الإخوان والعدالة الإجتماعية الرؤية والواقع (1-2)

Picture1s

دراسة قيمة وضعها موقع اخوان ويكي بقلم/ السعيد رمضان العبادى 

المقدمة

العدالة الإجتماعية من المبادئ الإنسانية العريقة التي يمتد وجودها إلى قِدَم عمر البشرية، فمنذ الفجر الأول للتاريخ وبداية الخلقة عرفتها البشرية بوصفها حاجة متأصلة في أعماق الوجود الإنساني فقبلتها وأذعنت لها وجعلتها اللبنة الأساسية لقوانينها وقضائها. وليس هناك من شيء أشد وقعاً على الفطرة البشرية وإثارة لنفرتها وكراهيتها، كهضم الحقوق التي يعاني منه الضعفاء والمظلومون، وليس هناك ما يخلّف العداوة والبغضاء في القلوب أشدّ من الظلم ومناوأة العدل.

إنّ افتقار المجتمع للعدالة كان -على الدوام- السبب الذي أدى إلى وقوع أغلب الثورات، ولذلك تزعّم جميع مصلحي التاريخ وقادة التحرر حركاتهم الإصلاحية مستهدفين إقامة العدل والقسط، والقضاء على كافة أشكال التمييز والظلم.

فتلقت الأُمم والشعوب تلك الدعوات الإصلاحية بكامل الرضا والقبول، فقد كانت متعطشة للعدالة مؤتمرة بأوامر أُولئك المصلحين، متطلعة لتحقيق هذا الهدف الإنساني النبيل الذي هو ضالة الفطرة السليمة.

والأهم من كل ذلك أنّ العدالة تمثّل هدفاً دينياً ربانياً كان يشكّل محور رسالات الأنبياء، الذين ضحوا بالغالي والنفيس ولم يبخلوا بأرواحهم في سبيل تحقّق العدالة ونشرها بين أوساط الأُمة.

وكانت العدالة الإجتماعية أحد أهم العوامل التي قامت عليها ثورة 25 يناير فالمؤكد أن المتجمع المصري خلال الثلاثين عاماً الأخيرة كان هناك تفاوت طبقي واسع واشتدت الهوة بين طبقات المجتمع المصري خاصة خلال العشر سنوات الأخيرة فكان شعار الثورة المصرية (عيش – حرية – عدالة إجتماعية) والملاحظ أيضاً أن أحد أهداف ثورة 1952

كان إسقاط الإقطاع فالشاهد الرئيسي أن العدالة الإجتماعية هي أحد محركات الشعوب للثورات والإصلاح وهذا ما تبنته جماعة الإخوان المسلمين منذ نشأتها على يد الإمام البنا عام 1928 فكان لها دور خدمي واجتماعي على نطاق واسع وبالرغم من الاتهامات العديدة التي طالت الجماعة بعدم انحيازها للفقراء إلا أن التاريخ والواقع يثبت غير ذلك تماماً فالإمام البنا كان من أوائل من دعا إلى تطبيق مبدأ العدالة الإجتماعية وكذلك البرامج الانتخابية المتعاقبة للإخوانوالأدبيات المختلفة التي كانت تركز وباستمرار على المطالبة والسعي لتحقيق العدالة الإجتماعية وهذا ما سنحاول تأصيله من خلال هذا البحث وسيكون منهج البحث هو تأصيل لمفهوم العدالة الإجتماعية بداية لدى الفكر الإسلامي مقارنة بالفكر الغربي ثم التأصيل لرؤية ومنهج الإخوان في التعامل مع العدالة الإجتماعية .

مفهوم العدالة

اتفق معظم اللّغويون بشأن «العدل» على أَنّه يعني المساواة والتكافؤ. وقالوا بأنّ «العَدل» و«العِدل» مفردتان مترادفتان في المعنى، غير أنّ «العَدل» يختص بالأشياء التي يدرك تساويها بالبصيرة، في حين يستعمل «العِدل» في مجال تلك الأمور التي يدرك تساويها عن طريق الحس. والعَدل هو المساواة في الجزاء، والإحسان مضاعفة الثواب

قال ابن فارس: العين والدال واللام أصلان صحيحان، لكنهما متقابلان كالمتضادين: أحدهما يدل على استواء، والآخر يدلّ على اعوجاج.

والتعبير الأوّل: العَدْل من الناس، أَي الشخص ذو النهج المستقيم المرضي عند الناس المستوي الطريقة، يقال هذا عَدلٌ، وجمعه «عدول». والعَدِل الحكم بالاستواء، والعَدل: نقيض الظلم والجور.

التعبير الثاني: بمعنى الاعوجاج والانحراف، عَدَل، وانعدلَ، أي انفرج.

كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبَّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾

والعدالة في الشريعة تمثّل الاستقامة على الحق وغلبة العقل للهوى، أمّا العدالة عند الفقهاء فهي اجتناب كبائر الذنوب وعدم الإصرار على صغائرها ورعاية التقوى وملازمتها وترك المحرمات وفعل الواجبات، والابتعاد عن الأفعال الوضعية، ويصطلحون على ذلك بملكة العدالة أمّا المفكرون والحكماء والفلاسفة فلهم تعاريف مختلفة للعدالة، وهذا ناشئ من اختلاف الظروف التي كانت تسود المجتمعات والتي تحكم ذهنيات الأفراد. فقد كان للفلاسفة والحكماء إبان القرون الوسطى -مثلاً- عناية وأهمية فائقة بالطبيعة وتأثيرها على الأفراد والحكومات، الأمر الذي جعلهم يذهبون إلى أنّ العدالة تمثل السلوك الذي ينسجم والطبيعة ورعاية الحقوق الطبيعية.

فيرى هؤلاء الفلاسفة أنّ العدالة عبارة عن مبدأ مثالي، أو طبيعي، أو توافقي يتكفّل بتعيين الحق، ويوجب الإقرار به ورعايته عمليًّا.

ولذلك يعتقد أرسطو بأنّ العدالة بمعناها العام إنّما تشمل جميع الفضائل، أمّا بمعناها الخاص، فهي فضيلة يتحتم بموجبها إعطاء كل فرد حقه. ثم أضاف الحقوقي الرومي «سيشرون» هذه العبارة- لذلك التعريف- وهي: «شريطة ألاّ تضرّ بالمصالح العامّة».

وقد عدّ الحقوقيون وحكماء الغرب تعريف أَرسطو مع عبارة سيشرون المكملة له من أنجح التعاريف التي ساقها الفلاسفة حول مفهوم العدالة

أفلاطون بدوره يرى أنّ العدالة وشيجة تؤدّي لالتحام أفراد المجتمع أو وحدتهم من أجل الانسجام والتنسيق.

وقد أُضيف لمعنى العدالة في عصر النهضة: «ضمان مصالح الآخرين، وقيل بأنّ العدالة الإجتماعية تعني احترام حقوق الآخرين وإعطاء كل ذي حق حقه»

وقد وردت مثل هذه التعاريف في كلمات العلماء والمفكرين الإسلاميين أيضاً.

فقد عرّفها الطبرسي بأنّها تعني مماثلة الشيء لنفسه، أي المساواة، فقال: «هو(العدل) مثل الشيء من جنسه…»

أمّا ابن أبي الحديد فهو يعتقد بأنّ العدالة خلق متوسط بين الإفراط والتفريط فيقول: «العدالة هي الخلق المتوسط، وهو محمود بين مذمومين، فالشجاعة محفوفة بالتهور والجبن، والجود بالشح والتبذير… وعلى هذا كل ضدين من الأخلاق فبينهما خلق متوسط، وهو المسمى بالعدالة…»

وصرح الشيخ الأنصاري بأنّ العدالة تعني الثبات والاستقامة وذكرها العلاّمة الطباطبائي قائلاً:

«العدالة هي المساواة والموازنة بين الأُمور بحيث يحصل كل على استحقاقه»

وقال في موضع آخر: «العدالة هي الحالة الوسطى بين الإفراط والتفريط»

الشهيد المطهري عرفها قائلاً: «العدالة تعني إعطاء حق كل ذي حق وعدم الاعتداء على حقه»

طبعاً فصل الخطاب -والأهم من كل ما ذكر- قول الإمام علي (عليه السلام) بأنّ العدالة إعطاء كل ذي حق حقه. فيقول (عليه السلام): «الذليل عندي عزيز حتى آخذ الحق له، والقوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه»

ثم وصفها في موضع آخر بأنها الإنصاف والاعتدال والابتعاد عن الإفراط والتفريط، و«وضع الأشياء مواضعها».

العدالة الإجتماعية .. رؤية فلسفية

منذ بزوغ فجر الخليقة والبشرية تئن من سياط الظلم والجور، وتتطلّع للعالم الذي لا يسوده التمييز والتجاوز والاعتداء.

وقد تطلّعت البشرية على مدى التاريخ بكافّة أفرادها وطبقاتها ومجتمعاتها، صغيرها وكبيرها، مؤمنها وفاسقها، رجالها ونساؤها، حتى ظالمها ومظلو مها، عالمها وجاهلها لإقامة العدالة وتطبيقها بين الناس، فهي صفة إنسانية قد استبطنتها فطرة الإنسان التي تأبى رفضها والتمرد عليها.

أضف إلى ذلك، فإنّ الصورة التي رسمها كافّة الحكماء والفلاسفة للمدينة الفاضلة كانت قائمة على أساس التكافؤ والمساواة، إلى جانب تطبيق العدالة الاجتماعية، التي تعدّ الركن الركين لتلك المدينة،وسنعرض هنا لآراء بعض الحكماء بهذا الخصوص.

سقراط «470- 399ق. م»

يعتقد سقراط بأنّ القانون والعدالة يمثلان دعامتي المشروع الذي يطرحه، والذي يتضمّن الحياة الأفضل.

ومراده من القانون، القانون الإنساني الذي يسود كل منطقة وحكومة، أمّا العدالة فهي الانصياع التام لذلك القانون

أفلاطون «427- 347ق. م»

لقد نحا أفلاطون منحى أُستاذه سقراط، وغامر وضحّى بحياته في سبيل نشر فلسفته في تلك الظروف السياسية المتوترة، وسعى جاهداً لتأسيس جمهوريته الحديثة -حكومة السماء على الأرض- أو مدينته الفاضلة على أساس أفكاره ومعتقداته. ولم يكن كتابة المعروف «الجمهورية» ليقتصر على النظريات المحصنة، بل كان يسارع مبادراً لإدخالها حيز التطبيق العلمي

كان يصطلح على الانسجام والتوافق والنظام الذي يسود عناصر المجتمع بالجمال أحياناً، أو عصر الفضيلة والخير، فيرى العدالة هي ذلك الخير والجمال. ويعتقد بأن العدالة الإجتماعية تعني تفويض كل فرد بما يتناسب وإمكاناته وقابلياته.

أَرسطو «384- 322ق. م»

أَرسطو هو الآخر يرى بأنّ العدالة نوع من التناسبويصرّح بأنّ الحكومة المثالية هي تلك الحكومة التي تهدف إلى إشاعة الرفاه والسعادة في ربوع المجتمع.

وليس هناك من أهمية تذكر لشكل الحكومة، إنّما المهم حماس ومعنويات واستقرار – قادتها – رموزها وعناصرها، الذين يضطلعون بمهمة تنفيذ القانون واستتباب العدالة وتهيئة أسباب الراحة للمجتمع.

ثم تبعهم سائر الفلاسفة والحكماء في تأكيدهم على مبدأ العدالة. فقد قال «ولتر»: يبدو لي أنّ العدالة من الحقائق ذات الألوية القصوى التي تحظى بقبول العامّة وإن أدّى ظاهرها لارتكاب أَعتى الجرائم

البنود الإحدى والثلاثون للميثاق الدولي لحقوق الإنسان هي الأُخرى استهدفت القضاء على الاعتداءات والانتهاكات، والتمييز العنصري، وإقامة النظام العادل الذي لا يسوده الظلم والعدوان. فقد تضمّـنت المطالبة بتوفير الحريات وإحقاق حقوق الأفراد على كافة الأصعدة والميادين وإن كان الواقع العملي خلاف تلك المضامين، بحيث يعدّ الموقعون على تلك البنود أول من تطاول عليها ونقضها وانتهك حرمتها.

العدالة عند الفلاسفة الإسلاميين

أمّا على صعيد الفلاسفة المسلمين فيمكن الإشارة إلى الفارابي الذي عكف على دراسة المجتمع نظرياً وبيان متطلباته واحتياجاته في ظل الأجواء والظروف السياسية والإجتماعية السائدة آنذاك، فألّف عدّة رسائل ومؤلفات في المجال السياسي، أشهرها كتابه المعروف بـ«المدينة الفاضلة»، والذي شبّه فيه المجتمع بالجسد وزعيمه بالقلب الذي ينبغي أن يتحلّىّ ببعض الصفات -من قبيل القوة والحزم، والعزم والفطنة، والولع بالعلم ونصرة العدل- لأنه القائد الذي يدبّر سائر الأنشطة والفعاليات، ويمنحها النظام المطلوب

العدالة الإجتماعية في المنهج القرآنى

يمثل مفهوم العدل أحد الركائز الأساسية في الرؤية القرآنية فالعدل هو محور كل شئ ، وعليه ترتكز فلسفة التشريع، وحكمة التكوين، وبناء المجتمع، وحفظ الحقوق، وتعميق المبادئ الأخلاقية.

والعدل لا يقتصر على جانب دون آخر؛ بل هو مطلوب في كل المجالات والحقول، إذ يجب أن يعم العدل في كل شيء، في السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة والتربية والحقوق، وبدونه لا يمكن أن ينعم المجتمع بالسعادة والأمن والاستقرار.

ومما يدل على أهمية العدل في المنظور القرآني أنه «تكررت مادة العدل بمشتقاتها ما يقرب من ثلاثين مرة في القرآن الكريم، ويشير هذا التكرار إلى عناية التنزيل المجيد بالحديث عن العدل» (26) .

فالعدل في القرآن قرين التوحيد، وركن المعاد، وهدف تشريع النبوة، وفلسفة الزعامة والإمامة، ومعيار كمال الفرد، ومقياس سلامة المجتمع.

والعدل القرآني عندما يتعلق بالتوحيد أو المعاد فإنه يعطي معنى خاصًّا لنظرة الإنسان إلى الوجود والعالم، وبعبارة أخرى نقول: إنه نوع من النظرة الكونية.

ولأهمية العدل في حياة الناس؛ فإن أهم هدف لبعث الأنبياء والرسل بعد تعريف الناس بالخالق جلَّ وعلا هو بسط العدل بينهم، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ وَالمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالقِسْطِ﴾ (27) ذلك لأن الاجتماع البشري لا يمكن أن يتأسس فيه روح النظام والقانون والمساواة إلا بتحقيق العدل والعدالة، ومن هنا جاء الأمر الإلهي بضرورة تطبيق العدل: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ﴾ (28) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾

فالعدل هو جوهر الإسلام وروحه، وهو المحور الأساس لتطبيق أصول الدين وفروعه، وبتطبيقه تنعم البشرية بالسلام والاطمئنان والأمن والرفاهية والرخاء، أما عندما ينتفي العدل والعدالة من حياتنا، فإن نقيضه سيحل محله، وهو الظلم والجور، وهو أساس كل شر، وسبب كل شقاء، ومنبع الرذائل والفواحش، وجذر التخلف والتقهقر الحضاري ﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾

في معنى العدل

أفضل تعريف لمعنى العدل هو: «وضع الأمور في مواضعها» الوارد عن أمير المؤمنين علي (رضى الله عنه) ولهذا المفهوم الواسع مصاديق كثيرة من جملتها: العدالة بمعنى الاعتدال، العدالة بمعنى رعاية المساواة ونفي كل ألوان التمييز، العدالة بمعنى رعاية الحقوق والاستحقاقات، وأخيراً العدالة بمعنى التزكية والتطهير.

وقال الراغب الأصفهاني: «عدل: العَدَالةُ والمُعَادلةُ لفظ يقتضي معنى المساواة ويستعمل باعتبار المضايفة، والعَدْلُ والعِدْل يتقاربان، لكن العَدْل يستعمل فيما يدرك بالبصيرة كالأحكام، وعلى ذلك قوله: ﴿أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً﴾ والعِدْلُ والعَدِيلُ فيما يدرك بالحاسة كالموزونات والمعدودات والمكيلات، فالعَدْلُ هو التقسيط على سواء.

فالعدل يعني العدالة، والعدالة تشمل الحكم والقضاء، وتشريع القوانين، والمساواة في مجال الحقوق، وعدم الاعتداء على حقوق الآخرين، ووضع كل شيء في موضعه المناسب له.

وقد عَبَّر القرآن الكريم عن العدل بثلاث كلمات هي: العدل، والقسط، والميزان، إلا أنه أحياناً تأتي كلمة القسط أو الميزان في القرآن الكريم بمعنى مغاير لكلمة العدل، ويُعرف ذلك من خلال سياق الآيات الكريمة وتفسيرها.

في معنى الظلم

نقيض العدل هو الظلم، ولذلك يمكن تعريفه بأنه: «وضع الأمور في غير مواضعها» وقد عَرَّفه الراغب الأصفهاني بقوله: «الظُّلْمُ عند أهل اللغة وكثير من العلماء وضع الشيء في غير موضعه المختص به إما بنقصان أو بزيادة، وإما بعدول عن وقته أو مكانه»والظُّلْمُ يقال في مجاوزة الحق الذي يجري مجرى نقطة الدائرة، ويقال فيما يكثر وفيما يقل من التجاوز ولهذا يستعمل في الذنب الكبير وفي الذنب الصغير.

والجدير بالانتباه هو استعمال القرآن الكريم كلمة (العدل) في المواضع المتعلقة بوظيفة العباد، وعدم استعماله هذه الكلمة بخصوص الباري تعالى. وبالمقابل يلاحظ تعبير (نفي الظلم) عن الله بكثرة، وتعبير إقامة الله القسط ليس بقليلٍ أيضاً.

ذلك لأن الله سبحانه وتعالى عادل في كل شيء، والمطلوب من الناس أن يطبقوا العدل والعدالة في حياتهم، أما نفي الظلم عن الذات المقدسة فحتى لا يرتاب أحد من الناس أن الظلم الذي وقع عليه هو من الله، فالله عز وجل يريد العدل في كل شيء، والظلم لا يمكن أن يكون صادراً إلا من البشر.

والظلم -كما يرى بعض الحكماء- ثلاثة:

الأول: ظُلْمٌ بين الإنسان وبين الله تعالى وأعظمه الكفر والشرك والنفاق، ولذلك قال:﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾وإياه قصد بقوله: ﴿أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظَّالِمِينَ﴾﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾في آي كثيرة وقال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى الله﴾ ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى الله كَذِباً﴾

والثاني: ظُلْمٌ بينه وبين الناس وإياه قصد بقوله: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ﴾إلى قوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾وبقوله: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾وبقوله: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً﴾

والثالث: ظُلْمٌ بينه وبين نفسه وإياه قصد بقوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾وقوله: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ (45) ﴿إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ﴾ ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾أي من الظالمين أنفسهم، ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾.

وكل هذه الثلاثة في الحقيقة ظلم للنفس، فإن الإنسان في أول ما يهم بالظُّلْمِ فقد ظلم نفسه، فإن الظالم أبداً مبتدئ في الظلم ولهذا قال تعالى في غير موضع : ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ الله وَلَـكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.

ولقبح الظلم والجور والاعتداء على الآخرين فإن القرآن الكريم يحدثنا عن هلاك وتدمير مجتمعات بكاملها نتيجة للظلم السائد بينهم، يقول تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ المَصِيرُ﴾.

وما ساد الظلم في مجتمع إلا وحلَّ معه الفساد والجور والاضطراب وانعدام الأمن والسلام، وما حلَّ العدل في مجتمع إلا وحلَّ معه الصلاح والخير والأمن والسلام والاطمئنان ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾

مفهوم العدالة الاجتماعية.. رؤية قرآنية

توجد تعاريف عديدة لمفهوم العدالة الإجتماعية، وتختلف هذه التعاريف باختلاف أصحابها، فعلماء الأخلاق ينظرون إليها بوصفها خصلة أخلاقية تحفِّز على احترام حقوق الآخرين، وعلماء القانون يعرفون العدالة بسيادة القانون، وعلماء الفقه ينظرون للعدالة بوصفها شرطاً لصحة مجموعة من الأعمال كاشتراطها في إمام الجماعة، وللشهادة في عدة مواضع، وفي القاضي، وفي الفقيه المقلَّد.. وغيرها. وعلماء الاجتماع يركزون على أنه لا استقرار اجتماعي دون سيادة العدالة، وعلماء الفلسفة يرون أن فلسفة الوجود قائم على العدالة… وهكذا يربط علماء كل حقل من حقول المعرفة الإنسانية العدالة بمجالهم الخاص بهم. والصحيح أن العدالة تشمل كل ذلك وأكثر؛ فالعدالة هي محور كل شيء في حياتنا، وأصل للأصول الأخرى.

ويمكننا أن نعرف مفهوم العدالة الإجتماعية ـ بحسب الرؤية القرآنية ـ بأنها: رعاية الحقوق العامة للمجتمع والأفراد، وإعطاء كل فرد من أفراد المجتمع ما يستحقه من حقوق واستحقاقات، والتوزيع العادل للثروات بين الناس، والمساواة في الفرص، وتوفير الحاجات الرئيسة بشكل عادل، واحترام حقوق الإنسان المعنوية والمادية.

والعدل وفق الرؤية القرآنية ملاك وميزان الخالق في تدبير أمر خلقه ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ المِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي المِيزَانِ﴾كما أن الحكم بالعدل والقسط في جميع مجالات حياة الإنسان أحد الأهداف الأساسية لبعث الأنبياء (عليهم السلام)، والغاية النهائية لجميع الأديان الإلهية ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ وَالمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ الله مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالغَيْبِ إِنَّ الله قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾، كذلك فتحقق العدل أحد وظائف الأنبياء ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ الله مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ الله رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الله يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ) ، بل إن أوامر الله تعالى قائمة بالعدل والإحسان ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاء وَالمُنكَرِ وَالبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، والقرآن حينما يأمر جميع الناس بالعدل يشدد على المؤمنين ذلك ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَدَاء لله وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾، كما أجاز القرآن القتال من أجل رفع الظلم وإبادة الظالمين ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ الله عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾، بل إن إقامة العدل واجبة حتى لو أدت إلى المواجهة مع العدو ﴿اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾، فالعدل أساس الثواب والعقاب يوم القيامة» ﴿وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾

وقد ركَّز القرآن الكريم كثيراً على أهمية تطبيق العدالة في المجتمع، وبالرغم من أن القرآن الكريم قد أشار إلى مختلف أنواع العدالة فيما يقرب من ثلاثين مرة في القرآن الكريم؛ إلا أن العدالة الإجتماعية قد حظيت بأكثر من نصف الآيات التي أشارت إلى العدل، فالقرآن المجيد احتوى على ستة عشرة آية تختص بالعدالة الإجتماعية.

ذلك لأنه لا يمكن تحقيق العدالة في عديد من أنواعها دون وجود العدالة الإجتماعية، فهي التي توجد الأجواء المناسبة والأرضية الصالحة لتطبيق مبدأ العدل والعدالة في الأبعاد الأخرى، فالعدالة الإجتماعية تعتبر من أهم مكونات ومرتكزات العدل في الإسلام الحنيف.

أركان العدالة الإجتماعية

للعدالة الإجتماعية أركان وأسس وقواعد لا تقوم إلا بها، وهي مقياس لمعرفة إن كانت العدالة الإجتماعية مطبقة في مجتمع ما أم أن السائد فيه هو الظلم والجور والحرمان.

وأهم أركان العدالة الإجتماعية هي:

أولاً: المساواة بين الناس

خلق الله سبحانه وتعالى الناس جميعاً من تراب، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾ولذلك لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود، إلا بالتقوى والعمل الصالح.

ويكرر القرآن الكريم في مواضع عدة أن الجنس البشري كله خُلِق من تراب، ومن نفس واحدة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء﴾ فالناس سواسية في أصل الخلقة والنشأة والمنبع، وقد أكد على ذلك رسولنا الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: «الناس سواسية كأسنان المشط».

فالإسلام يرفض التمييز بين البشر على أساس اللون أو العرق أو الجنس أو الانتماء المذهبي أو أي لون من ألوان التمييز بين الناس الذين خلقهم الله عز وجل جميعاً من نفس واحدة، ومن التراب.

والمساواة بين الناس -والتي تعدّ من أهم مكونات وأسس بناء العدالة الاجتماعية- تعني المساواة أمام الشرع والقانون، والمساواة في الفرص، والمساواة في تقلد المناصب العامة، والمساواة في الحصول على المكاسب والامتيازات، والمساواة في الحقوق والواجبات.

فما تعانيه المجتمعات في عالم اليوم من مشاكل مزمنة يعود -في جزء منها- إلى انتشار المحسوبيات في الحياة العامة، وانعدام تكافؤ الفرص بين الناس، والتمييز على أسس مختلفة، مما يؤدي إلى تأخر المجتمع، وغياب العدالة الإجتماعية.

فالمساواة تعني -فيما تعنيه- رفض التمييز على أسس عنصرية أو عرقية أو مذهبية أو ما أشبه ذلك، فالتنوع العرقي واللغوي والقبلي والقومي كلها تدخل ضمن وحدة الأصل الإنساني الذي نصَّ عليه القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ الله أَتْقَاكُمْ إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (65) فالفخر والتفاضل إنما يكون بالتقوى، وليس بالنسب أو العرق أو القبيلة أو غير ذلك من أشكال الفروق الطبيعية بين البشر.

ولابد من التأكيد هنا على أن المساواة المطلوبة بين الناس -كل الناس- هو رفض التمييز والترجيح بينهم على أسس عنصرية. ومن جهة أخرى يجب مراعاة المساواة مع تساوي الاستحقاق، وإلا فإن مساواة العاجز بالنشيط في العمل، والمبدع بالبليد، والمفكر بالفلاح… ليس من العدالة في شيء؛ بل هو عين الظلم.

وقد أشار القرآن الكريم إلى رفض مثل هذه المساواة غير القائمة على أي منطق، قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾فلا يمكن المساواة بين رجل أبكم وغير قادر على فعل شيء ولا يأت بأي خير، ورجل ناطق ويأمر بالعدل!

ويضرب لنا القرآن الكريم مثلاً آخر في عدم المساواة بين من يعمل الصالحات ومن يُفسد في الأرض، ولا بين من يتقي الله عز وجل ومن يفجر ويرتكب المحرمات، قال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كَالفُجَّارِ﴾.

فالكثير من المجتمعات كانت ولا زالت تعاني من أشكال مختلفة من التمييز بين الناس على أسس عنصرية، وهذا هو عين الظلم الذي حاربه الإسلام، وشجبه القرآن الكريم، فعندما جاءت رسالة الإسلام رفض ما كان سائداً من التمييز بين الناس، وأعلن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) أن الناس سواسية، وأنه لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى، قال (صلى الله عليه وآله وسلم) في خطبة الوداع: «يا أيها الناس! ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأسود على أحمر، ولا لأحمر على أسود، إلا بالتقوى. ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم! قال: ليبلغ الشاهد الغائب».

كما ورد في حديث آخر بهذا المعنى ضمن الكلمات القصيرة ذات المعاني الغزيرة أنه قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «إن الله لا ينظر إلى أحسابكم ولا إلى أنسابكم ولا إلى أجسامكم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم، فمن كان له قلب صالح تحنن الله عليه، وإنما أنتم بنو آدم وأحبكم إليه أتقاكم».

فالتمييز بعناوينه المتعددة، وأشكاله المختلفة يمثل تحدياً كبيراً، وعائقاً قويًّا، أمام تطبيق العدالة الإجتماعية، وإن شعور بعض الناس بالغُبن والظلم يدفع بهم نحو ممارسة أفعال عنفية تهدد أمن المجتمع وسلامته واستقراره، وأنه لا حلَّ لذلك إلا بتطبيق مبدأ المساواة في كل الحقوق والواجبات، ولضمان هذا الركن الهام من أركان العدالة يجب وضع تشريعات قانونية، وقضاء مستقل وعادل للرجوع إليه عند انتهاك حقوق الناس من أي جهة كانت، وبذلك يتم حماية مبدأ المساواة من التعدي أو الانتهاك أو المس به.

ثانياً: التوزيع العادل للثروات

الركن الثاني والهام من أركان العدالة الإجتماعية هو التوزيع العادل للثروات بين الناس، ومن دون ذلك تنعدم العدالة الإجتماعية، وتختفي العدالة الإقتصادية من المجتمع، فلا عدالة إجتماعية من دون توزيع عادل للثروات على أفراد المجتمع، ومن دون إعطاء كل شخص ما يستحقه من مال تجاه ما يقوم به من أعمال منتجة، أو ما يستحقه بوصفه عضواً في المجتمع.

إن مشكلة المشاكل في عالمنا اليوم هو غياب أي توزيع عادل للثروات، وتركز الثروات عند فئة قليلة من الناس في حين تعيش الأغلبية في فقر مدقع، وبذلك يزداد الغني غنىً والفقير فقراً!!

ويشجع النظام الرأسمالي على تكوين الطبقات المتباعدة بين أفراد المجتمع، فنرى فئات من المجتمع تنام على مليارات الدولارات، في حين أنه توجد فئات أخرى -وهي الغالبة- تعيش إما بقدر الكفاية أو تحت خط الفقر.

ويحذر القرآن الكريم الذين يجمعون الأموال الطائلة، ولا ينفقون منها ما يجب عليهم فيها من واجبات مالية بعذاب أليم، يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾كما ينهى القرآن الكريم عن أكل أموال الناس بالباطل، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾فالثراء إن لم يكن بطريق مشروع كالتجارة أو الصناعة أو العمل المنتج فهذا أكل لأموال الناس بالباطل، وهو ما يعبر عنه في عصرنا بـ(الثراء غير المشروع) أو الثراء غير القانوني الناتج عن غسيل الأموال، أو الاستيلاء على أموال الآخرين بالغصب والاستيلاء على ممتلكات الناس دون حق.

وفي مقابل تحذير القرآن الكريم من تراكم الثروات دون وجه شرعي، أو أكل أموال الناس بالباطل، يدعو الأغنياء والموسرين إلى دفع جزء من أموالهم للفقراء والمحتاجين والمساكين وذلك من خلال الزكاة والخراج والصدقات والكفارات والنذور وغيرها من وجوه الإنفاق الواجب أو المنذوب.

قال تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالمَحْرُومِ﴾ وقال تعالى: ﴿لَّيْسَ البِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ وَالمَلآئِكَةِ وَالكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾، وأمر القرآن المجيد بالإنفاق كي لا تتراكم الثروات بيد مجموعة قليلة من الأغنياء، قال تعالى: ﴿مَّا أَفَاء الله عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرَى فَلله وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ﴾، كما يحذر القرآن المبذرين للأموال، يقول تعالى: ﴿إِنَّ المُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾، فالإنسان مسؤول عن اكتسابه للأموال، كما أنه مسؤول عن طريقة إنفاقه لها، وتزداد المسؤولية عندما يكون الإنسان مسؤولاً عن بيت مال المسلمين، لأن هذا المال هو حق لكل المسلمين، ويجب صرفه في الوجوه الشرعية، ووفق تعاليم الشرع والدين.

والتوزيع العادل للثروات يجب أن يرتكز على أمرين:

الاهتمام بالطبقات الإجتماعية الضعيفة

وهو الأمر الذي أشار إليه القرآن الكريم في عدة مواضع، وأن هؤلاء يستحقون الدعم والمساعدة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالمَسَاكِينِ وَالعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ الله وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ الله وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾كما أشار القرآن الكريم إلى أهمية الانتباه للفقراء المتعففين، يقول تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ الله لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إلحَافاً وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ﴾.

فالطبقات المحرومة والضعيفة وأصحاب الدخل المحدود بحاجة إلى دعم ومساعدة كي يستطيعوا أن يعيشوا بكرامة وعزة.

رعاية المساواة في الحقوق المتكافئة

ونقصد بذلك المساواة في توزيع الثروات مع تساوي الحقوق والاستحقاقات، فلا يفضل في الوظيفة نفسها وبالمؤهلات نفسها موظف على آخر، لأي سبب كان، كاللغة أو اللون أو المذهب أو العرق أو القبيلة أو ما أشبه ذلك من اعتبارات لا وزن لها في الدين.

ولكن مع إختلاف الإستحقاق والمؤهلات لا مانع من الاختلاف في العطاء (الراتب)، بل يجب عدم المساواة حينئذ؛ لأن إختلاف القابليات والقدرات العقلية، والمؤهلات العلمية والعملية، يستدعي إختلاف العطاء.

وما ورد من سيرة الإمام علي (رضى الله عنه) في المساواة في العطاء إنما هو في المال الذي يُعطى للفقراء من بيت مال المسلمين وليس مطلقاً، كما رفض الإمام التمييز في العطاء على أسس عنصرية أو قومية كالجنس والعرق واللغة والقبيلة وما أشبه ذلك، وبتعبير آخر: الضمان الاجتماعي للفقراء -في عهد الإمام علي- كان متساوياً، وهذا ما يجب أن يكون عليه الضمان الاجتماعي لكل الفقراء، فقد رُوي أن امرأتين جاءتا إلى الإمام علي (رضى الله عنه) فأعطاهما على حد سواء، فلما وَلّتا، سفرت إحداهما وقالت: يا أمير المؤمنين فضِّلني بما فضلك الله به وشرفك! قال: وبماذا فضلني الله وشرفني؟ قالت: برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). قال: صدقتِ، وما أنتِ؟ قالت: أنا امرأة من العرب وهذه من الموالي. قال: فتناول شيئاً من الأرض، ثم قال: قد قرأتُ ما بين اللوحين فما رأيتُ لولد إسماعيل على ولد إسحاق فضلاً ولا جناح بعوضة.

أما للموظفين والعمال وغيرهم فالمساواة بين الجميع مع اختلاف القدرات والمؤهلات يعد من الظلم الذي يرفضه القرآن الكريم.

ونستكمل دور الإخوان في تحقيق العدالة الإجتماعية عبر مؤسساتهم من خلال الجزء الثاني من البحث

هذا المنشور نشر في من تراث الإخوان المسلمين. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s