الشرعية لمن ؟

مجلس 

دكتور رفيق حبيب فى مقالته يجيب على إشكالية الشرعية الثورية أم الشرعية البرلمانية ؟

المشكلة تتبلور فى الفجوة الحادثة بين النخب العلمانية عامة، والنخب الشبابية العلمانية خاصة، وبين الشعب المصرى الذى ظهر أن غالبه لا يؤيد الاختيار العلمانى، مما جعل تلك النخب تحاول أن تفرض رؤيتها من خلال الميدان.

انتهت أول انتخابات برلمانية نزيهة فى التاريخ المصرى الحديث، ومعها شكل الشعب أول برلمان يعبر عنه بعد الثورة. ومع تحقق هذه التجربة الناجحة، بدأت وسائل الإعلام والنخب العلمانية حملة إعلامية منظمة، للترويج لبعض المقولات، التى ترى أن البرلمان لا يعبر عن الثورة، وأنه ليس برلمان الثورة، ومقولات أخرى تروج لفكرة وجود فجوة بين البرلمان والميدان، ونزاع فى الشرعية بينهما. وهى محاولات للفصل بين الثورة والبرلمان، وتعظيم دور الميدان فى مواجهة البرلمان، وحصر شرعية الثورة فى الميدان، وحرمان البرلمان من تمثيل الثورة. وكل تلك المقولات التى تروج لها وسائل الإعلام والنخب العلمانية ليست إلا فصلا جديدا فى الحملة الإعلامية العلمانية المنظمة، التى تهدف إلى تحقيق أجندة علمانية تهدف إلى تعظيم دور النخب والمجموعات العلمانية فى مرحلة ما بعد الثورة.

والغائب فى المقولات الإعلامية العلمانية هو الشعب. فتلك المقولات لم تقل لنا أين الشعب المصرى من نزاع الشرعية بين البرلمان والميدان؟ ولم تقل لنا أين الشعب المصرى من شرعية الثورة؟ وهذا الأمر يتكرر فى كل المقولات الإعلامية العلمانية التى يتم الترويج لها منذ ثورة يناير، فعندما يروج لفكرة سيطرة التيار الإسلامى على البرلمان يتم تجاهل أن الشعب المصرى هو الذى اختاره بهذا الحجم من التمثيل. فالقضية الأساسية فى مسألة الشرعية هى دور الإرادة الشعبية الحرة، والقضية المحورية من مسألة العلاقة بين البرلمان والميدان تتعلق أساسا بالإرادة الشعبية الحرة. وهى المشكلة نفسها التى ظهرت بعد الاستفتاء على التعديلات الدستورية، حيث ظهر فى الإعلام العلمانى تجاهل شبه كامل للإرادة الشعبية الحرة. والمجموعات والنخب، التى تدافع الآن عن خريطة الطريق التى رسمها الاستفتاء على التعديلات الدستورية، هى نفسها تقريبا التى دفعت المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى إجراء تعديلات على تلك الخريطة، وعندما نفَّذ رغبتها، بدأت تحاسبه على إطالة الفترة الانتقالية، وعلى تقديم الدستور على الانتخابات الرئاسية، رغم أن معظم تلك المجموعات العلمانية ما زالت تضغط على المجلس الأعلى للقوات المسلحة، حتى يتم الانتهاء من الدستور قبل الانتخابات الرئاسية.

لذا يصبح من المهم إعادة ترتيب المبادئ الحاكمة للشرعية خاصة بعد الثورة، فالثورة المصرية هى ثورة شعبية قام بها الشعب المصرى، حتى يسترد حقه فى أن يكون المصدر الوحيد لشرعية السلطة المنتخبة. وبهذا أصبح الشعب هو مصدر شرعية الحكم. وعليه فالشرعية للشعب أولا وأخيرا، وشرعية البرلمان تستمد فقط من الشعب، وشرعية الميدان تستمد فقط من الشعب، وكل فعل لا يحظى بالشرعية الشعبية ليست له شرعية. والبرلمان المنتخب يكتسب شرعيته من اختيار الشعب؛ لذا فله شرعية مؤكدة لأن يعبر عن اختيار الشعب، ويصبح على المنتخبين من أعضاء مجلس الشعب التعبير عن خيارات الناس وعن الرأى العام، وعن مطالب الشعب وتحقيقها. وبهذا المعنى فلا شرعية للميدان إلا بقدر تعبيره عن الرأى العام ومطالب الشعب، فإذا عبر عن مطالب فئة ما يصبح مساحة للتعبير عن الرأى ليست لها أى شرعية للتعبير عن عامة الناس. أما الثورة فهى ثورة الشعب، وبالتالى فإن مطالب الثورة هى مطالب الشعب، وكل من يعبر عن مطالب الثورة يفترض أن يعبر عن مطالب الشعب، وكل مطالب ليست من مطالب عامة الناس، أو مجمل الشعب، لن تكون مطالب الثورة، فالشعب هو المالك الحصرى الوحيد للثورة.

ولا يمكن أن تكون هناك فجوة بين مطالب الثورة ومطالب الشعب، أو تكون هناك فجوة بين الثورة والشعب. ومن يتكلم عن أن البرلمان لا يعبر عن الثورة، وأن الميدان هو الذى يعبر عن الثورة، يفصل فى الحقيقة بين الثورة والشعب، ليصبح البرلمان المختار من الشعب لا يمثل الثورة ولكن يمثل الشعب، وكأن الثورة ليست هى الشعب. وتلك فى الواقع هى المشكلة، فالبعض يرى أن الثورة تختلف عن الشعب، ويتصور أن الثورة هى ثورة نخبة شبابية اختارت للشعب طريقا، وعلى الشعب أن يتبعها ويفوضها ويجعل القرار بيدها. وبهذا تتحول الثورة إلى فعل لبناء استبداد جديد، أى بناء نخبة لها حق الحكم والاختيار بدلا من الشعب. ويبدو أن البعض لا يرى أن الثورة هى ثورة شعبية، بل يعتبرها ثورة نخبة شبابية، وليست ثورة كل الشباب؛ لأن الشباب جزء من الشعب، والشباب جزء من الكتل التصويتية التى اختارت البرلمان. ولأن البعض يرى أن الثورة هى ثورة نخبة شبابية، وأن هذه النخبة الشبابية ليبرالية ويسارية وعلمانية؛ لذا يتصور هؤلاء أن تلك النخبة الشبابية ومن يساندها ويزايد عليها، ويتحالف معها من النخب العلمانية، يمثلون مصدر الشرعية، ولا شرعية لأحد غيرهم، حتى الشعب المصرى كله.

تلك هى الأزمة إذن، فلا مشكلة بين الشعب والثورة، ولا بين الميادين والبرلمان، فالكل رهن اختيارات الشعب، والكل رهن اختيارات الرأى العام، ولكن المشكلة تتبلور فى الفجوة الحادثة بين النخب العلمانية عامة، والنخب الشبابية العلمانية خاصة، وبين الشعب المصرى، الذى ظهر أن غالبه لا يؤيد الاختيار العلمانى، مما جعل تلك النخب تحاول أن تفرض رؤيتها من خلال الميدان؛ لذا فهى ترفع شعارات تبدو معبرة عما هو متفق عليه، وتحاول فى النهاية تمرير خيارات غير متفق عليها. والحقيقة أن الكثير من المحاولات التى جرت فى الميدان اتضح أنها محاولة لتسليم السلطة لنخبة علمانية غير منتخبة، تريد أن تفرض خياراتها على الشعب المصرى، بزعم أنها صاحبة الفضل فى قيام الثورة، وكأن من كان له فضل فى قيام الثورة، أصبح من حقه أن يسحب الشرعية من الشعب، ويصبح مفوضا عن الشعب دون اختيار منه، ويصبح وكأنه الوصى على الثورة. وتلك هى مشكلة أى فجوة تظهر بين البرلمان وما يحدث فى ميدان التحرير؛ لأن تلك الفجوة هى بين نخبة شبابية تتصور أنها وصية على الثورة، وبرلمان يرى أن شرعيته من الشعب، وأنه ليس وصيا على الشعب أو على الثورة.

هذا المنشور نشر في مقالات, الثورة المصرية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s