروس المشتركة التي تلمستها بين الهجرة والثورة وهي :

1- هدف التغيير :

لقد جاءت الهجرة لتغير واقعا مريرا كانت تمر به الأمة الوليدة , تكميم للأفواه , وتشريد ونفي وطرد وتعذيب , مقاطعة جائرة , قتل وصلب وجلد , ومصادرة للحريات وتضييق على الرأي , وختمت بمحاولة تصفية جسد النبي صلى الله عليه وسلم , وكذا الثورة قامت من أجل نفس الأسباب ؛ فكان لزاما قيامهما للتغيير من الأسوأ إلى الأحسن , ومن الباطل للحق , ومن الظلام إلى النور .

2- الوحدة :

لقد وجدنا الحبيب صلى الله عليه وسلم يتعاون ويضع سره مع عبد الله بن أريقط الذي كان على الشرك وقتها , فاتضحت وجهة الإسلام في قبول الآخر , وعدم نبذه وتحييده بعيدا عن منازل البناء والعمل .

نفس الأمر كان في ميدان التحرير , الوحدة الوطنية والإخاء والإتفاق على قواسم مشتركة تجمع بين كافة أطياف الشعب المسلم والنصراني والعلماني والليبرالي والرجل والمرأة . الجميع في خندق واحد , النصارى يحمون المسلين في صلواتهم والمسلمون يحمون الكنائس في أثناء الفوضى , النصراني يصب ماء الوضوء على المسلم , وغيره من أشكال الالتحام الوطني المحمود الذي نرتضيه لبلادنا مصر التي لطالما عاشت كذلك .

3- التضحية :

في الهجرة التضحيات متلاحقة أعظمها أثرا في موقف المهاجرين الذين ضحوا باستقرارهم وأمنهم وأموالهم , وصبروا على فراق أهليهم وذويهم , وما أصعب ذلك على النفس , ولنا في موقف علي رضي الله عنه ونومه في فراش النبي صلى الله عليه وسلم المثل العظيم في التضحيةوالفداء , وكذا صهيب الرومي رضي الله عنه وفراق لأمواله التي قضى حياته في جمعها , وبذلها مقابل دينه وهدفه والتضحيات أعظم من أن تحصى  .

تلمست ذلك في الشباب الذي قابل الرصاص المطاطي بصدره فإما أنه فقد بصره أو حرم إحدى قدميه أو ذراعيه , أو حرم حياته وترك أسرته وأبناءه يعانون مرارة الفراق كل ذلك حسبة وشهادة وتلبية لنداء الحرية والكرامة ومقاومة الظلم والعتو في الأرض .

4- البناء :

وفي الهجرة حدَّد النبي صلى الله عليه وسلم هدفه من تلك الرحلة ؛ بناء دولة قائمة بالقسط على أسس متينة ومبادىء رصينة , يتفق عليها الجميع , ولا يختلف عليها أحد : الشورى , الإخاء , الوحدة , النهضة , التعمير , العدالة , المساواة , الحرية , الشفافية , التعاون على البر والتقوى .

ولو تدبرت في تلك المعاني لوجدتها تماما ما سعت إليه الثورة المباركة رغم محاولات تفتيتها وتقسيمها وتحزيبها , لكن الغاية العظمى هي بناء دولة تعتمد على سيادة القانون و تقوم على المؤسسات و تهتم بالبناء والتعمير والرقي إلى أعلى مراقي التطور والنهوض .

وأخيرا أيها الأحباب إن سنة الله الباقية , الحق أبلج , فقد ظلم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه طوال فترة مكوثه في مكة , رغم سلامة المبادىء التي كان يدعو إليها وإخلاصه في خدمة البشرية والمضي قدما بها نحو المعاني الإنسانية الرشيدة والنبيلة , ورغم ذلك فإن المجرمين يلجأون نتيجة ضعف بصيرتهم , وطغيانهم , وفساد سريرتهم إلى مقاومة الإصلاح ودعاته في كل زمان ومكان واستخدام العنف ضدهم بقتلهم وتشريدهم ظنا منهم أن ذلك ينهي فكرتهم ويهدم دعوتهم , لكن سنة الله هي المسيطرة والمهيمنة رغم كيد الكائدين وفساد الظالمين .

المصدر

هذا المنشور نشر في مقالات, الثورة المصرية, دعوى. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s