دموع المربي (2)

نواصل مع الأستاذ الراشد حديثه للمربى :

أصول الفطرة والطبيعة النفسية أن تتسابق يد المربين إلى إفادة المريدين الذين يفتحون الأبواب والمساحات للتعلم , إذ يغريهم – أي الطلاب – انبهار الدخول المبكر في العمل الإسلامي فينتشرون بنقاء قلوبهم يطلبون العلم والتربية والنصيحة من الجميع , فيكون الرد أكثر سرعة إليهم ويتسابق الجميع لخدمتهم ووعظهم   فيحدث أثر انعكاسي على الطالب تتمثل في العشوائية والاستعجال وإلغاء حقه في اختيار شيخه ومعلمه بعدما تؤلمه التجربة  وهؤلاء نطلق عليهم : ضحايا التبني الزائد – أو العشوائي إن شئت الدقة  – ولا تخلو تجارب الدعاة جميعاً من هذا المنزلق

وفى الأمر فقه خفيّ يجب أن يدركه كل مربى  ذلك أن معيار النجاح ليس فيما يعلّمه للآخرين من خلاصة تجاربه وخبراته وعلمه , بل فيما يكتمه عنهم .. لأن لكل مقام مقال , وكل حين له درسه   ولقد قيل قديماً : أعط أخاك ما يصلحه على مكث  لا ما يرضيك على عجل  فإن ما يصلحه ليس كل ما يريده هو أو تريده أنت  فلتنتبه : فالبرعم يزعجه أن تطلب منه أن يتفتح في غير الربيع   ارفق به وتحين أركان الحكمة معه , وستجد ما يدهشك .. عندما يأتيك بعد شهور وسنوات بتجاربه التى أثقلته فيعترف لك بالفضل ويقدر صبرك عليه

أيها المبتلى الكريم ..

أما وقد اجتزنا معك مرحلة الاختيار وعوائقه .. وضربنا على أوتار حساسة مؤلمة .. فإن ملمحاً آخراً يأتيك من بعيد يجب أن تلتقط خيوطه قبل فوات الأوان

فقد حدثني أحد الدعاة من الشباب النقي الذين ابتلاهم الله بمجموعة يتولى تربيتهم في ركب الدعوة , أنه ما سأل أحد إخوانه عن أحوال بيته قط ,, فهممت بعتابه ولومه , لكنه استطرد موضحاً أنه يتبع أسلوبا أكثر رقياً وأثراً .. يقول : " بمجرد أن أتعرف على أهل بيته جيداً وتنشأ علاقة من الثقة , حتى أجد الأحوال تصلني دون سؤال , لا تسأل كيف ؟  وبها تكون الأحاديث طبيعية بعد أن ساقها الله إلىّ بطرق شتى دون طلب , و من خلال ذلك أيضاً كان التعليم على أساس متين  بعدما تعرف تاريخ المريد  وهو صغير وتأثير بيئته عليه وطريقه تعامله معها وشكل توازنه , وطبيعة العلاقة مع الأهل وأثرها عليه , وما نحن سوى مجموعة من التجارب التي مارسناها أو مورست فينا "  ـ

استنتجت من حديثه ذلك لمحات عميقة ودارت في ذهني مواقف عدة لمربين يؤدون عملهم بطريقة ميكانيكية ويخلطون الهدف بالنتيجة .. وكأنهم يحفظون أسئلة يلقونها على إخوانهم فور لقائهم , أو يسيئون الاطمئنان فيتدخلون فيما لا يعنيهم ـ بطيب قصد غالباً ـ أو يجرحون إخوانهم بسؤال متجاوز قبل تهيئة قلبية منه , والأمور تقاس بالنسبية على قدر التهيئة النفسية , وبقدر ما يسمح المريد لأستاذه من مساحة يتحرك فيها .. والوقت عندنا جزء من العلاج

ومازلنا نواسيك أيها المربى فتقبل عزاءنا .. وأخلص

نواصل الاقتباسات من كلام الراشد تدوينة قادمة ان شاء الله

هذا المنشور نشر في سلسلة تربوية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s