الإخوان المسلمون من الثراء الحركى إلى الإنفتاح الفكرى

intro_pic 

هذه المقالة هى تدوينة للأستاذ حازم غراب مدير قناة مصر 25 والمقالة تتميز بتحليل عالى وعميق وهى منقولة من المدونة الشخصية لحازم غراب :

الأمم الواعية تنتبه مبكرا إلى عملية ذات درجة عالية من الأهمية في صنع النهضة والمحافظة على قوة الدفع  نحو آفاق التقدم والرقي الحضاري. تلك العملية هي الاكتشاف المبكر للمواهب القيادية في الأجيال الجديدة. أذكر أن أستاذنا في النظرية السياسية الدكتور حامد ربيع رحمه الله كان كثيرا ما يحدثنا في السبعينيات عن التجربة الألمانية المتميزة في هذا الصدد. فقد كان سلوك الأطفال الصغار يوضع تحت الملاحظة بدءا من مرحلة الحضانة أو الروضة. وكانت الإدارات التربوية المسؤولة عن تلك المراحل المبكرة في التنشئة الاجتماعية تتعمد خلق أو إثارة بعض المشكلات البسيطة داخل الفصول، ثم يكلف المدرسون والمدرسات بمراقبة سلوك الأطفال: فمن يبادر منهم بالتصدي لحل المشكلات، يتم تعهده برعاية مبكرة باعتباره ممن يمكن أن يصبحوا من قيادات المستقبل، ومن ثم تواصل الدولة سلسلة من برامج الاهتمام بتنمية هذه البراعم.

إن الحركة الكشفية، بداية من مرحلة الأشبال والزهرات، والاتحادات الطلابية المدرسية والجامعية كلها أنشطة تفيد في اكتشاف وصقل المواهب القيادية. وينطلق الشباب بعد تلك المراحل نحو آفاق أرحب في التدريب العملي على القيادة. وأهم المحاضن في هذا الصدد هي المؤسسات النقابية المهنية والعمالية، والأحزاب السياسية وجماعات الضغط، وجمعيات العمل الأهلي.

لقد شهدت أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين ظهور معظم كوادر الحياة السياسية المصرية والعربية بشكل طبيعي في تلك المحاضن. لكن مصر وكثيرا من الدول العربية عانت منذ الستينيات تراجعا ملحوظا في عمليات فرز القيادات الجديدة. وتعود الأسباب الأساسية وراء هذا التراجع إلى الديكتاتوريات المعاصرة التي حاصرت وشلت مؤسسات اكتشاف وتنشئة القيادات الموهوبة في المجتمع.

إن معظم نظمنا العربية كانت تتعمد سد أبواب السياسة أمام الشباب ولسان الحال الرسمي يقول فليبتعدوا عن الأنشطة السياسية وليمارسوا أي أشياء تشغلهم عنها. وتعددت الوسائل الخبيثة على هذا الطريق بدءا من فرض اللوائح الطلابية الخانقة، إلى تزوير الانتخابات، والتضييق الأمني والسياسي على العمل النقابي إلى درجة الشلل التام (كالوضع السابق في معظم النقابات المصرية مثلا). أما خارج نطاق السياسة فهناك تقصير فادح في التصدي لانتشار المخدرات بأنواعها في أوساط الشباب. وهناك تشجيع للفنون الهابطة أو تغاض عن محتواها المسف المخاطب للغرائز. وحتى الرياضة جرى تفريغها من معانيها التربوية المثالية لتتحول إلى تعصب ممجوج وتجارة.

الخلاصة أن مراد السلطة في النظم الرسمية العربية كان خنق وإجهاض محاضن اكتشاف وتنشئة ورعاية القيادات المستقبلية. والنتيجة الطبيعية لذلك هي حرمان مجتمعاتنا من الطاقات الخلاقة القادرة على التصدي لمشكلات الناس وابتكار الحلول الواقعية لها.

المراقب للساحة المصرية يدرك بقليل من الملاحظة أن الحركة الإسلامية الإخوانية لم تستسلم في تلك المعركة بل استطاعت أن تقدم قيادات حركية شابة صقلتها آلام السجون والمعتقلات. ولعلي لا أبالغ إن قلت إن استمرار عمليات القهر والاعتقال لشباب ورموز الإخوان أثمرت قدرا من التعاطف والتحدي في نفوس أعداد غير قليلة من شباب المدارس والجامعات فإذا بهم يبحثون عن الطرق المؤدية إلى الإخوان.

ومن المعروف أن المدرسة الحركية الإخوانية تطلق في الشباب روح التصدي للمشكلات العامة وابتكار حلول ذاتية واقعية لها. التراث الدعوي الإسلامي بطبيعته يحث على العطاء ونفع الناس وإغاثة الملهوف ونجدة المحتاج والتكافل والتعاون. إن هدف تحقيق تماسك المجتمع ليصبح كالبنيان المرصوص يخلب لب الجيل الصاعد المتطلع إلى المثالية والأحلام المتجاوزة للواقع. ألا ينبه القرآن والسُنة النبوية المسلم إلى واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ ألم يفصل الحديث الشريف في درجات التغيير من اليد إلى اللسان إلى الإنكار القلبي وهو أضعف الإيمان؟.

لقد ألهم السعي للفوز بقيادة الاتحادات الطلابية والنقابات والنوادي، وعضوية المجالس المحلية والبرلمان، ألهم شباب الحركة الإخوانية همة وإبداعا في فهم وتشخيص مشكلات وأزمات المجتمع. وأسفرت جماعية التفكير وروح الشورى والإخلاص عن ابتكار حلول غير مكلفة وغير تقليدية لتلك المشكلات والأزمات، ومن ثم ترسخ التنظيم الإخواني في المجتمع برغم "محظوريته" المثيرة لسخرية الجماهير.

ويبدو لمتابعي الظاهرة السياسية الإسلامية أن مناهج الإخوان التربوية تعتبر مشاركة شباب الحركة في العمل العام وسيلة مهمة من وسائل اكتشاف العناصر القيادية الجديدة. ولعل ذلك أدى بالفعل إلى وفرة القيادات الميدانية، وتعويض تغييب قياديي الصفوف الأولى في المعتقلات والسجون. وحرصت رموز الإخوان القيادية في مختلف المستويات دائما على نقل خبراتها إلى الأجيال الأحدث، في حين يقوم الحرس القديم بدور صمام الأمان الواقي من الخروج على ثوابت وتقاليد وآليات عمل التنظيم.

العقم القيادي عند منافسي الإخوان

أصاب الأحزاب والقوى السياسية المنافسة للإخوان نوع غريب من العقم القيادي والشيخوخة المبكرة. مظاهر ذلك تبدو جلية على صعيد المجتمعات المصغرة أي اتحادات الطلاب والنقابات، وعلى صعيد المجتمع العام سواء في القرى أو المدن. ومن ذلك مثلا:

– أن معظم الأحزاب المصرية بما فيها شبه الحزب الوطني البائد افتقدت إلى أيدلوجية فكرية ذات صدقية ترتبط بواقع وحياة الناس فضلا عن ثقافة المجتمع وتراثه الديني.

– أن القيادات الحزبية ظلت تتصارع على المناصب أو على الفوز برضا أصحاب السلطة والنفوذ، بدءا من صغار ضباط أمن الدولة محدودي الذكاء، ومرورا بمسؤولي منافذ الشهرة الإعلامية، وانتهاء بدوائر اختيار أو ترشيح الوزراء والمحافظين ورؤساء بعض الهيئات التابعة للدولة.

أستطيع القول بكثير من الارتياح أنني طيلة الثلاثين سنة الماضية لم أجد في الدوائر المجتمعية المحيطة بي نشطاء فاعلين كقيادات وشباب الإخوان. إنهم يتصدون لحل مشكلات الناس بلا انتظار لمقابل مادي أو أدبي. أقول ذلك وقد عشت في القرية والمدينة وانتخبت عضوا بالمجلس الشعبي المحلي في مدينتي، فضلا عن كوني عضوا في نقابة الصحفيين، وقد مررت بكل مراحل التعليم إلى ما بعد الجامعي. وفي كل هذه الدوائر لم ألحظ وجودا حزبيا فاعلا ونافعا في مثل قيادات الإخوان الشابة.

لم يتعد وجود باقي القوى والأحزاب المعارضة المصرية في تلك الدوائر مرحلة التجمع المؤقت قبيل الترشيحات لخوض الانتخابات بأنواعها. أما قيادات أو منتسبو الحزب الوطني فلم أرهم إلا وهم يمزقون ملابس بعضهم البعض أو تلوذ كل مجموعة منهم بالعصبيات والعائلات في الريف أو بضباط أمن الدولة في المدن لغرض الفوز بترشيح الحزب، ثم تتوارى تلك القيادات أو تنشغل بذاتها الأنانية عن مشكلات وأزمات المجتمع. وهناك بالطبع استثناءات قليلة على هذه الحال لكنها استثناءات تثبت القاعدة التي يراها كل مراقب محايد.

الإخوان ومشكلة العلاقة بين الحركة والفكر

برغم الإقرار بأن الإخوان نجحوا في اكتشاف وتربية وتنشئة قيادات شابة كثيرة بعكس الحال في القوى والأحزاب السياسية المصرية، ومع التسليم بأن ما حققه الحركيون الإخوان على صعيد نفع الجماهير لا ينكره إلا جاحد أو خصم غبي جاهل، إلا أن كثيرا من القيادات الحركية الإخوانية في نظر البعض تبدو أسيرة المشكلات اليومية والأزمات الخانقة في الريف والمدن أو مستغرقة في إدارة الصراع اليومي في الاتحادات الطلابية والنقابات والمجالس المحلية والبرلمان. ولعل ذلك يجعل الرصيد الفكري التنظيري محدودا، ربما بما لا يتجاوز نتاج التجربة والخطأ.

إن السنوات الطويلة منذ بزوغ النشاط الإخواني على ساحات العمل الطلابي والحزبي في نهاية السبعينيات لم تفرز حتى الآن قادة فكريين أو منظرين كبار. قد نلتمس للإخوان العذر بسبب الصراع غير المتكافئ الذي فرضته عليهم السلطة القمعية الغاشمة. إن الضربات المتوالية والزج بكثير من القيادات الوسيطة في السجون والمعتقلات حرمهم من أجواء التنظير وفحص التراكمات المعرفية الناتجة عن التجربة والخطأ.

 ويبدو أن الإخوان قد تنبهوا لخطورة افتقاد التنظير القائم على دراسة التراكم في خبرات الحركة من أجل تحقيق الإدارة الناجحة للصراع السياسي على المدى الطويل. وأقصد بالتنظير وضع واستخلاص قواعد للكر والفر والسيناريوهات البديلة، في عملية إدارة الصراع السياسي الداخلي والخارجي.

والملاحظ أن الإخوان على مستوى القيادة أصبحوا يتعاملون بشكل جيد وذكي مع هذه المشكلة، وذلك بتوجيه بعض نوابغهم نحو التخطيط واستشراف المستقبل عبر استخلاص عبر الماضي القديم والحديث، والدليل على ذلك هو تكوين لجنة إخوانية جمعت قبل سنوات قليلة تاريخ الحركة ونشرته في سلسلة مراجع موثقة. وثمة من اتجهوا من قيادات جيل الوسط نحو استكمال دراساتهم الأكاديمية في علوم ومقاصد الشريعة والعلوم السياسية والاقتصادية ودراسات الرأي العام والإعلام حتى مراحل الدكتوراه. ومن الجدير بالذكر هنا أن بعض من لم يتحملوا تبعات الانتماء التنظيمي أو من جرى ترهيبهم أو إغواؤهم سياسيا أو إعلاميا من نوابغ الإخوان السابقين لا يسعهم عندما يتعلق الأمر بالأمة وبالدين وبالهوية إلا أن يصطفوا إلى أقرب نقطة مع الحركة الأم صاحبة الفضل عليهم.

كما بدأ الإخوان منذ السنوات الأخيرة من القرن الماضي بالانفتاح المحسوب على رموز فكرية مصرية عديدة من خارج الدوائر الإخوانية.

إن العلاقة بين عطاء وخبرات الحركيين الإخوان، وبين الفكر والمفكرين خارج التنظيم شهدت تطورا ملحوظا، سوف يسفر عن خصوبة عالية تفيد الأمة وليس المجتمع المصري فحسب.

لقد شهدت السنوات الثلاثين الماضية اقترابا ملحوظا أو نقاشات رصينة بين رموز فكرية مصرية لامعة وبين القيادات الحركية الإخوانية، لعلنا نذكر منهم حامد ربيع وعبد الوهاب المسيري وطارق البشري وأحمد كمال أبو المجد وعادل حسين ورفيق حبيب.

وقد كشف الجدل بشأن مسودة البرنامج الحزبي الإخواني قبل أعوام قليلة عن حرص الحركة الإخوانية على الانفتاح على أهل الفكر، وإن كشف أيضا عن تربص عدد لا يستهان به من رموز الفكر بالحركة الإخوانية وتعمدهم تصيد أخطاء الإخوان أو التغافل عن تطور الحركة واستفادتها من أخطائها التاريخية.

هذا المنشور نشر في مقالات, علوم سياسية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s