المرجعية الإسلامية للدولة بين الإخوان المسلمين والليبراليي .. دراسة مقارنة

 

logo1

دراسة مميزة وافية نشرت بموقع اخوان ويكي أو الموسوعة الإخوانية :

قال تعالى : "لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ "(النور: 46-52)

حقيقة لقد ظهرت مصطلحات سياسية كثيرة لم تكن موجودة فى العصور الإسلامية بالرغم من الوجود الفعلي للمدلول، فلم يكن معروفا فى تلك العصور كلمات : السياسة ، و المدنية ، مرجعية الدولة ، و الدستور والقانون، والديمقراطية لم تكن موجودا من قبل لكن معناه كان موجودا بالفعل .

ونجد من يقول: عندما يقال : قال الله وقال الرسول، فماذا نقول نحن ؟؟ إذن لا مجال للرأي والاجتهاد بعد قول الله و قول الرسول . فهم يظنون ـ جهلا ـ أن الحاكم فى الإسلام أشبه بالمفتى الذى يبين الحكم الشرعي فى القضايا المطروحة ، وبالفعل فهي كلمة حق يراد بها باطل.

والجهل بالنظام السياسي الإسلامى وراء افتراءات كثيرة يسطرها الليبراليون والعلمانيون والشيوعيون واليساريون ويرددونها حتى يظن كثيرون منهم أن المرجعية الإسلامية للدولة تصادر الحريات ، وتفرض إرادتها قسرا ولا مجال فيها للعقل والفكر؛ لأن الحكم فيها مقدس منزل من عند الله لا رأى للإنسان فيه ، وعلى الإنسان أن يستقبل أحكامه بالرضا والقبول دون مناقشة أو إبداء رأى أو اعتراض ، ومن يخرج عليه يحكم عليه بالكفر ، وإن آثر الشعب الصمت، فإنه يستبدل استبدادا باستبداد آخر من نوع جديد فى صورة الحكم الدينى .

إن من يدرس النظام السياسي فى الإسلام يجد فصلا تاما بين العالم الفقيه الذى يستنبط الأحكام الشرعية وبين الحاكم أو رئيس الدولة فى ظل المرجعية الإسلامية ، فالفقيه يصل إلى مكانته الفقهية باجتهاده فى العلوم الشرعية واللغوية ومرجعيته القرآن والسنة ، أما الحاكم أو الرئيس فإنه يصل إلى منصبه باختيار الشعب الذى يستمد منه الحاكم أو الرئيس شرعيته ، ولا يشترط فيه ما يشترط فى الفقيه من الناحية العلمية ، ويكون اختيار الشعب نابعا من إرادته الشخصية وثقته فيمن يختار.

يقول الدكتور يوسف القرضاوى: والحاكمُ في الإسلام واحدٌ مِنَ الناسِ ليس بمعصوم ولا مُقدَّس. يجتهدُ لمصلحة الأمَّةِ ؛ فيصيبُ ويخطئ. وهو يستمدُّ سلطتَه وبقاءَهُ في الحكمِ من الأرض لا مِن السماءِ، ومِن الناسِ لا مِن الله، فإذَا سحب الناسُ ثقتَهُم منه، وسخطتْ أغلبيتُهُمْ عليهِ لظلمِهِ وانحرافه ؛ وَجَبَ عزلُهُ بالطرقِ الشرعيَّةِ، ما لم يؤدِّ ذلك إلى فتنةٍ وفسادٍ أكبرَ، و إلا ارتكبُوا أخفَّ الضررين، والحاكمُ في الإسلام ليس وكيلُ الله ، بل هو وكيلُ الأمة، أو أجيرُهَا، وكَّلَته إدارةُ شؤونِهَا، أو استأجرته لذلكَ.. والدولةُ الإسلاميَّةُ لا يقوم عليها رجالُ الدينِ بالمعنَى الكهنوتيِّ المعروفِ في أديانٍ عدَّةٍ ؛ فهذا المعنَى غيرُ معروفٍ فِي الإسلام، إنما يوجد علماءُ دين مِن بابِ الدراسة والتخصص، وهذَا بابٌ مفتوحٌ لكلِّ من أرادَهُ وقدر عليه ..(1)

ومرجعية الحاكم الدستور والقانون المستمد من القرآن والسنة. وبالتالي فإن أحكام القرآن والسنة مواد حاكمة للدستور، ورئيس الدولة لا يبفرد بقرارات تمس الدولة دون مراجعة السلطة التشريعية ممثلة فى نواب الشعب، ومن هنا فإن رئيس الدولة ينطلق فى حكمه من خلال مؤسسة تشريعية منتخبة من الشعب لا مؤسسة دينية، ورئيس الدولة يطبق فى سياسته الأسس العامة للحكم فى الإسلام ، ومنها : الشورى والحرية والعدل والمساواة ، والعمل على رفعة الوطن والارتقاء به . وهذه المبادىء ، وهى أصيله فى النظام السياسي الإسلامى وتنص عليها دساتير العالم ، ثم نجد من يطالب بها كأن لا وجود لها فى الإسلام .

والإسلام لم يمنح أي حاكم سلطة دينية علي أحد من الناس ، فهو ليس معصوما ، ولا مهبطا للوحي , ولا مستأثرا بتفسير القرآن,وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يوحى إليه وعمله من مصادر التشريع ، ومع ذلك كان المسلمون يراجعونه فى قرارته وينزل على رأيهم . و ليس فى الدولة الإسلامية سلطة دينية تفرض وصاية على رئيس الدولة ولا المؤسسات التشريعية ، لأن من واجبات رئيس الدولة والسلطة التشريعية الحفاظ على قواعد الإسلام ومبادئه . وفى ذلك يقول الأستاذ البنا عن مسئولية الحاكم:

" فالحاكم مسئول بين يدي الله وبين الناس ، وهو أجير لهم وعامل لديهم ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) ، وأبو بكر رضي الله عنه يقول : عندما ولى الأمر وصعد المنبر: (أيها الناس ، كنت أحترف لعيالي فأكتسب قوتهم ، فأنا الآن أحترف لكم ، فافرضوا لي من بيت مالكم) . وهو بهذا قد فسر نظرية العقد الاجتماعي أفضل وأعدل تفسير ، بل هو وضع أساسه , فما هو إلا تعاقد بين الأمة والحاكم على رعاية المصالح العامة , فإذا أحسن فله أجره , وإن أساء فعليه عقابه "…(2)

ورئيس الدولة بينه وبين الشعب عقد اجتماعي عندما تقدم ببرنامجه وعرضه على الشعب ليختاره رئيسا ثم أساء واستبد بالأمور ، فالساكت على الفساد والظلم مشارك فيه ، ومن حق الشعب الذى اختاره أن يعزله .

ومن هنا فالإسلام وضع القواعد الكلية التى يجب على البشر الالتزام بها ، وترك التفصيلات ، وترك للمجتمع الاجتهاد فى تحقيقها بالصورة التى تناسبه . وما يحدث ممن محاولة إقصاء الإسلام من الحياة ، هو فى الحقيقة جهل بالإسلام ومبادئه السياسية .

تمهيد
1- المرجعية الإسلامية للدولة تُسْتِمد من الثقافة السائدة فى المجتمع
الثقافة السائدة فى المجتمع تعنى الفكر السائد الذى يعتقد به المجتمع وتتشكل ثقافته منه ، فإذا نظرنا إلى الأمور التى استقر عليها المجتمع فى مصر والبلاد العربية نجدها مستمده من الثقافة الإسلامية ، فمرجع ثقافة المجتمع إنما هو الإسلام ،فمن يشرب الخمر ينظر إليه المجتمع على أنه خروج على ثقافة المجتمع الذى لا يبيح شرب الخمر ، والشخص نفسه لايدعى أنها مباحا له ، كذلك فإن المجتمع لا يمكن أن يقبل الزنى على أنه حرية شخصية ، ومن هنا تشكلت ثقافة المجتمع المستمدة من الإسلام ، فلابد لأى دستور أن ينبع من ثقافة المجتمع لا يتصادم معه ،والثقافة السائدة فى المجتمعات العربية مرجعها الإسلام ، فليس غريبا أن نقول بأن المرجعية الثقافية الإسلامية للمجتمع ضرورة لحفظ كيان الدولة .
إن أى دولة فى العالم لها مرجعية تنبع من ثقافتها أيّا كانت هذه المرجعية ، فهى توافق لما يسود المجتمع من فكر، والمرجعية هى تشكل ثقافى يجتمع عليه الناس، والجماعة من الناس تحتاج إلى تنظيم، والتنظيم يقرر ضوابط للحركة والتزامات متبادلة، والمرجعية دائما تعكس الثقافة السائدة فى المجتمع بين الجماعة البشرية، والمعول عليه فى تكشف المرجعية السائدة بين الناس فى الجماعة المعنية.. ولا توجد دولة ولا نظام ولا فرد ولا جماعة إلا لها مرجعية ما، فى تعاملاتها ونظمها وعلاقاتها، فمثلا صدر فى فرنسا قانون يفرض منع الحجاب على المرأة فى ظهورها العام، وكان ذلك طبعا يستند إلى مرجعية سائدة فى المجتمع الفرنسى، وقد واجهها البعض بأن الأصل هو الحرية، وهى مواجهة جدلية بين أصلين مرجعيين انتهت بتوافق بينهما على نحو ما. والمهم أنه يمكن القول إنه لا يوجد إدراك بشرى بغير أن يكون له أساس مرجعى ثقافى. المرجعية إذن هى مفهوم فكرى ثقافى يتعلق بالأصول الفكرية المرجوع إليها ،وهى على سبيل البيان:
  • أولا: الأصول الفكرية والثقافة العامة التى تؤمن بها الجماعة، التى تشكل قوة التماسك الأساسية لها بوصفها البشرى.
  • ثانيا: الأصول الفكرية والثقافية العامة التى تصدر عنها مبادئ المشروعية فى المجتمع، سواء بالنسبة للأوامر والنواهى التى يلتزمون بها فى علاقاتهم مع بعضهم البعض، أو بالنسبة لأحكام التعامل التى يتداولونها ويتبادلونها بينهم.
  • ثالثا: الأصول الفكرية والثقافية العامة التى تتشكل منها هياكل النظم السياسية والاجتماعية المشخصة للجماعة والمنظمة لها بوصفها الاجتماعى والسياسى، سواء الجماعة السياسية العامة أو الجماعات الفرعية التى يتكون منها المجتمع من أسر وعشائر وقبائل وطوائف وحرف ومهن، وهى المنظمة لأنماط العلاقات الاجتماعية السائدة فى كل من ذلك…(3)
وإصلاح البنية الاجتماعية للأمة يتطلب إدراك الأمة لهويتها وقيمها المرجعية، إذن تتمثل بداية الإصلاح في بناء قدرات الأمة. وهنا يأتي دور الحركة الإصلاحية، بوصفها المحرك الأساسي لعملية الإصلاح. وما دامت الحركة الإصلاحية الإسلامية، تحوز على تأييد واسع بين الناس، وتحوز أفكارها على تأييد أوسع وأشمل، فهذا يعني أنها تحمل بالفعل المشروع الذي سيحقق توافق الأمة. وفي كل الأحوال، فإن على الحركة الإصلاحية العمل بين الناس حتى يتبلور إجماع الأمة، وهي في هذا تتفاعل مع جماهير الأمة، وتطور مسارها لتقوم بدورها الطليعي. …(4)
ومعنى أن يكون دين الدولة الرسمي الإسلام أن تكون مرجعيتها الفكرية إسلامية، وأن تكون هذه المرجعية الإسلامية إنما تترجح من داخلها الآراء والاجتهادات لما أورده الدستور من مبادئ أخرى تتعلق بالمساواة والحقوق والحريات، وذلك كله في إطار ما تسعه المرجعية الشرعية وما تتقبله بأي من وجوه الاجتهاد الفقهي المعتبر مما يلائم أوضاع الزمان والمكان وتغير المصالح العامة للأمة‏.‏..(5)
وما يثار حول أن الإسلام دين الدولة يتنافى مع وجود مسيحيين ، فإن الدكتور نبيل لوقا بباوى يوضح خطأ ذلك التصور بقوله: " المقصود بأن الإسلام دين الدولة هو أن الغالبية العظمي من سكان مصر يدينون بالإسلام وهذه حقيقة وواقع لأن القول بأن الإسلام دين الدولة هي وصف مجازي لأن الدولة فكرة قانونية ، وهي فكرة الشخص الاعتباري والفكرة القانونية أو الشخص الاعتباري لا دين له ، فالدولة كشخص اعتباري لا تتوجه للصلاة أو أن الدولة تصوم‏,‏ فالدولة لا دين بها بصفتها شخصا اعتباريا أو فكرة قانونية لأن الدين فقط للشخص الطبيعي أو الإنساني‏,‏ فالمقصود بأن دين الدولة الإسلام‏,‏ المقصود بذلك أن غالبية المصريينيدينون بالإسلام مثلما نقول إن إنجلترا أو فرنسا أو إيطاليا دولة مسيحية أي أن الغالبية بها مسيحيون رغم وجود أقليات دينية أخري وعلي ذلك لا يوجد أي ضرر للأقباط من القول بأن الإسلام دين الدولة المصرية‏…(6)
وبعد ثورة 25 يناير اجتمع الليبراليون والعلمانيون واليسارون والشيوعيون على رفض المرجعية الإسلامية للدولة تحت ادعاءات أن الفكر المرجعى المستند إلىالإسلام ينكر شئون المصالح الدنيوية، وهو اتهام لا يقوم فى أساسه ولا لدى الغالبية الغالبة من مفكرى هذا المجال،و أن المرجعية الدينية لدى المؤمنين بها ليس فيها الفصل بين صلاح الدنيا والدعوة له وبين العبادة، وأن الإيمان أبدا مقترن بعمل الصالحات.
وأن منا من يستند فى مرجعيته عن حقوق الإنسان إلى نص البيان العالمى الصادر من الأمم المتحدة بأن جميع الناس يولدون أحرارا متساوين فى الكرامة والحقوق، فلماذا لا يقبل مواطن له يقول ذات المعنى مستندا إلى نص عبارة عمر بن الخطاب ؟ ولماذا تقوم الفرقة بين الاثنين ؟ وكذلك بالنسبة للقول عن حرية الفكر والاعتقاد وأنه لا إكراه فى الدين ، وبالنسبة للوفاء بالعهود.
إن " المرجعية " بوصفها مفهوما ثقافيا تفرض نفسها شئنا أم أبينا على جميع المؤسسات والسلطات وقيم السلوك ونظم المعاملات، وهى لا نختارها من مرجعيات عديدة معروضة علينا، وإنما هى ما يتعلق بالشأن الثقافى الحاصل وبالواقع الفكرى السائد لدى الجمهرة الغالبة من المواطنين فى كل عصر ومصر، هى ما يؤمن به الشعب فى عمومه ويتخلل العقول والأذهان فى الحياة البشرية الوطنية، وهى ما يحفظ قوة التماسك لهذه الجماعة المعنية…(7)

‏:ومن هنا فإن من يعرف مفهوم المرجعية الإسلامية يدرك أنها أمان للمجتمع وحفظ حقوقه مسلمين ومسيحيين ،ولا يوجد ضرر علي الأقباط من ذلك لأن الضرر يقع علي الأقباط لو كان النص الدستوري يقول إن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الوحيد للتشريع ولكن النص الدستوري لم يقل المصدر الوحيد بل قال المصدر الرئيسي أي أنه يوجد بجوار المصدر الرئيسي مصادر أخري‏,‏ خاصة بالمسيحيين مثل الإنجيل أو الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد وكتب الرسل وقرارات المجامع الكنسية‏. والمقصود من ذلك وجود مصادر أخري مسيحية كثيرة بجوار الشريعة الإسلامية تحكم مسائل الأقباط‏,‏ خصوصا الأحوال الشخصية لأن الإنجيل .

ولم تعن المسيحية بتنظيم واجبات الإنسان نحو غيره ولم تعن الشريعة المسيحية بالمعاملات أو العقود أو غيرها من المسائل التنظيمية بين الناس وكل ما ورد في الإنجيل في إنجيل متى الإصحاح الخامس آية ‏22‏ وإنجيل لوقا الإصحاح السادس عشر في مسائل الأحوال الشخصية لغير المسلمين وهذا المبدأ هو‏(‏ أتركهم لما يدينون‏)‏ أي في مسائل الأحوال الشخصية للمسيحي أتركهم للإنجيل ومسائل الأحوال الشخصية لليهود أتركهم للتوراة ومعني ذلك أن مسائل الأحوال الشخصية يجب تطبيق الإنجيل فيها بالنسبة للأقباط وهذا ما تقرره الشريعة الإسلامية أما غيرها من المسائل المالية أو العقود أو المعاملات المدنية فليس منصوصا عليها في الإنجيل وعلي ذلك في المسائل المالية والمدنية لا يوجد أي ضرر أن يكون هناك قانون واحد يطبق علي جميع المسلمين والمسيحيين في الدولة الواحدة لأنه ليس من المعقول في المسائل المالية والمدنية أن يصدر قانون شيك يطبق علي الأقباط وقانون شيك يطبق علي المسلمين أو قانون إيجارات للمسلمين وقانون إيجارات للمسيحيين‏,‏ ففي المسائل المدنية والمالية يخضع جميع المواطنين لقانون واحد لأن القاعدة في المسيحية التي أقرها السيد المسيح في الإنجيل هي‏(‏ اعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله‏)‏ أي أطيعوا الحاكم في المسائل الدنيوية وأطيعوا الله في المسائل العقائدية‏.‏..(8)
ويوجه المستشار طارق البشرى نداء لمعارضى المادة الثانية من الدستور بقوله : " لذلك أرجو من الحريصين على تأكيد مبدأ المساواة أن ندعمه بكل الإمكانات الفكرية، وأن نقيمه لدى المؤمنين بالإسلام على أسس تصدر من مرجعيتهم،‏ وأن المساواة تؤدي إلى الاندماج، أما من كان يقصد من تعديل هذه المادة إضعاف إسلامية الدولة، فإن نص المادة الثانية المذكورة هو كاشف عن واقع استتباب الإسلام لدى المسلمين في مصر وليس منشئا له طبعا‏.‏ ولن يغير التعديل واقعا، ولكن يثير حفيظة ويعمق جرحا، ويقيم تناقضا على المدى الطويل، تناقضا ليس بين المواطنين المسلمين والمسيحيين، ولكنه تناقض بين مبدأ المرجعية الإسلاميةومبدأ اللادينية السياسية‏.‏..(9)
2- عدم تخلى الإخوان عن الناحية الإيمانية والتربوية
قد يظن كثيرون أن العمل السياسي للإخوان المسلمين سيؤثر على الجانب الإيماني والتربوي عندهم ، وبالتالي بعد فترة من السياسة يخفت الجانب الإيماني والتربوي شيئا فشيئا حتى يصبح الإخوان جماعة سياسية ، ويحدث انفصال بين الجانب السياسي والإيماني ، والإخوان فى برنامج حزب الحرية والعدالة يؤكدون على عدم تخليهم عن الجانب الإيماني والتربوي ، ففي برنامج الحزب " ولذلك فالجانب الأول فى برنامج حزبنا يعتمد على تزكية النفوس وتطهير القلوب وترقية المشاعر وتهذيب الطباع بالدعوة إلى الالتزام بالعبادة ومكارم الأخلاق وحسن المعاشرة والمعاملة والتذكير بالله واليوم الآخر حتى تستيقظ الضمائر وتتكون المراقبة الذاتية، وتستقر قيم الخير فى النفوس وتنفر من الشر ودواعيه، إضافة لتكوين المناخ الصالح الذى يحض على الاستقامة والصلاح، وتقديم القدوة الحسنة، وتوظيف المدرسة والبيت والمسجد والكنيسة وأجهزة الإعلام فى ذلك.
وهذا المنهج ليس خاصاً بالمسلمين دون غيرهم ، ولكنه منهج تعتمده الأديان وبخاصة المسيحية التى تعنى بالأخلاق والمعاملة اعتناءً فائقاً .والقلة التى لا يصلحها هذا المنهاج تتصدى لها التشريعات وأجهزة الرقابة والعقوبات "إن الله ليزغ بالسلطان ما لا يزغ بالقرآن " …(10)
لقد ظهر فى مصر بعد ثورة 25 يناير اتجاهات تهاجم إسلامية الدولة وتدعى أن أي دعوة إلى مرجعية إسلامية للدولة ، إنما هي دعوة إلى دولة دينية تمارس الديكتاتورية والاستبداد ، ولا حكم ولا رأى للإنسان فيها ، والحاكم فيها يحكم بالحق الإلهي كما كان فى الحكم الديني المسيحي فى أوربا ، ولو انصفوا لقالوا لا نريد حكما إسلاميا ، وهذا رأيهم الذى لا يستطيع أحد أن يصادر حريتهم فى التعبير . أما أن يحاول أن يفرض رأيه على الدولة ،وأن تسير وفق رأيهم ، وتنحىالإسلام جانبا ، فهو أمر لا يمكن قبوله بحال مكن الأحوال .
وهم يسوقون حدثًا تاريخيًا من هنا ، وحدثا آخر من هناك للاستدلال على أن الدولة الإسلامية لم تطبق الإسلام إلا فترة الرسول صلى الله عليه وسلم والراشدين حتى سنة 41هـ ، وأصبحت الدولة بعد ذلك لا صلة لها بالإسلام ، وأن حكم الدولة الإسلامية أصبح حكما علمانيا يراعى مصالح المجتمع ولا صلة لها بالإسلام .
هناك من يظن أن الإخوان لا يقبلون مشاركة الآخرين فى البناء ، وبالتالي فهم يرون أنفسهم الفصيل السياسي الوحيد الذى يستطيع أن يقوم ببناء الوطن وتطبيقالإسلام ، ومن هنا تأتى نظرتهم إلى إقصاء الآخرين .
حقيقة إن الإخوان يعتبرون أنفسهم جماعة من المسلمين ، وليسوا جماعة المسلمين . وإذا كان الإخوان ينادون بالمرجعية الإسلامية للدولة ،فإنهم لم يحتكروها لأنفسهم دون غيرهم ، فحزب " النور"، و" الوسط " مرجعيتهما إسلامية . وبالتالي فإن ذلك لا يعنى إقصاء الآخرين عن العمل من أجل رفعة البلاد ، بل لا يقوم البناء إلا بتكاتف الجميع ، ونجد ذلك " حين وضع الإمام «البنا» تصورًا لفكر الجماعة ومنهجها، كانت الجماعة أداة ووسيلة لبناء نهضة الأمة بناء على المرجعيةالإسلامية، وليست هدفاً بحد ذاته. كما أن «البنا» حدد بوضوح أننا لسنا وكلاء عن الأمة في بناء النهضة، ولكن نحن ندعو ونرغب في الفكرة، ونوعي، ونشارك الأمة في بناء النهضة ولا يفترض أن يقوم الإخوان وحدهم بالمهمة. "..(11)
إن الاتجاهات الليبرالية والعلمانية واليسارية تحاول إقصاء الإخوان عن العمل السياسي والمشاركة فى خدمة وطنهم عن طريق تشويه الحقائق لدى الجماهير المؤيدة للإخوان بأن نشاط الإخوان السياسي يجعلهم يتخلون عن مبادئهم الأخلاقية وبالتالي يصبحون بعد فترة قصيرة مثلهم مثل غيرهم الغاية عندهم تبرر الوسيلة . ولذا ينبغي على الإخوان لكي يحافظون على مبادئهم الأخلاقية أن يبتعدوا عن السياسة . لكن السؤال الذى يطرح نفسه ، لماذا يحذرون الإخوان من السياسة ويطلبون منهم الابتعاد عنها ثم يقبلون هم عليها ؟! أليس هذا تضليل وخداع ومخالفة القول للفعل؟ وإذا تخلى الإخوان عن المشاركة السياسة ؛ فإنهم يتركون إدارة الدولة لمن يمارسون الكذب والغاية عندهم تبرر الوسيلة على حد تعبيرهم.
وقد ردّ حزب الحرية والعدالة على ذلك فى برنامجه ، ومما جاء فيه : " وهناك أمر آخر فى غاية الأهمية وهو رؤيتنا للسياسة، فبينما يرى الكثيرون أن السياسة هي فن الكذب والنفاق والتلون والخداع حتى وصفها بعضهم بأنها عملية قذرة ينبغي على كل من يحرص على نظافة سمعته وسلامة مبادئه أن ينأى عنها.
يرى حزبنا أن السياسة هي فن إدارة الدولة وتدبير أمور الناس، بحيث تحقق الأمن والعدل والكفاية والقوة والمنعة والتقدم والخير والحق والفضيلة لجميع الناس.
وهذا كله لا يمكن إنجازه إلا بارتباط السياسة بالمبادئ والأخلاق والصدق والوفاء والأمانة والإحسان، والضمير الحي الذى يزجر أصحابه أن يأكلوا الحرام من المال، أو يعتدوا على المال العام، أو يقبلوا الرشوة باسم الهدية أو العمولة أو يعتدوا على حقوق الإنسان أو يقوموا بتزوير الانتخابات واغتصاب السلطة أو يولوا المناصب للأقارب و المحاسيب .
فالأهداف العظيمة عندنا لا تتحقق إلا بوسائل نظيفة، ومن ثم نرفض مقولة (الغاية تبرر الوسيلة)، ونرفض مقولة (السياسة عملية قذرة) وإنما نمارسها لننظفها ونطهرها، ونسمو بها إلى مستوى الأعمال والأخلاق الراقية.
بهذين الجناحين المادي والمعنوي يستطيع الفرد والمجتمع أن يحلق إلى آفاق المستقبل المشرق بإذن الله …(12)
ومن ناحية أخرى فإن من مارسوا السياسة على مدار العقود الطويلة الماضية لم يطبقوا النظام السياسي الإسلامى وإلا لما وصلت البلاد إلى الفساد والظلم والاستبداد الذى أدى إلى قيام ثورة 25 يناير 2011 ، وبالتالي فإن السياسة لا تتحمل أوزار أصحابها ، فمن أفسدوا الحياة السياسية هم اليوم فى السجون ، والحزب الوطني المنحل الذى زور واستبد وأفسد تم حلّه ، وبقيت المواقع السياسية كما هي لمن يصلح ويحسن ، ولا وجود لمن يمارس سياسة الظالمين والفاسدين ، فلماذا لا يتقدم الإخوان ، وهم الذين بذلوا وضحوا فى عهود الظلم والاستبداد ؟! .
والإخوان يتفهمون طبيعة المرحلة الانتقالية التى تمر بها البلاد ، وتحاول كل طائفة إثبات ذاتها ووجودها وطرح برامجها وعرض أفكارها على الساحة ، ولعلنا عندما نقرأ (رسالة نحو النور) للأستاذ الإمام حسن البنا نشعر بأنه كتبها اليوم بعد ثورة 25 يناير فى مصر ، وليست من سبعين سنة تقريبا ، يقول الإمام حسن البنا عن أهمية المرحلة الانتقالية وخطورتها :
"وإن أخطر العهود في حياة الأمم وأولاها بتدقيق النظر عهد الانتقال من حال إلى حال ، إذ توضع مناهج العهد الجديد ، وترسم خططه وقواعده التي يراد تنشئة الأمة عليها والتزامها إياها , فإذا كانت هذه الخطط والقواعد والمناهج واضحة صالحة قويمة فبشِّر هذه الأمة بحياة طويلة مديدة وأعمال جليلة مجيدة , وبشِّر قادتها إلى هذا الفوز ، وأدلتها في هذا الخير بعظيم الأجر وخلود الذكر وإنصاف التاريخ وحسن الأحدوثة. " ..(13)
وقد أوضحوا كثيرا مما يتعلق بمنهجهم السياسي ومرجعيتهم الإسلامية ، ونجد حزب الحرية والعدالة يوضح ذلك فى برنامجه السياسي ، وفيه: " ومن ثم فإن حزب الحرية والعدالة يتخذ من الشريعة الإسلامية التى يؤمن بها أغلبية شعبنا المصري مرجعيته ودليله.وهذه الشريعة بطبيعتها تؤكد على جملة مبادئ أولها قضية الوحدة الوطنية ، فما دامت الشريعة تقر حرية الاعتقاد وحرية العبادة وحق غير المسلمين فى التحاكم إلى شريعتهم فى أمورهم الخاصة وتساوى بين الناس فى الحقوق والواجبات فهى تؤكد حقيقة الوحدة الوطنية ." ..(14)
المبحث الأول: المرجعية الإسلامية للدولة : رؤية تاريخية
ينص الدستور فى البلاد العربية على أن الإسلام دين الدولة والشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع ، وتنص دول أوربية على دين الدولة بالرغم من وجود أقليات مسلمة ، ودول تنص على علمانية الدولة ، و أخرى لا تنص على دين فى الدستور ،ولم تثر مشكلة حول إقرار الدين فى الدستور من عدمه ، ولم نسمع بجدال ومحاولة من الأقلية فرض إرادتها على الدولة والاعتراض على أن ينص الدستور على دين الغالبية العظمى من الشعب كما نجد فيما فى مصر من قبل الليبراليين والعلمانيين والاتجاهات الأخرى .بالرغم من أن مرجعية الإسلام على طول التاريخ لم يثر حولها مثل هذا الجدل والنقاش ، وكانت من المسلمات المتعارف عليها بين الجميع .و" جميع الدول العربية تنص في دساتيرها علي الدين الأساسي للدولة هو دين الأغلبية هو الإسلام وأن هذه الدساتير تحترم حرية إقامة الشعائر الدينية لبقية الطوائف الدينية‏,‏ ورغم أن هذه الدول بها مسيحيون فلم يطالب أحد بإلغاء هذه المادة لذلك فإن الدعوي لإلغاء المادة الثانية من الدستور المصري التي تنص علي أن دين الأغلبية للشعب المصري هو الإسلام هي دعوي ظاهرها الحق وداخلها الباطل لإحراج النظام المصري أمام بقية الدول العربية ولا أدري لماذا الإصرار علي قضايا فرعية لا فائدة من الجدل حولها إلا الفرقة والوقيعة طالما أن الخط الأساسي في الدستور المصري هو احترام حرية العقيدة لجميع الطوائف الدينية وحرية إقامة الشعائر الدينية لها ؟"..(15)
1- الإسلام مصدر التشريع فى الدولة الإسلامية
ولم يظهر طوال عهد الدولة الإسلامية من يتحدث عن المرجعية التى ينبغي أن تسير به الدولة ؛ يقول الأستاذ حسن البنا: " لأن الدولة كانت بطبيعتها إسلامية تطبق الشريعة ، وإن خالف بعض الحكام شريعة الإسلام ، فإنه بذلك خالف قانون الدولة ، وكانوا يجدون من يتصدى لهم من العلماء الذين يصححون اعوجاجهم .. وتوالى الحكام على أمة الإسلام، قلة منهم برضا واختيار الشعوب، وغالبيتهم ـ بكل أسف ـ باستبداد وغلبة ، ورغم انغماس بعض الحكام في الملذات وبُعدهم عن روح العدل والإنصاف، ورغم شيوع المعاصي وتفشي الوهن في كثير من المجتمعات، إلا أنه لم يحصل أن نُحِّيَت الشريعة الإسلامية كعقيدة ومرجع ودستور، ولم يحصل أن فرض حاكم أو اتخذ شعب من الشعوب الإسلامية غيرها أصلاً عامًّا ومرجعًا، حتى ابتليت الأمة الإسلامية بعصر الاستعمار الذي غزاها وحكمها وفرض عليها قوانينه ومبادئه، ثم سار على دربه خلفاؤه من عملائه.
ومع ذلك فإننا نقول- بكل صدق-: إنه لم يحصل أن اختار شعب من شعوب الأمة غير حكم الله أو شرعًا غير شريعته عز وجل ، بل قامت في شعوب الأمةالإسلامية– ولم تزل تقوم- ثورات ومطالبات للعودة إلى حكم الله وشريعة الإسلام، وروت الدماء الزكية الطاهرة ساحات الجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله وشرعالإسلام؛ وإنما هو الاستبداد والقهر ولم تظهر إلا فى العصر الحديث ..(16)
و"لم يكن نظام الحكم الإسلامي نظام حكم مطلق، ولا ديمقراطيا يونانيا، ولا قيصريا رومانيا، وإنما كان نظاما عربيا خالصا، بيّن الإسلام له حدوده العامة من جهة، وحاول المسلمون أن يملئوا ما بين هذه الحدود من جهة أخري.
كان نظاما إنسانيًا، لكنه تأثر بالدين إلي حد بعيد جدًا، ولم يكن الخليفة يصدر عن السلطة الدينية، لكنه كان مقيدًا بما أمر الله به فتغير نظام الخلافة الإسلامية عن كل نظم الحكم التي عرفتها الحضارات"…(17)
2- الإسلام والشريعة الإسلامية فى أول دستور لمصر
يظن كثيرون أن دين الدولة هو الإسلام وليد سنوات قريبة ، لذا نسمع دعوات لتعديلها ، لذا فإننا سنتناول نبذة عنهما فى الدستور حتى لا يطول الأمر بنا ونخرج عن القصد . لعل العرض التاريخى لأصل المادة الثانية ومنشؤها فى الدستور المصرى يؤكد أنها موجودة فى أول دستور لمصر فى القرن العشرين ولم ينفردالإسلاميون بوضعه ، ولم يعارضه المسيحيون واليهود فى لجنة صياغة الدستور التى كان يمثلان فيها20% من أعضاء اللجنة.
من أين ظهرت المادة ‏2‏ من الدستور؟‏ إن أصلها الدستوري يرد من المادة ‏149‏ من دستور مصر في سنة ‏1923‏ الذي استمر معمولا به حتى‏ 1953‏، وهي المادة الأولى من الباب السادس من الدستور وعنوانه: أحكام عامة، ونصت على أن الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية‏.‏ وكانت شكلت لجنة وضع هذا الدستور في أبريل سنة ‏1922‏ من ثلاثين عضوا، عدا رئيسها حسين رشدي باشا رئيس الوزارة السابق ونائب رئيسها أحمد حشمت باشا وزير المعارف السابق، وكان أعضاؤها الثلاثون من النخب السياسية العليا ذات الاتصال الوثيق بالحكم ورجاله، وهم إما من رجال السياسة المتصلين بالملك، وإما من رجال حزب الأحرار الدستوريين، وهم جلهم من ذوي التعليم والثقافة غير التقليدية، وليس فيهم من يمكن أن يكون ممثلا لما نسميه اليوم بالتيار السياسي الإسلامي، وجلهم ذوو تعليم حديث ونزوع ثقافي آخذ من الفكر الوافد ومدارسه ، مثل: علي ماهر، وعبد اللطيف المكباتي، وعبد الحميد بدوي، ومحمد علي علوبة، وعبد العزيز فهمي، وإبراهيم الهلباوي، وفيها من ذوي الثقافة والتعليم الديني الشيخ محمد بخيت المطيعي المفتي الأسبق، والسيد عبد الحميد البكري شيخ الطرق ونقيب الأشراف، والشيخ محمد خيرت راضي، كما كان فيها من المسيحيين يوسف سابا باشا، وقليني فهمي باشا، وإلياس عوض بك، وتوفيق دوس بك، كما كان عضوا بها الأنبا يؤانس نائب البطريرك وقتها، وهو من تولي البطريركية عقب وفاة الأنبا كيرلس الخامس في سنة ‏1927‏، واستمر بطريركا بضع عشرة سنة حتى وفاته، كما كان فيها يوسف أصلان قطاوي باشا من اليهود‏…(18)
" اجتمعت لجنة وضع دستور 1923م, التي ضمت ممثلين عن المكونات الاجتماعية والدينية لمصر ـ وفي مقدمتهم هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف.. والكنيسة الوطنية.. وحاخامية اليهود المصريين ـ واتفقوا جميعا علي أن يتضمن الدستور المصري النص علي أن العروبة والإسلام هي هوية مصر ـ الدولة والمجتمع ـ فنص الدستور علي أن اللغة العربية هي اللغة القومية لمصر, وأن دين الدولة المصرية هو الإسلام.. ومنذ ذلك التاريخ أصبحت هذه القسمة من قسمات العقد الاجتماعي لمصر والمصريين موضع إجماع, لا يخرج عنه إلا قلة من أهل الشذوذ الفكري, أو اللقطاء الذين يريدون استبدال الهوية الغربية بهوية العروبة والإسلام"..(19)
وتذكر مضابط أعمال اللجنة أن لجنة وضع المبادئ اقترح عليها الشيخ محمد بخيت في ‏19‏ مايو سنة ‏1922‏ أن ينص الدستور على أن دين الدولة الرسميالإسلام، فطرح الرئيس حسين رشدي باشا الاقتراح للتصويت فتقرر بالإجماع قبوله‏..‏ ولما تلا النص في اللجنة العامة في ‏14‏ أغسطس ‏1922‏ قررت الهيئة الموافقة عليه بالإجماع، وتلا نص المادة بجلسة ‏3‏ أكتوبر ‏1922‏، فوافقت الهيئة عليه بالإجماع، ومعنى ذلك أنه بمجرد اقتراح هذا النص ووفق عليه بالإجماع بغير تحفظ ولا مناقشة، وبغير أن يظهر أنه أثار حرجًا أو قلقًا أو عنتًا، وذلك في جو فكري يفوح في فكره عبير الليبرالية ، والإجماع يشمل هنا أعضاء اللجنة غير المسلمين، وهم يبلغون نسبة تشارف ‏20%‏ من العدد الكلي، وأن من يطالع أعمال هذا الدستور إبان إعداده في داخل اللجنة أو في خارجها على صفحات الصحف، يعرف إلى أي مدى كُفل لإعداده جو من حرية التعبير ومناقشة سلطات الملك والشعب والتمثيل النسبي لغير المسلمين وغير ذلك، كفل له من ذلك ما يكشف عن أن الرضاء الذي قوبل به نص دين الدولة كان يفيد القبول الأوسع و الأشمل‏.‏
لقد كان الجميع على وعي بأنهم بصدد وضع دستور يصوغ التوجه الأساسي للدولة الحديثة بمصر، ويحدد المبادئ التي ترسم هويتها الحضارية، لذلك انتهوا إلى أن دين الدولة الرسمي الإسلام ولغتها الرسمية اللغة العربية قولا واحدا لم يكن بحاجة إلى جدل، وهو تقرير لأمر واقع‏.‏
والحاصل بعد ذلك، أن هذا الحكم الدستوري ظل مرعيًّا ضمن التراث الدستوري الأصيل للدولة المصرية على مدى القرن العشرين، وكل دستور كامل صدر في مصر أورد هذا النص بهذا الحكم، دستور ‏1930 (‏استمر نحو خمس سنوات ثم عاد دستور ‏1923)‏ ودستور ‏1956‏ في عهد ثورة ‏23‏ يوليو ‏1952، ودستور‏1964‏، ودستور ‏1971.‏ ولم يشذ من ذلك إلا دستور ‏1958‏ في عهد وحدة مصر مع سوريا؛ لأنه لم يكن دستورا مكتملا، بدليل أن مجلسه النيابي كان بالتعيين من رئيس الجمهورية من بين أعضاء مجلس البرلمان المصري والسوري، وقد زال بانفصال سوريا في ‏1961.‏
وإن دلالة استمرار النص على دين الدولة الرسمي الإسلام عبر الدساتير المختلفة دلالة مهمة جدًّا؛ لأن مقارنة هذه الدساتير بعضها ببعض تكشف عن أنه لم يكن ثمة نظام دائم لمصر على هذا المدى،‏ فيما عدا الإقرار بعدد من المسلمات؛ منها أن دين الدولة الرسمي الإسلام‏.
كانت هذه الدساتير تتراوح بين النظام الملكي والنظام الجمهوري، وتتراوح بين الملكية المستبدة ‏(1930م)‏ والملكية البرلمانية ‏(1923)‏، وتتراوح في النظام الجمهوري بين النظام الرئاسي والنظام القريب من البرلماني، وتتراوح بين نظام الحزب الواحد ونظام تعدد الأحزاب، وتتراوح بين النظام الاشتراكي القائم على تقييد الملكية العامة وبين النظام الرأسمالي الذي يطلق حرية الملكية الخاصة، وبين…‏ وبين… إلخ.
ولكن بقيت اللغة عربية والدين الإسلامي،‏ وهذا يكشف وجه الثبات الذي لا يوجده الدستور، ولكنه لا يملك إلا أن يعترف به، ويكشف عن أنه نص حاكم لغيره وليس محكومًا بغيره، والمعنى هنا يستفاد بالاستقراء العلمي للتجربة التاريخية للأمة ودولتها‏…(20)
وقد اتجه الدكتور السنهوري إلى تقنيين الشريعة الإسلامية فى قوانين مدنية وعمل بجهد لكي يتفق القانون المدني مع مبادئ الشريعة. وقد أقر علماء الشريعة أن هذا القانون أقرب القوانين إليها, فهي إعمال مصالح العباد ودرء المفاسد عنهم…(21)
وقد درس الدكتور عبد الرازق السنهوري علاقة الدين الإسلامى بالسياسة والدولة والحكم والقانون ، فنشر فى مجلة المحاماة بحثه بالغ الأهمية عن " الدين والدولة فى الإسلام ."وتحدث عن مذهب الشريعة الإسلامية فى التمييز بين سلطات التشريع والقضاء والتنفيذ ، وخلص إلى أن الشريعة الإسلامية إذا صادفت من يعنى بأمرها تستطيع أن تجارى القانون ، بل وتتفوق عليه فى بعض المسائل …وفى هذا النظام الفريد تجتمع" الشريعة الأهلية "و" سلطة الأمة "المستخلفة من الله فى إقامة حكمه ، بينما لا وجود للشريعة فى الدولة العلمانية(22)
يقول المستشار طارق البشرى: " إن العرض السابق يظهر بجلاء أن المادة ‏2‏ من دستور ‏1971‏ لم يضعها الرئيس السادات من عنده ليكسب شعبية زائفة،‏ ولا كانت مجرد نص مصطنع ليدغدغ به عواطف الجهلة‏.‏ والنص موجود من ‏1923‏ بإجماع واضعيه، وباق أيضا باستقراء تاريخي كامل، وهو أثبت من غيره إطلاقا‏.‏ وهو ليس نصا يقوم به حزب أو جماعة سياسية من أجل الانتشار ودغدغة العواطف، ودين الدولة الإسلام يقتضي بذاته الجزم بمصدرية الشريعةالإسلامية للتشريع، وإلا كان النص لغوا، وليس يصح في الأذهان أن يكون أثبت نص في الدستور هو ما يوصف بكونه لغوا،‏ ولا يصح في الأذهان قط أن يقال: إن المجتمع المصري عرف الشريعة الإسلامية مصدرا للتشريع منذ اعتلاء السادات أريكة حكم مصر في ‏1971‏، وإنه عرف الشريعة بوصفها المصدر الرئيسي للتشريع منذ شهر مايو سنة ‏1981‏ بالتعديل الدستوري الذي أدخله السادات ‏.‏ والسؤال العجيب هو‏:‏ هل صارت مصر إسلامية بقرار من الرئيسالسادات ولم تكن كذلك قبله؟
أنا لا أجحد حقيقة أن الرئيس السادات إنما أراد بهذا النص أن يؤلف قلوب المصريين؛ ليتمكن من تعديل الدستور بما يتيح له الترشيح للرئاسة لأكثر من مدتين، ولكن هذا لا يعني أن مصدرية الشريعة الإسلامية كانت أمرا غير وارد ولا مهم،‏ بل إن محاولته استغلال هذا الهدف الشعبي العام لتحقيق مصلحة ذاتية له في أمر آخر إنما هو إقرار بأهمية هذا الهدف العام، وإلا لما كان سانحا له أن يؤلف به القلوب‏.‏.. وبالمثل فإن نص المادة ‏2‏ من دستور‏ 1971 هو أولا سار على نهج سوابقه فيما يتعلق بأن دين الدولة الرسمي الإسلام، ونص على مصدرية الشريعة الإسلامية، وهو حكم لا يزيد عن كونه تطبيقا؛ لأن دين الدولة الإسلام، لأن الدين هو المرجعية أو المصدرية، والسادات أراد أن يؤلف قلوب المصريين لنفسه بأن يستجيب لمطلب لديهم له هذه الأهمية‏.‏."…(23)
واتخذ مجلس الشعب المصري في 17 ديسمبر سنة 1978 قراره بالبدء في تقنين أحكام الشريعة وتشكلت لجنة برئاسة الدكتور صوفي أبو طالب رئيس مجلس الشعب فى ذلك الوقت ، وانتهت من تقنين أحكام الشريعة سنة 1983، إلا أنها لم تخرج إلى حيز التنفيذ ، وظلت حبيسة الأوراق .
وظل دستور 1971 يعمل به بالمادة الثانية: "الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع." والمادة الثالثة :" مادة 3: السيادة للشعب وحده، وهو مصدر السلطات، ويمارس الشعب هذه السيادة ويحميها، ويصون الوحدة الوطنية على الوجه المبين في الدستور"….(24)
ولا يوجد أي تناقض بين المادة الثانية: الشريعة الإسلامية والثالثة : السيادة للشعب وهو مصدر السلطات .

ولما نجحت ثورة 25 يناير 2011 فى عزل مبارك عن الحكم يوم الجمعة 11 فبراير أصدر المجلس العسكرى يوم الأحد 13 فبراير إعلان دستورى بتعطيل العمل بدستور 1971م .ومنذ ذلك الوقت أعلن الليبراليون على الملأ دعوتهم إلى إلغاء المادة الثانية من دستور 71 عند صياغة دستور جديد للبلاد .

3- المبادىء العامة للمرجعية الإسلامية
يقول د. إبراهيم البيومي غانم: " وثمة عشرة مبادئ تشكل في مجموعها المعني الذي نشير إليه عندما نتحدث عن دولة مدنية أو حزب سياسي بمرجعية إسلامية.وهذه المبادئ العشرة هي:
  • أولا: الكرامة الإنسانية, وأساس هذا المبدأ هو قول الله تعالي ولقد كرمنا بني آدم وتكريم الإنسان في الإسلام سابق علي ارتباطه بأي نوع من الروابط الاجتماعية أو الدينية أو السياسية, أو غير ذلك من الروابط التي تؤطر الوجود الحياتي له, وهذا يعني أنه مكرم في ذاته ولذاته. ويعني أيضا أن كل سياسة أو قرار أو مشروع أو ممارسة تنتهك شيئا من كرامة الآدمي هي انتهاك لإسلامية الدولة, وإهدار لشرعية السلطة التي تقوم علي شئونها بنفس القدر الذي تنتهك به الكرامة الآدمية. وقلنا إن كرامة الآدمي هي القلب النابض لفكرة المجتمع المدني التي أتي بها الإسلام لبناء دولته المدنية.
  • ثانيا: إعلاء قيمة العقل, والدعوة لتحريره من كل قيد يمنعه من التفكير والإبداع. وخاصة قيود الخرافات والتقليد والأمية. وإطلاق حرية التفكير باعتبار أن العقل هو النعمة الكبري التي أنعم بها الله علي بني الإنسان, وجعل التفكير فريضة من فرائضه, ونظر إلي المقصر في أدائها كالمقصر في أداء الصلاة, أو الصيام أو الزكاة, وغير ذلك من سائر فرائض الإسلام. وكل سياسة أو قانون أو ممارسة لا تضمن للعقل حريته فهي مناهضة لشرعية الدولة المدنية المؤسسة علي مرجعية إسلامية.
  • ثالثا: العمل بمبدأ الشورى, لمنع الاستبداد, وتجنب الاستئثار بالسلطة, وقطع الطريق علي شهوة الانفراد بالرأي. ومن مستلزمات الشورى أن تتخذ السلطة كل ما من شأنه تشجيع المواطنين علي المشاركة وإدانة السلبية والانعزال. ومن ذلك أيضا عدم الاعتراف لفرد أو حزب أو جماعة أو لحكومة بالعصمة وأن العصمة للأمة; أي لمجموع الشعب, وإرادته العامة التي يتم التعرف عليها من صناديق الاقتراع الحر، وبصفة دورية.
  • رابعا: نقض السلطة الدينية, وتقويض أركانها, وتجفيف منابعها. والسلطة الدينية تعني فرض وصاية أو رقابة علي ضمير الفرد أو محاسبته علي إيمانه المستكن في قلبه. ونحن نؤمن بأن الإسلام ليس فيه سلطة دينية إلا سلطة الوعظ والإرشاد العام فقط; وأسلوبها هو الحكمة والموعظة الحسنة, وبعد ذلك من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.
  • خامسا: أن كل إنسان معصوم الدم والعرض والمال بآدميته فقط, ولا يحل لأي كان أن ينال من ذلك شيئا; إلا بجناية ارتكبها وفق قواعد القانون وبحكم قضائي عادل.
  • سادسا: إعلاء قيمة العمل, والعمل وحده ـ ذهنيا أو بدنيا ـ هو المصدر الوحيد للكسب. وهذا يقتضي تجريم كل مصدر آخر للكسب مثل الرشا, والسرقة, والغصب, وأكل المال العام, والاستيلاء علي ممتلكات الغير بالباطل.
  • سابعا: إقرار العدل لإبطال الظلم. والعدل هو إعطاء كل ذي حق حقه, دون زيادة أو تقصان ; وضمن ذلك وجود قضاء حر ومستقل. وإن أي سياسة أو قانون أو ممارسة ينتج عنها ظلم تعتبر باطلة, وتنتقص من شرعية السلطة الحاكمة, وتنتهك إسلامية مرجعية الدولة المدنية.
  • ثامنا: إقرار التعددية الدينية, وحماية المختلفين في العقيدة وحقهم في البقاء عليها, وتجريم أي عدوان يقع عليهم بسبب عقيدتهم. ومن باب أولي إقرار التعددية الفكرية والسياسية, واختلاف الآراء في تقدير المصلحة وصوغ السياسية الملائمة للمنفعة العامة, ورفع كفاءة المجتمع علي مواجهة مشاكله وتحسين نوعية حياة أبنائه; فالمرجعية الإسلامية تقرر الاختلاف والتعدد, وتجعل الفيصل في اختيار رأي علي آخر, وتفضيل سياسة أو برنامج علي برنامج لرأي أصحاب المصلحة وهم جمهور الشعب.
  • تاسعا: تجريم الإقصاء السياسي والاستبعاد الاجتماعي, ومن ثم عدم الاعتراف لفرد أو حزب أو جماعة أو فئة أو طائفة كائنة ما كانت بأنها تمتلك وحدها الحقيقة الكاملة, أو إنها معصومة من الخطأ, ولهذا فقد أمرت المرجعية الإسلامية بالشورى, وحضت علي الاستشارة كطريق للمساعد علي التوصل إلي الصواب النافع والمحقق للمصلحة.
  • عاشرا: بناء القوة وإدانة الضعف. فالقوة المادية والمعنوية, الصلبة والناعمة, مطلوبة لحماية استقلال الوطن وعزة الشعب وتحريره من أيه هيمنة أجنبية تسلبه إرادته, أو تهين كرامته. والسلطة التي تفرط في القوة, وتتسبب في ضعف المجتمع والدولة تفقد شرعيتها وفق معايير المرجعية الإسلامية للدولة المدنية.

تلك هي المبادئ العامة للمرجعية الإسلامية للدولة المدنية, ولما يتفرع عنها من أحزاب سياسية. وهي أيضا معايير تمكننا من تقويم أدائها, وتقدير مدي اقترابها أو ابتعادها عن المعايير الإسلامية في إدارة شئون المجتمع والدولة….(25)

هذا المنشور نشر في سلسلة تربوية, علوم سياسية. حفظ الرابط الثابت.

رد واحد على المرجعية الإسلامية للدولة بين الإخوان المسلمين والليبراليي .. دراسة مقارنة

  1. الموقف الرسمي للإخوان يرد علي كل من يحاول تشويههم

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s