الأقلية السياسية القلقلة

مجلس

مقالة للدكتور رفيق حبيب :

بات واضحًا أن في المجتمع المصري عدة كتل قلقة من مسار عملية التحول الديمقراطي وبناء النظام السياسي الجديد، وهذه الكتل القلقة أصبحت تتصدر مشهد الارتباك في المرحلة الانتقالية، فهي كتل ترى أن مسار التحول الديمقراطي سوف يقود لبناء نظام سياسي جديد ومستقبل جديد غير ذلك المستقبل الذي تَصَوَّرَت أنه سوف يقام بعد الثورة أقل مما كانت تتمنى أو ترغب، وهي أيضًا كتل قلقة لأنها لا تعرف لنفسها دورًا مؤثرًا على مسار المستقبل السياسي لمصر، ولا تجد طريقًا يعظِّم من دورها في المستقبل وفي المرحلة الانتقالية، هي إذًا تمثل كتل الأقلية السياسية في المجتمع المصري، التي يرى بعضها أنه قام بدور مركزي في الثورة المصرية؛ ما يجعله مؤهلاً للقيام بدور أكبر من دور الأقلية السياسية، بل يجعله مؤهلاً للقيام بدور القيادة الفعلية للثورة، في حين أنه يمثل انتخابيًّا كتلة أقلية سياسية؛ مما يجعل تلك الكتل تحاول القيام بدور لا يؤهلها له صندوق الانتخابات.
وغالب الكتل القلقة منحازة للحل العلماني الليبرالي خاصة، وبعضها منحاز للحلِّ العلماني اليساري، وهي ترى أن ثقلها الجماهيري لا يؤهلها لتصبح أغلبية سياسية، ولكنها ترى في الوقت نفسه أنها تمثل قيادة ونخبة ثورية؛ ما يجعل من حقها أن تكون نخبة حاكمة، وهنا يظهر التناقض بين ما تتصوره بعض الكتل القلقة عن نفسها ودورها وحقيقة وجودها في الشارع، وتلك الكتل العلمانية القلقة سواء الشبابية منها أو الحزبية أو النخبوية حاولت بناء كتلة أكبر من خلال جذب المجموعات المتخوفة من التيار الإسلامي، فأضافت لذلك كتلاً اجتماعية قلقة لرصيدها الجماهيري.

ولكن تلك الكتل القلقة المتخوفة من التيار الإسلامي لم تشكل في الواقع العملي إلا أقلية سياسية أيضًا، فأصبحت بعض الكتل القلقة خاصة من المجموعات الشبابية الثورية تحاول أن تضيف لرصيدها كتلاً جماهيرية قلقة من المهمشين وأسر الشهداء والمصابين لم تشكل في الواقع العملي كتلة جماهيرية أو تصويتية تغير من واقع الكتل العلمانية القلقة فاستمرت تمثل أقلية سياسية.
لذا تحركت الكتل القلقة داخل أطر، وسعت من دائرة القلق والحيرة، ووسعت من دائرة الإحباط والارتباك، وزادت من دائرة المتوفين من مسار الثورة، ولكنها لم تبن في الواقع كتلة جماهيرية كبيرة تغير من وضعيتها السياسية والمجتمعية، والتي تجعلها في النهاية كتلة تمثل الأقلية السياسية، لذلك بدآ التوجه نحو فكرة حكم الأقلية السياسية على الأقل في المرحلة الانتقالية؛ حيث إن تلك الأقلية السياسية ترى أنها نخبة، ويرى بعضها أنه نخبة الثورة، ويقدمها الإعلام العلماني على أنها الفئة التي صنعت الثورة؛ ما يجعل لها وضعًا نخبويًّا يفترض أنه يمنحها حق إدارة المرحلة الانتقالية، وحق بناء نظام سياسي جديد حسب رؤيتها وليس حسب رؤية السواد الأعظم من الناس .
وحتى تقوم هذه الكتل العلمانية القلقة بدور نخبوي يشب تصوراتها ويتوافق مع تصورها لدورها أصبح من المهم البقاء في مربع المرحلة الانتقالية، وفي داخل الحالة الاستثنائية دون التوجه نحو الاستقرار وبناء النظام السياسي الجديد، وأصبح من المهم أيضًا وقف عملية التحول الديمقراطي، واستبعاد عملية الاحتكام لصندوق الاقتراع مؤقتًا، وهنا ظهرت حالة التظاهر المستمر تحت لافتة البقاء في مربع الحالة الثورية وعدم الخروج منها حتى يتأسس وضع يسمح لفئة من النخبة العلمانية السياسية والشبابية بالقيام بدورها الذي تتصوره لنفسها، ولكن موقف الرأي العام الذي يؤيد الدخول في مرحلة البناء والاستقرار وبناء المستقبل الجديد أصبح عائقًا أمام تلك المجموعات؛ لأن الرأي العام ابتعد عن التظاهر وأصبح يميل إلى الدخول في مرحلة بناء مستقبل جديد وحياة جديدة.
ومن هنا اتجهت الكتل القلقة إلى قضية محورية أساسية، وهي قضية القصاص لدماء الشهداء، وأصبحت هي القضية المحورية التي تستطيع من خلالها الكتل القلقة أن تعيد الجماهير إلى الميدان حتى تبقى الحالة الثورية، وحتى تستطيع بعد ذلك رسم مسار جديد للمرحلة الانتقالية بعيدًا عن صناديق الانتخاب، والتي تكشف أنها كتل الأقلية السياسية.
وحتى تبقى حالة الغضب والثأر لدمار الشهداء مستمرة أصبح استمرار حالة التظاهر والاشتباك مع قوات الأمن والجيش مسألة محورية؛ لأنها تُبْقِي حالة الثأر مشتعلة، ومع استمرار حالة التظاهر والاشتباك يسقط شهداء جدد، فتجدد بذلك حالة الثأر لدماء الشهداء، ويصبح التظاهر من أجل دماء الشهداء ينتج عنه شهداء جدد، ثم تعود حالة التظاهر والاشتباك من أجل دماء الشهداء الجدد، وبهذا ندور داخل حلقة مغلقة تُبْقِي المجتمع في حالة الغضب الثوري، حتى يتم وضع مسار جديد للمرحلة الانتقالية تقوده مجموعات النخب الشبابية والسياسية ذات التوجه العلماني.
والملاحظ أن المشهد تمدد من المجموعات الشبابية إلى نخب علمانية، وإلى أحزاب سياسية علمانية أيضًا يمثله بعض الشباب الذي شارك في الثورة، وبعض الشباب الذي دعا لثورة، فالأمر لا يتعلق بدور الشباب في المستقبل؛ لأنه سوف يقود البلد في النهاية، ولكن الأمر يتعلق بتصورات رأت أن الثورة سوف تقيم دولة علمانية، وعندما بات واضحًا بعد نتائج الاستفتاء على التعديلات الدستورية أن مسار المستقبل السياسي لمصر لن يؤدي إلى بناء دولة علمانية باتت الفئات الراغبة في بناء دولة علمانية تمثل المجموعات القلقة التي تريد وقف التحول الديمقراطي؛ حتى تبني هي الدولة التي تريده

هذا المنشور نشر في مقالات. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s