مصادر التشريع الجنائى الإسلامى –3 (الإجماع والقياس)

 

Picture13 

أواصل القراءة فى كتاب التشريع الجنائى فى الإسلام للشهيد عبد القادر عوده وعن مصادر التشريع الجنائى الإسلامى بدأنا الحديث عن القرآن والسنة ونستكمل اليوم الإجماع والقياس 

تعريف الإجماع: الإجماع هو اتفاق جميع المجتهدين من الأمة الإسلامية في عصر من العصور بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم على حكم شرعي.

حجية الإجماع:

إذا اتفق جميع المجتهدين في الأمة الإسلامية متفرقين أو مجتمعين على حكم واقعة من الوقائع كان هذا الحكم المتفق عليه واجب الاتباع، واعتبر الإجماع قطعياً على الحكم. أما إذا كان الرأي صادراً عن أكثرية المجتهدين فإنه يعتبر دليلاً ظنياً، ويجوز للأفراد اتباعه ويجوز للمجتهدين أن يروا خلافه، ما لم ير ولي الأمر أن يوجب اتباعه فيصبح في هذه الحالة واجب الاتباع.

الأساس التشريعي للإجماع:

أساس الإجماع هو القرآن والسنة، فالاجتهاد لا يقوم على التحكم وإنما يقوم على مبادئ الشريعة العامة وروحها فيما لم يرد فيه نص صريح في القرآن والسنة، واتفاق المجتهدين على حكم معين قاطع في موافقة هذا الحكم لمبادئ الشريعة العامة وروح التشريع فيها؛ لأن اجتماعهم على حكم واحد مع اختلاف الأقطار والبيئات والمذاهب دليل على أن وحدة الحق هي التي جمعتهم.

وقد دعا القرآن والسنة إلى اعتبار الإجماع تشريعاً ملزماً، فقوة الإلزام في الإجماع واعتباره مصدراً تشريعياً مرده إلى نصوص القرآن ونصوص السنة.

فأما القرآن فقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء: 59]، ومن المتفق عليه أن أولي الأمر في هذه الأية مقصود بهم الحكام والعلماء معاً، فكل منهم ولي أمر في عمله، فإذا أجمع العلماء على حكم وجب اتباعه؛ لأن طاعتهم واجبة بنص القرآن، كذلك قال الله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، والمقصود بأولي الأمر في هذه الآية العلماء.

أما السنة فجعلت رأي الجماعة صواباً خالصاً بعيداً عن الخطأ، واعتبرت الرأي المجمع عليه حسناً عند الله، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تجتمع أمتي على الخطأ))، وقال: ((لم يكن الله ليجمع أمتي على ضلالة))، وقال: ((ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن)).

مركز القوانين واللوائح والقرارات من التشريع الإسلامي:

تعتبر القوانين والقرارات واللوائح مكملة للتشريع الإسلامي؛ لأن الشريعة تعطي لأولي الأمر حق التشريع فيما يمس مصلحة الأفراد ومصلحة الجماعة، وقيما يعود على الأفراد والجماعة بالنفع، فللسلطة التشريعية في أي بلد إسلامي أن تعاقب على أي فعل مباح إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك، ولها أن تعفو عن الجريمة أو عن العقوبة إذا كانت الجريمة من جرائم التعازير واقتضت المصلحة العامة العفو عن الجريمة، أو العفو عن العقوبة كلها أو بعضها، ولها أن تضيق من سلطان القاضي في أي جريمة من جرائم التعازير وأن تتركه واسعاً ما دامت المصلحة العامة تقتضي هذا. والقوانين والقرارات واللوائح التي تصدرها السلطة التشريعية تكون نافذة واجبة الطاعة شرعاً، وبشرط أن لا يكون فيها ما يخالف نصوص الشريعة الصريحة أو يخرج على مبادئها العامة وروح التشريع فيها، وإلا فهي باطلة بطلاناً مطلقاً، كما سنبين فيما بعد عند الكلام على النسخ.

الشريعة لم تنفرد بجعل الإجتماع تشريعاً:

وقد يظن البعض أن الشريعة انفردت باعتبار الإجماع مصدراً للتشريع، وهو ظن خاطئ، فالقوانين الوضعية في غير البلاد الإسلامية أساسها رأي الجماعة سواء في التشريع أو التطبيق.

فالقوانين لا تصدر إلا إذا وافقت عليها أغلبية الهيئات التشريعية، والنظريات القانونية التي يجمع عليها معظم الفقهاء أو معظم القضاة يكون لها –دون تشريع- قوة ملزمة مصدرها هذا الإجماع الناقص. وتجعل القوانين الوضعية الحكم لرأي غالبية القضاة عند الاختلاف إذا تعدد القضاة، فإذا كانت المحكمة مكونة من ثلاثة قضاة كان الحكم ما يراه أثنان منهما، وإذا اختلفت الدوائر المحاكم العليا في تقرير المبادئ القانونية أو تفسير النصوص كان الحكم لأغلبية قضاة هذه الدوائر مجتمعين. ومعنى هذا كله أن القوانين الوضعية تسلم بالإجماع، وتجعل الإجماع الناقص مصدراً للتشريع والتفسير والتطبيق؛ لأنه يمثل رأي الأكثرين.

القياس

تعريف القياس:

القياس  هو إلحاق ما لا نص فيه نص في الحكم الشرعي المنصوص عليه لاشتراكهما في علة هذا الحكم.

ويؤخذ من هذا التعريف أن للقياس أربعة أركان:

(1) المقيس عليه: وهو الأمر الذي ورد النص ببيان حكمه، ويسمى الأصل.

(2) المقيس: وهو الأمر الذي لم يرد نص بحكمه، ويراد معرفة حكمه، ويسمى الفرع.

(3) الحكم: وهو الحكم الشرعي الذي ورد به النص في الأصل، ويراد الحكم به على الفرع.

(4) العلة: وهي الوصف الذي شرع الحكم في الأصل لأجله وتحقق في الفرع([2]).

136- هل القياس ممكن في جميع الأحكام؟: اختلف الفقهاء في جواز إجراء القايس في جميع الأحكام الشرعية، فرأت قلة أنه جائز لأن جميع الأحكام الشرعية من جنس واحد، وتدخل تحت حد واحد هو حد الحكم الشرعي وتشترك فيه، وقد جاز على بعضها أن يكون ثابتاً بالقياس، وما جاز على بعض المتماثلات كان جائزاً على بعضها الآخر. ورأي جمهور الفقهاء أن القياس لا يجوز إجراؤه بصفة عامة في كل الأحكام الشرعية ولو أنها تدخل تحت حد واحد؛ لأنها متنوعة ومتمايزة بأمور موجبة للتنوع والتمايز، ولا مانع من أن يكون ما جاز على بعضها وثبت له قد جاز باعتبار خصوصيته وتعيينه لا باعتباره حكماً شرعياً مجرداً، وعند هؤلاء أن القياس في كل الأحكام ممتنع لسببين:

أولهما: أنه يفضي إلى أمر ممتنع فكان ممتنعاً؛ لأن كل قياس لابد له من أصل يستند إليه، فلو كان كل حكم يثبت بالقياس لكان حكم أصل القياس ثابتاً بالقياس، وكذلك حكم أصل أصله، وإذا تسلسل الأمر إلى غير نهاية امتنع وجود قياس ما؛ لتوقفه على أصول لا نهاية لها.

وثانيهما: أن من الأحكام ما يثبت غير معقول المعنى؛ كتحديد جلد الزاني غير المحصن بمائة جلدة، وقاذف المحصنات بثمانين، وما كان كذلك فإجراء القياس فيه متعذر؛ لأن القياس يقوم على تعدية علة الأصل للفرع، فما لا يعقل له علة يمتنع إثباته بالقياس([3]) .

137- القياس في الجرائم والعقوبات: واختلف الذين لا يجيزون القياس في كل الأحكام في جواز القياس في الجرائم والعقوبات، فقال بعضهم: إنه جائز، وقال بعضهم: إنه غير جائز، ولكل حججه.

والقائلون بجواز القياس لهم حجتان:

الأولى: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر القياس حين سأل معازاً: بم تقضي؟ قال: أقضي بكتاب الله، فإن لم أجد فبسنة رسول الله، فإن لم أجد أجتهد رأيي، فأقره الرسول على قوله: أجتهد رأيي، وهو تعبير مطلق لا تفصيل فيه، فدل ذلك على جواز القياس في الجرائم والعقوبات.

الثانية: أن الصحابى لما اشتوروا في حد شارب الخمر قال علي رضي الله عنه: إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فحدوه حد المفترى. فقياس حد الشارب على حد المفترى، ولم ينقل عن أحد من الصحابة نكير فكان إجماعاً.

والقائلون بعد جواز القياس يحتجون بثلاث حجج:

الأولى: أن الحدود والكفارات من الأمور المقدرة التي لا يمكن تعقل المعنى الموجب لتقديرها، والقياس أساسه تعقل علة حكم الأصل، فما لا يعقل له من الأحكام علة فالقياس فيه متعذر.

الثانية: أن الحدود عقوبات، وكذلك الكفارات فيها شائبة العقوبة، والقياس مما يدخله احتمال الخطأ، واحتمال الخطأ شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات؛ لقوقه عليه الصلاة والسلام: ((ادراءوا الحدود بالشبهات)).

الثالثة: أن الشارع قد أوجب حد القطع بالسرقة، ولم يوجبه بمكاتبة الكفارة مع أنه أولى بالقطع، وأوجب الكفارة بالظهار لكونه منكراً وزوراً ولم يوجبها في الردة مع أنها أشد في المنكر وقول الزور. فحيث لم يوجب ذلك فيما هو أولى فهو دليل على امتناع جريان القياس فيه([4]) .

وقد تكون حجج هذا الرأي من القوة بحيث ترجحه على الرأي الأول، خصوصاً إذا لاحظنا أن تقرير حد القاذف لم يكن نتيجة القياس، إنما كان تقريره نتيجة للإجماع عليه، ولا عبرة بالاستدلال عليه بطريق القياس؛ لأن القياس لم يجعله تشريعاً ملزماً، وإنما الذي جعله كذلك هو الإجماع عليه.

على أنه يجب أن نعرف أن القياس في العقوبات يقتضي قبل كل شئ القياس في الجرائم، وأن القائلين بجواز القياس في الجرائم لا يؤدي قولهم إلى توسيع الدائرة التي تنطبق فيها النصوص، فالقياس في الجرائم والعقوبات إذن ليس مصدراً تشريعياً، وإنما هو مصدر تفسيري يساعد على تعيين الأفعال التي تدخل تحت النص، فإذا حرم النص صورة معينة لعلة ما ألحق بها القياس كل الصور المماثلة التي تتوفر علة التحريم، كإلحاق اللواط بازنا، وإلحاق القتل بالمثقل بالقتل بالمحدد، وإلحاق المسكر بالخمر عند البعض، وإلحاق القبر بالمسكن وغيره من الأمكنة المعدة لحفظ المال بحيث يعتبر آخر الكفن سارقاً… وهكذا. ولا ضير من الأخذ بهذا الرأي الذي تأخذ به المحاكم اليوم إلى حد كبير، وينادى بالتوسع في تطبيقه علماء القانون وشراحه.

القياس في الإجراءات:

ويسلم الفقهاء بالقياس في الإجراءات الجنائية، بل يسلمون بالقياس وبغيره من المصادر الأخرى التي لا يعترفون بها مصادر تشريعية جنائية، كالعرف، ومذهب الصحابى، فمثلاً يرى البعض أن يكون الإقرار في السرقة مرتين قياساً على اشتراط الأقارير الأربعة في الزنا، ومن لا يسلم بهذا يرى أن الحكم بالزنا فقط فلا قياس عليه. ويرى البعض جواز شهادة النساء في الجرائم قياساً على جواز شهادتين في المسائل المدنيه. ويجمعون على الحفر للمرجوم، وهو مذهب علي. ويشترط أبو حنيفة وأصحابه وجود رائحة الخمر مع شهادة الشهود في إثبات جريمة الشرب، وهو مذهب عبد الله بن مسعود.

هذا المنشور نشر في دعوى, سلسلة تربوية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s