برنامج تدريبى عملى للتحقق بأركان البيعة – الإخلاص الجزء الأخير

_1_~1

نواصل البرنامج التدريبى للتحقق بأركان البيعة وهو البرنامج المقتبس من كتاب التربية من المعرفة إلى السلوك وهو أحد الكتب المعتمده فى قسم التربية لجماعة الإخوان المسلمين

وفى ركن الإخلاص للتحقق به كان مطلوبا من الأخ المتدرب ثلاثة أشياء كأهداف :

1-أن يخلص النية فى نفسه لله ( المداومة على إخلاص النية ) وقد ناقشت هذا الهدف وسبيل التحقق به فى التدوينات هنا

2-أن يستشعر فى نفسه مسئوليته أمام الله وأن يداوم على مراقبته

3- أن يعمل على مجاهدة نفسه ليستقيم على أمر الله تعالى

وسوف أناقش فى التدوينات التالية بداية من هذه التدوينة استشعار المسئولية ودوام المراقبة ثم مجاهدة النفس وهى كلها أمور مطلوب التحقق بها فى طريق التحقق بالإخلاص الركن الثانى من أركان البيعة

2-أن يستشعر فى نفسه مسئوليته أمام الله وأن يداوم على مراقبته

الأهداف الإجرائية

1- أن يستشعر المسئولية أمام الله.

2- أن يستشعر مسئولية العمل لدين الله.

3- أن يتعلم المراقبة والمحاسبة:

أ –لزوم المحاسبة

ب-المشارطة

ج-المراقبة

د-محاسبة النفس بعد العمل

4-أن يتذكر الموت وقصر الأمل:

أ –ذكر الموت

ب – قصر الأمل

(1) استشعار المسئولية أمام الله

إن استشعار المسئولية ثمرة طبيعية للإيمان ومعرفة الله عز وجل واستشعار عظمته وقدرته "وما قدروا الله حق قدره…) وإذا امتلأ قلب المؤمن بالشعور بعظمة الله واستقر فيه ، سرى بعد ذلك إلى الجوارح لتنطق به عن طريق العمل . والنصوص من الكتاب والسنة فى عظمة الله كثيرة إذا تأملها المسلم ارتجف قلبه وتواضعت نفسه للعلى العظيم وخضعت أركانه للسميع العليم وازداد خشوعاً لرب الأولين والآخرين من ذلك ما جاء من أسمائه الكثيرة وصفاته سبحانه وتعالى فهو العظيم المهيمن الجبار المتكبر القوى القهار الكبير المتعال ، هو الحى الذى لا يموت ،وهو القاهر فوق عباده ويسبح بحمده الملائكة من خيفته ، يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور.ويزداد الشعور بالمسئولية حينما يدرك أن الله عز وجل لم يخلقه عبثاً 0

· " أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لاترجعون" .إن الله تعالى قد خلقنا لغاية :

(وما خلقت الجن والإنس لإ ليعبدون"

· وحذرنا أن نعيش فى هذه الدنيا كما تعيش الدواب والأنعام "والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوىً لهم " والأمر يزداد حينما يزداد اليقين بأننا سوف نرد إلى الله "و اتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون " والنهاية إما نارُ أبداً وإما جنة ونعيم أبداً0

وهذه أمثلة من صحابة رسول الله (من كتاب من أخلاق النصر فى جيل الصحابة –د/سيد نوح ) وقد ملك عليهم هذا الشعور حياتهم فسارعوا إلى الله عز وجل فهذا شيخ كبير طاعن فى السن يقال له خيثمة أبو سعد بن خيثمة  يقول للنبى  وهو يشاورهم يوم أحد :"يا رسول الله لقد أخطأتنى وقعة بدر ،وكنت حريصاً عليها لقد بلغ من حرصى أن ساهمت ابنى فى الخروج فخرج سهمه فرزق الشهادة وقد كنت حريصاً على الشهادة، وقد رأيت ابنى البارحة فى النوم فى أحسن صورة يسرح فى ثمار الجنة وأنهارها ،وهو يقول: إلحق بنا ترافقنا فى الجنة فقد وجدت ما وعدنى ربى حقاً وقد والله يار سول الله أصبحت مشتاقاً إلى مرافقته فى الجنة وقد كبرت سنى ورق عظمى وأحببت لقاء ربى فادع الله يار سول الله أن يرزقنى الشهادة ومرافقة سعد فى الجنة " فدعا له رسول الله بذلك ، فقتل بأحد شهيدا

وهذا عمير بن أبى وقاص يقول عنه أخوه سعد بن أبى وقاص :" رأيت أخى عمير بن أبى وقاص قبل أن يعرضنا رسول اللهr للخروج إلى بدر يتوارى ،فقلت مالك يا أخى ؟ فقال :"إنى أخاف أن يرانى رسول الله فيستصغرنى فيردنى وأنا أحب الخروج لعل الله يرزقنى الشهادة قال فعرض على رسول الله r قال سعد: فكنت أعقد له حمائل سيفه من صغره ، فقتل ببدر ،وهو ابن ست عشرة سنة قتله عمرو بن ود

والأمثلة كثيرة

(2) استشعار مسئولية العمل لدين الله

إن استشعار مسئولية العمل لدين الله عز وجل كان واضحاً فى صحابة رسول الله فهذا الطفيل بن عمرو الدوسى  بعد أن أسلم شعر بمسئوليته تجاه قومه بمجرد إسلامه فذهب إلى قومه فلم يزل بهم حتى أسلموا ولحق برسول الله بعد الخندق ومعه سبعون أو ثمانون بيتاً من قومه0

وها هو مصعب بن عمير يترك حياة الترف ويرضى بالخشن من العيش فى صحبة رسول الله rثم يبعثه النبىr إلى المدينة داعياً إلى الله فلم يهدأ وعرف قدر المسئولية التى ألقيت عليه فلم يمر عام وبقى بيت فى المدينة لم يدخله الإسلام إلا دار بنى أمية بن زيد وخطمة ووائل

وفى العصر الحديث نرى الإمام  وهو لم يتعد العشرين من عمره يفكر فى حالة الأمة وما وصلت إليه ويشغل نفسه بهذا ليل نهار ويحكى عن ذلك فيقول ( رسالة المؤتمر الخامس:الطلاب فكرة فى نفوس أربعة) ليس يعلم أحد إلا الله كم من الليالى كنا نقضيها نستعرض حال الأمة وما وصلت إليه فى مختلف مظاهر حياتها ونحلل العلل والأدواء ونفكر فى العلاج وحسم الداء ويفيض بنا التأثر لما وصلنا إليه إلى حد البكاء وكم كنا نعجب إذ نرى أنفسنا فى مثل هذه المشغلة النفسانية العنيفة والخليون هاجعون يتسكعون بين المقاهى ويترددون على أندية الفساد والإتلاف فإذا سألت أحدهم عما يحمله على هذه الجلسة الفارغة المملة قال لك أقتل الوقت وما درى هذا المسكين أن من يقتل وقته إنما يقتل نفسه فإنما الوقت هو الحياة0

(3) المراقبة والمحاسبة

أ – لزوم المحاسبة

· قال تعالى :" ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين ،

· وقال تعالى :"ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ياويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً " وقال تعالى:"يوم يبعثهم الله جميعاً فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شئ شهيد

· وقال تعالى"يومئذٍ يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرةٍ شراً يره" وقال تعالى: " يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لوأن بينها وبينه أمداً بعيداً ويحذركم الله نفسه وقال تعالى : " واعلموا أن الله يعلم ما فى أنفسكم فاحذروه "

يتبين لأولى الألباب أن الله تعالى لهم بالمرصاد وأنهم سيناقشون فى الحساب ، ويطالبون بمثاقيل الذر من الخطرات واللحظات ولا ينجيهم من هذه الأخطار إذاً إلا لزوم المحاسبة وصدق المراقبة ومطالبة النفس فى الأنفاس والحركات ومحاسبتها فى الخطرات واللحظات .

· فمن حاسب نفسه قبل ان يحاسب خف فى القيامة حسابه ،وحضر عن السؤال جوابه ،وحسن منقلبه ومآبه ومن لم يحاسب نفسه دامت حسراته وطالت فى عرضات القيامة وقفاته فحتم على كل ذى حزم آمن بالله واليوم الآخر أن لا يغفل عن محاسبة نفسه دون تهاون فإن كل نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا عوض لها يمكن أن يشترى بها كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبد الآباد. وانقضاء هذه الأنفاس ضائعة أو مصروفة إلى ما يجلب الهلاك خسران عظيم هائل لا تسمح به نفس عاقل0

· ومحاسبة المؤمن لنفسه أقرب ما يكون لمحاسبة التاجر شريكه أو محاسبة صاحب العمل عماله ،أو محاسبة رئيس المصلحة مرؤسيه ،والمحاسبة لها مراحل تبدأ قبل العمل بالمشارطة ، ثم المراقبة أثناء العمل ، ثم المحاسبة بعد العمل ، وبعد ذلك معاقبة النفس على تقصيرها وتوبيخها ومعاتبتها 0 وفى كل المراحل يحتاج المؤمن إلى المرابطة وهى دوام المجاهدة وبذلك يسلس للأخ قيادة نفسه إلى ما يحبه الله ويرضاه وإنه لو أهملها لم ير فيها الخيانة وتضييع رأس المال وهو العمر وذلك هو الخسران المبين0

ب-المشـــارطة

· وهى أول مرحلة يشترط فيها المؤمن على نفسه ويأخذ منها العهد ،فإذا أصبح وفرغ من فريضة الصبح ينبغى أن يقف مع نفسه ساعة فيقول لها: مالى بضاعة إلا العمر وإذا فنى فقد فنى رأس المال وخسرت التجارة وهذا اليوم الجديد قد أمهلنى الله فيه ،وأنسأ فى أجلى وأنعم على به ولو توفانى لكنت أتمنى أن يرجعنى إلى الدنيا يوماً واحداً حتى أعمل فيه صالحاً فاحسبى أنك قد توفيت ثم رددت فإياك ثم إياك أن تضيعى هذا اليوم فإن كل نفس من الأنفاس ماضية لا تعود فإما أنها فى الخير وذلك الفوز وإما أن تكون فى معصية أو تضيع بلا فائدة فهو الخسران المبين

· وإياك يا نفس والكسل والدعة أو الركون إلى الترف فيفوتك من درجات عليين ما يدركه غيرك وتبقى عندك حسرة0

ج-المراقبــــة

· وبعد الاشتراط على النفس فى أول النهار فإنه يبقى المراقبة لها عند الخوض فى الأعمال ، وملاحظة النفس بالعين الكالئة فإنها إن ما تركت طغت وفسدت والمراقبة ثمرة الإحسان فقد سأل جبريل عليه السلام عن الإحسان فقال النبىr "أن تعبد الله كأنك تراه " (متفق عليه) وقال الله تعالى:"أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت  وقال تعالى:"إن الله كان عليكم رقيباً " وقوله تعالى :"ألم يعلم بأن الله يرى " وقال رجل للجنيد بم أستعين على غض البصر؟ فقال بعلمك أن نظر الناظر إليك أسبق من نظرك إلى المنظور إليه0

· وحقيقة المراقبة هى ملاحظة الرقيب وانصراف الهم إليه ويعنى بها حالة للقلب يثمرها نوع من المعرفة ، تثمر تلك الحالة أعمالاً فى الجوارح وفى القلب 0أما الحالة فهى مراعاة القلب للرقيب وملاحظته إياه .

· وأما المعرفة فهى العلم بأن الله مطلع على الضمائر ، عالم بالسرائر رقيب على أعمال العباد ، قائم على كل نفس بما كسبت ،وأن سر القلب فى حقه مكشوف كما أن ظاهر البشرة للخلق مكشوف

· ثم للمراقب فى أعماله نظران: نظر قبل العمل ، ونظر فى العمل ،أما قبل العمل فلينظر همه وحركته أهى لله خاصة أو لهوى النفس ومتابعة الشيطان فيتوقف فيه ويثبت حتى ينكشف له ذلك بنور الحق ، فإن كان لله تعالى أمضاه ، وإن كان لغير الله استحيا من الله وانكف عنه ثم لام نفسه على رغبته فيه وهمه به وميله إليه ، وعرفها سوء فعلها وأنها عدوة نفسها

· وأما النظر الثانى للمراقبة عند الشروع فى العمل فذلك يتفقد كيفية العمل ليقضى حق الله فيه ويحسن النية فى إتمامه ويتعاطاه على أكمل ما يمكنه0

· والعبد لا يخلو إما أن يكون فى طاعة أو معصية أو مباح فمراقبته فى الطاعات بالإخلاص والإكمال ومراعاة الأدب وحراستها من الآفات ،وإن كان فى معصية فمراقبته بالتوبة والندم والإقلاع والحياء والاشتغال بالتفكير

· وإن كان فى مباح فمراقبته بمراعاة الأدب ، ثم بشهود المنعم فى النعمة وبالشكر عليها .

· ولا يخلو العبد فى جملة أحواله عن بلية لابد له من الصبر عليها ،ونعمة لا بد له من الشكر عليها،وكل ذلك من المراقبة بل لا ينفك العبد فى كل حال من فرض الله تعالى عليه إما فعل يلزمه مباشرته ، أو محظور يلزمه تركه أو ندب حث عليه ليسارع به إلى مغفرة الله تعالى ويسابق به عباد الله أو مباح فيه صلاح جسمه وقلبه وفيه عون له على طاعته، ولكل واحد من ذلك حدود لا بد من مراعاتها بدوام المراقبة ومن كان فارغاً من الفرائض فالواجبات دائماً أكثر من الأوقات .

· وهنالك الفضائل فينبغى للعبد أن يتلمس افضل الأعمال ليشتغل بها فإن من فاته مزيد ربح وهو قادر على دركه فهو مغبون، والأرباح تنال بمزايا الفضائل0

د –محاسبة النفس بعد العمل

· وبعد المشارطة والمراقبة ينبغى للعبد أن يكون له فى آخر النهار ساعة يطالب فيها النفس ويحاسبها على جميع حركاتها وسكناتها . كما يفعل التجار فى الدنيا مع الشركاء فى آخر كل سنة أو شهر أو يوم حرصاً منهم على الدنيا وعلى عرض زائل قد لا يتمتعون به إلا سويعات أو أيام او على أقصى تقدير سنوات معدودة . فكيف لا يفعل ذلك العاقل مع نفسه ويحاسبها فيما يتعلق به خطر الشقاوة والسعادة ما مضى أبد الآباد؟.

· يقول الله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد.." وهذه إشارة على ما مضى من الأعمال وقال تعالى:" وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون" والتوبة نظرُ فى الفعل بعد الفراغ منه بالندم عليه، وفى شأن المحاسبة قال عمرt :" حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا " وقال الحسن فى قوله تعالى : "ولا أقسم بالنفس اللوامة قال: لا يلقى المؤمن إلا يعاتب نفسه ، ماذا أردت بكلمتى ؟ وماذا أردت بأكلتى ؟وماذا أردت بشربتى؟ والفاجر يمضى قدماً لا يعاتب نفسه  لذلك قال الإمام فى ورد المحاسبة :وهو استعراض أعمال اليوم ساعة النوم فإن وجد الطالب خيراً فليحمد الله وإن وجد غير ذلك فليستغفر الله وليسأل ربه ، ثم يجدد التوبة وينام على أفضل العزائم.

(4) ذكر الموت وقصر الأمل

· إن مما يبطر النفس ويدفعها إلى الصراعات المشؤومة والشهوات المدفوعة طول أملها، ونسيانها للموت ، ولذلك كان مما تعالج به النفس تذكر الموت الذى هو أثر القهر الإلهى ، وقصر الأمل الذى هو أثر من تذكر الموت وبقدر ما يقصر الأمل ويتذكر الإنسان الموت يكون عكوفه على القيام بحقوق الله أكثر ويكون الإخلاص فى عمله أتم ، ولا يظن ظان أن قصر الأمل يحول دون إعمار الدنيا ، فالأمر ليس كذلك بل عمارة الدنيا مع قصر الأمل يكون أقرب إلى العبادة ، إن لم تكن عبادة خالصة ففارق بين من يعمل قياماً بحق الله وبين من يعمل من أجل شهوة نفس

· وفارق بين من يجد فى هذه الدنيا وهو عنها زاهد ولربه قاصد وبين من يتطلع إلى ما فى يد غيره وينافس سواه فى متاعٍ زائل ، فقصر الأمل وتذكر الموت ينقلان الإنسان من حياة عبيد الدنيا اللاهين وراءها إلى حياة الخالصين المخلصين الذين يعيشون الآخرة وهم مازالوا يعيشون على الأرض ويسعون فيها 0

أ ذكر الموت

فجدير بمن الموت مصرعه والتراب مضجعه، والدود أنيسه ، ومنكر ونكير جليسه والقبر مقره وبطن الأرض مستقره ، والقيامة موعده ، والجنة أو النار مورده ، أنه لا يكون له فكر إلا فى الموت ولا ذكر إلا له ولا استعداد إلا لأجله ، ولا تدبر إلا فيه ،ولا تطلع إلا إليه، ولا تعريج إلا عليه، ولا اهتمام إلا به ، ولا حول إلا له ، ولا انتظار وتربص إلا له، حقيق بأن يعد نفسه من الموتى ويراها فى أصحاب القبور، فإن كل ما هو آت قريب والبعيد ما ليس يأتى قال رسول الله :" الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت وقال ابن عمر رضى الله عنهما:"أتيت النبى عاشر عشرة فقال رجل من الأنصار من أكيس الناس وأكرم الناس يا ر سول الله ؟ فقال :"أكثرهم ذكراً للموت وأشدهم استعداداً له أولئك هم الأكياس ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة "

فعلى كل كيس أن يتذكر دائماً أشكاله وأقرانه الذين مضوا قبله فيتذكر صورتهم فى مضاجعهم وأحوالهم ويتأمل كيف محا التراب الآن حسن صورهم ، كيف تبددت أجزاؤهم فى قبورهم ؟كيف أرملوا نساءهم وأيتموا أولادهم وضيعوا أموالهم ؟ وخلت منهم مساجدهم ومجالسهم ، وانقطعت آثارهم 0قال أبو الدرداء إذا ذكرت الموت فعد نفسك كأحدهم 0وقال ابن مسعود :السعيد من وٌعظ بغيره وقال عمر بن عبد العزيز ألا ترون أنكم تجهزون كل يوم غادياً أو رائحاً إلى الله عز وجل تضعونه فى صدع من الأرض قد توسد التراب وخلف الأحباب وقطع الأسباب لابد أن يكون لذكر الموت من أثر فى حياة المؤمن وفى سلوكه وموازينه، فقد نظر ابن مطيع ذات يوم إلى داره فأعجبه حسنها ثم بكى فقال: لولا الموت لكنت بك مسروراً ولولا ما نصير إليه من ضيق القبور لقرت بالدنيا أعيننا ثم بكى بكاءاً شديداً حتى ارتفع صوته0

ب- قصر الأمل

· قال رسول الله rلعبد الله بن عمر :" إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح، وخذ من حياتك لموتك ومن صحتك لسقمك ، فإنك يا عبد الله لا تدرى ما اسمك غداً وقال رسول الله  :"مثل ابن آدم إلى جنبه تسع وتسعون منية إن أخطأته المنايا وقع فى الهرم وقال سلمان الفارسى: ثلاثة أعجبتنى حتى أضحكتنى مؤمل الدنيا والموت يطلبه ،وغافل وليس يغفل عنه ،وضاحك ملء فيه ولا يدرى أساخط رب العالمين عليه أم راض، وثلاث أحزنتنى حتى أبكتنى: فراق الأحبة محمد وحزبه وهول المطلع والوقوف بين يدى الله ولا أدرى إلى الجنة يؤمر بى أو إلى النار0

· وطول الأمل له سببان ،أحدهما: الجهل والآخر حب الدنيا . أما حب الدنيا فهو إذا أنس بها وبشهواتها وبلذاتها وعلائقها ثقل على قلبه مفارقتها ، وامتنع قلبه من الفكر فى الموت الذى هو سبب مفارقتها ، وكل من كره شيئاً دفعه عن نفسه والإنسان مشغوف بالأمانى الباطلة فيمنى نفسه أبداً بما يوافق مراده وإنما يوافق مراده البقاء فى الدنيا ، فلا يزال يتوهمه ويقدره فى نفسه ويقدر أسباب توابع البقاء وما يحتاج إليه من مال وأهل ودار وأصدقاء ودواب وسائر أسباب الدنيا0 وأما الجهل فهو أن الإنسان قد يعول على شبابه فيستبعد قرب الموت مع الشباب وقد يستبعد الموت لصحته ويستبعد الموت فجأة ولا يدرى أن كل ذلك غير بعيد وإن كان ذلك بعيداً فالمرض فجأة غير بعيد وإذا مرض لم يكن الموت بعيداً عنه0

وعلاج حب الدنيا بإخراجه من القلب شديد ،وهو الداء العضال الذى أعيا الأولين والآخرين ، ولا علاج له إلا الإيمان بالله واليوم الآخر وبما فيه من عظيم العقاب وجزيل الثواب ،ويساعد فى العلاج ذكر الموت ،والنظر إلى من مات الأقران والأشكال وأنهم كيف جاءهم الموت فى وقت لم يحتسبوا . أما من كان مستعداً فقد فاز فوزاً عظيماً وأما من كان مغروراً بطول الأمل فقد خسر خسراناً مبيناً 0وأما الجهل فيدفع بالفكر الصافى من القلب الحاضر ،وبسماع الحكمة البالغة من القلوب الطاهرة0

هذا المنشور نشر في سلسلة تربوية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s