الإخوان والعدالة الإجتماعية .. الرؤية والواقع (2-2)

ikh12 

الجزء الثانى من هذه الدراسة الإخوان والعدالة الاجتماعية وهى منقولة من موقع الموسوعة الإخوانية (اخوان ويكى ) وهى بقلم السعيد رمضان الجزء الأول من الدراسة هنا

العدالة الاجتماعية عند الإخوان

بنت جماعة الإخوان المسلمين رؤيتها الإصلاحية للمجتمع على تحقيق العدالة الاجتماعية وكان هذا هدف رئيسي من تأسيس الجماعة وهو تحقيق مبادئ الإسلاموتطبيق شرعيته والقيام بأصول الإسلام ومن أهم أصوله هو المساواة وتطبيق العدالة الاجتماعية وقد عبرت أدبيات الإخوان ورؤاهم الفكرية عن رؤية الجماعة ووسائلها لتحقيق العدالة الاجتماعية.

وبالرغم من الاتهامات العديدة للإخوان المسلمون بتغييب العدالة الاجتماعية من رؤاهم الفكرية والسياسية إلا أن الواقع يكذب تلك الاتهامات الباطلة وهذا البحث يرصد من خلال منظور تاريخي مواقف الجماعة وقياداتها حول تطبيق العدالة الاجتماعية.

تمثل (نظرية العدالة الاجتماعية) الأساس الثاني للنظام الاقتصادي –كما يرى الإخوان– وترتكز عندهم على العقيدة والخلق إذ أن لها ثلاث قواعد هي:

  • قاعدة التوحيد وشمول العدالة لكافة جوانب الحياة الإنسانية.
  • قاعدة التكافل العام بين الأفراد والجماعات.
  • قاعدة مراعاة طاقات الفطرة الإنسانية.

وأسس العدالة الاجتماعية عندهم ذات اتصال مباشر بالتربية إذ لا يمكن تحقيقها إلا بها وهى:

  • الأساس الأول: التحرر الوجداني المطلق: أي أن تستند العدالة إلى شعور نفسي باستحقاق الفرد لها، وبحاجة الجماعة إليها، وطريق ذلك هو تربية الفرد تربية عقدية ونفسيه تؤدى إلى:
  • تحرير الوجدان من عبادة أحد غير الله
  • مقاومة الشعور بالخوف على الحياة والرزق والمكانة
  • إعلاء القيم المعنوية على القيم المادية في نفسية الفرد
  • تحرر وجدانه من الاستذلال لغرائز النفس

  • العدالة الاجتماعية – في الواقع- ترتكز على هذا الأساس النفسي، العقدي الذي يبنى بطريق واحد وهو التربية.
  • الأساس الثاني: المساواة الإنسانية: بتربية الأفراد على مجموعة من القيم والمعتقدات: وحدة الجنس البشرى في المنشأ والمصير – تساوى الجميع في الحقوق والواجبات:أمام الله، والقانون في الدنيا وفى الآخرة، كرامة الجنس البشرى كله، ولا فضل إلا للعمل الصالح ، ويتكون هذا الأساس في النفس والعقل نتيجة للأساس الأول إذا تربى عليه الإنسان، ويؤدى تكوين الأساس الثاني- عن طريق التربية العقدية والمعرفية- إلى شعور الفرد بحقه في المساواة فيجاهد لطلبه.
  • الأساس الثالث: التكافل الاجتماعي: بين الفرد وأسرته، وبين الفرد والجماعة، والعكس،ويتأتى ذلك عن طريق تربية اجتماعية الوجهه تنمية في نفوس الأفراد حتى (يشعروا) به ويعملوا لتنفيذه .

وتأسيساً على هذا فان أسس العدالة الاجتماعية لا يتأتى وجودها في نفوس وعقول الأفراد بدون التربية العقدية والنفسية والاجتماعية والمعرفية، أي أن التربية هي الوسيلة الأولى لتحقيق العدالة الاجتماعية إذ تؤدى في النهاية إلى تهذيب النفس، واستثارة الضمير البشرى من أجلها، وبذلك يقف الضمير حارساً للعدالة.

والوسيلة الثانية لتحقيق العدالة في الواقع عندهم ، هى التشريع الذى يكفل تحقيقه بتنفيذ التشريعات الخاصة بالمال والعدالة الاجتماعية كجزء من سياسة الحكم المنوط بها ذلك، وبجانب ماتقدم في مطلب سياسة المال من مبادئ فإن الإخوان يؤكدون على المبادئ التالية التي تكمل تشريع العدالة الاجتماعية (في رؤيتهم):

  • مبدأ أن الفقراء من أولى السابقة في الإسلام– بالمال العام
  • إباحة الإسلام لولى الأمر حرية التصرف في المال العام لتحقيق التوازن في المجتمع
  • مبدأ (الرجل وحاجته) بجانب (الرجل وبلائه)
  • مبدأ الضريبة المتفاوتة حسب المقدرة والعجز
  • مبدأ عدم الحجز على الضروريات وفاء للضريبة، وعدم استيفائها بالقوة
  • مبدأ الضمان الاجتماعي العام لكل عاجز ولكل محتاج
  • مبدأ التكافل العام الذي يجعل كل أهل بلد مسئولين مسئولية جنائية مباشرة عمن يتلفه الجوع، يؤدون- طبقاً لها – (الدية) بوصفهم قتلة للذي أتلفه الجوع، وكذلك حق الجائع والعطشان أن يقاتل من فى يده الطعام والماء حين يخشى على نفسه التلف
  • مبدأ الإنظار عند العسره للمدين
  • وتمثل هذه المبادئ جزءاَ من المضمون المعرفي الذي يتربى عليه الأفراد ،أيضاً.

وبتحليل موقف الإخوان من العدالة الاجتماعية يتبين ما يأتي :

  • أن الإخوان واجهوا قضية الصراع الطبقي ، بالدعوة إلى العدالة الاجتماعية واستندوا في ذلك إلى: النص الشرعي، وتجربة التاريخ الإسلامي الأول، واجتهادهم العقلي في ضوء ذلك.
  • وأن للعدالة الاجتماعية أسساً عقدية وخلقية ونفسية يتم بناؤها في الإنسان عن طريق التربية التي تعتبر الوسيلة الأولى لتحقيقها، أما الوسيلة الثانية فهي وضع التشريعات الكفيلة بتحقيقها موضع التنفيذ، وتستند على عدة مبادئ عقدية واقتصادية، تمثل جزءاً من المحتوى المعرفي في التربية العقلية عندهم.
  • وتمثل مبادئ سياسة المال ومبادئ العدالة الاجتماعية جزءاً من المعتقدات الأساسية في الذات السياسية عند عضو الإخوان، وهذه المعتقدات تؤثر في مشاعر وولاءات الفرد السياسية التي تتلخص في (الرغبة في تحقيق تلك المبادئ في الواقع- شعور العطف على المحتاجين…) وعلى هذا فهي توجه مشاركة الفرد سياسياً وتحدد غايتها

الإصلاح في المجال الاجتماعي عند الإمام البنا

لعل مجال الإصلاح الاجتماعي كان له النصيب الأوفر في اهتمام الإمام الشهيد.. وقد حدد بوضوح أن هدف الإخوان المسلمين أولاً هو الفرد المسلم في تفكيره وخلقه وعاطفته وعمله وسلوكه ذلك الفرد الذي يتذوق الجمال والقبح ويتصور الصواب والخطأ.. القوى الإرادة الصحيح الجسم ثم الأسرة كذلك ثم المجتمع كذلك.. وحدد أن النهضة في مجالها الاجتماعي تحتاج إلى أربعة عوامل الأول الإرادة والثاني الوفاء والثالث التضحية والرابع المعرفة بالمبدأ على هذه الأسس تقوم القوة الروحية التي تنشأ عليها المجتمعات وتتجدد فيها الحياة.. وعلى هذا النهج كانت خطوات الإصلاح الاجتماعي للإخوان المسلمين فكان الاعتناء بالقوة الروحية والأخلاقية للمجتمع فهذا هو نهج الإسلام العظيم، وهذا هو التاريخ في عظاته.

(إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ** فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا) نفوسًا قوية وقلوبًا خفاقةً ومشاعر غيورة وأرواح طموحة تستند إلى مثل عليا وأهداف سامية.

نقرأ له هذه الكلمات العبقرية فنفهم فهمًا كاملاً محيطًا معنى الإصلاح الاجتماعي في فكره ووعيه "قبل أن نتحدث إلى الناس في هذه الدعوة عن الصلاة والصيام الحكم والعبادات والنظم والمعاملات نتحدث إليهم أولاً عن القلبِ الحي والروح الحية والنفس الشاعرة والوجدان اليقظ والإيمان العميق بهذه الأركان الثلاثة: الإيمان بعظمة الرسالة- الاعتزاز باعتناقها- الأمل في تأييد الله إياها) مذكرًا بقول الله عز وجل: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79)﴾ (النمل).

وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ البقرة وقوله سبحانه: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الروم).

وهذا الجانب في البعث والإحياء عند الإمام كان عظيمًا وكان يعول عليه كثيرًا في قيام النهضة فالدوافع النفسية والإلهامات الروحية هي في حقيقه الأمر حياة المجتمعات ويتوقف عليها تقدمها وتخلفها وكان يسميه (الروح الدافعة والقوة الباطنة) تلك التي تتحقق بها اليقظة الحقيقية في النفوس والمشاعر والأرواح مستلهمًا قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد).

والإمام الشهيد هنا يتحدث على خلفية فهم عميق لسنن التاريخ في قيام الحضارات وانهيارها، مؤكدًا أنَّ الإخوان المسلمين يتحرون بدعوتهم الإصلاحية نهج الدعوة الأولى محاولين أن تكون دعوتهم صدى حقيقيًّا لها.

كما كانت فكرة (مؤسسات الخدمة العامة) حاضرة بقوة في بُعد الإصلاح الاجتماعي عند الإمام الشهيد من بناء للمساجد وفتح المدارس والإشراف عليها وإنشاء الأندية وتوجيهها والإصلاح بين الناس و(التوسط بين الأغنياء الغافلين والفقراء المعوزين) وبناء المستشفيات والمستوصفات الطبية.. كانت الفكرة تقوم على التنظيم الجيد والجهود التطوعية مع الاستعانة بالخبرات والكفاءات.. وكانت (الشعبة) أشبه ما تكون بنموذج (المدينة الفاضلة) فيها المسجد والملعب والمكتبة وقاعة المحاضرات والتدريب وركن للترفيه والمسامرة يلتقى فيها أبناء الحي أو القرية أو النجع يتعارفون ويتدارسون ويصلون ويتحابون ثم ما تلبث كل هذه الهمم والطاقات أن تنتشر في المجتمع كله باعثة فيه (الروح الجديدة) الذي بشر بها الأمة

العدالة الاجتماعية في كتابات الإمام البنا

كان الإمام البنا وهو المدرس البسيط وقد عاش شظف العيش سواء في طفولته أو في شبابه وعاشر الفئات المطحونة وتلمس مشاكلها وعايشها فكان من أوائل من نادى بضرورة تحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية لذا نجد العديد من رسائله ومقالاته التي تطرق فيها سواء إلى الاقتصاد الإسلامي أو المشاكل المجتمعية يطالب بتحقيق العدالة الاجتماعية فيقول:

لقد اختفت المثل العليا تمام الاختفاء، وغابت عن الأنظار والقلوب تلك الأهداف الجميلة التي نادى بها هؤلاء الناس ساعة العسرة، وجندوا باسمها قوى الأمم ضد الظلم والطغيان، فالعدالة الاجتماعية، والحريات الأربع، ومبادئ ميثاق الأمم.. إلخ هذه القائمة الطويلة العريضة من المبادئ السامية والأهداف المغرية أصبحت في خبر كان، ولم تعد لهؤلاء الساسة والزعماء "فلسفة راقية" يقودون بتوجيهها العالم إلا فلسفة المصالح المادية والمطامع الاستعمارية ومناطق النفوذ والاستيلاء على المواد الخام! وكل ذلك على صورة من الجشع والنهم لم تر الدنيا لها مثيلا ولا بعد الحرب العالمية الأولى. وأصبحت هذه المعاني وحدها محور التنافس بيت الدول المنتصرة (روسيا من جانب وأمريكا وإنجلترا من جانب آخر) وإن حاولت كل منها أن تستر جشعها ومناورتها بستار من دعوى المبادئ الاجتماعية الصالحة والنظم الإنسانية الفاضلة، باسم الشيوعية أو الديمقراطية، وليس وراء هاتين اللفظتين إلا المطامع الاستعمارية والمصالح المادية في كل مكان
كما يبين الإمام البنا في مؤتمر رؤساء المناطق والشعب عام 1945 أهم ملامح النظام الاقتصادي الإسلامي المبنى على المساواة والعدالة وتحقيقها لكافة أبناء الأمة فيقول الإمام البنا:
لم يقف أمر النظام الاقتصادي الإسلامي عند هذا الحد، ولكنه رسم الخطط الأساسية للتقريب بين الطبقات، فانتقص من مال الغنى بما يزكيه ويطهره وينقيه ويكسبه القلوب والمحامد، وزهّده في الترف والخيلاء، ورغّبه في الصدقة والإحسان، وأجزل له في ذلك المثوبة والعطاء، وقرر للفقير حقًّا معلومًا، وجعله في كفالة الدولة أولاً، وفى كفالة الأقارب ثانيًا، وفى كفالة المجتمع بعد ذلك. ثم قرر بعد هذا صور التعامل النافع للفرد الحافظ للجماعة تقريرًا عجيبًا في دقته وشموله وآثاره ونتائجه، وأقام الضمير الإنساني مهيمنًا عليها من وراء هذه الصور الظاهرية. كل هذا بعض ما وضع الإسلام من قواعد ينظم بها شأن الحياة الاقتصادية للمؤمنين، وقد فصلت الحياة التقليدية الممسوخة التي يحياها الناس في هذه الأعصار بين الاقتصاد والإسلام، فقمتم أنتم ومن أهدافكم وأغراضكم الإصلاح الاقتصادي بتنمية الثروة القومية وحمايتها، والعمل على رفع مستوى المعيشة، والتقريب بين الطبقات، وتوفير العدالة الاجتماعية، والتأمين الكامل للمواطنين جميعًا، وإقرار الأوضاع التي جاء بها الإسلام في ذلك كله كما كان للإمام البنا موقف واضح من قضايا الإقطاع والفلاحين والتي كانت منتشرة بصورة كبيرة في العهد الملكي وقبل قيام ثورة 1952 فخطب موضحاً حال الفلاحين ومدى الظلم الواقع عليهم فيقول البنا تحت عنوان (الإخوان والإقطاع):
الفلاحون في مصر يبلغون ثمانية ملايين والأرض المنزرعة نحو ستة ملايين من الأفدنة وعلى هذا الاعتبار يخص الفرد الواحد نحو ثلثي فدان، فإذا لاحظنا إلى جانب هذا أن الأرض المصرية تفقد خواصها لضعف المصارف وكثرة الإجهاد ولهذا السبب تأخذ من السماد الصناعي أضعاف غيرها من الأراضي التي تقل عنها جودة وخصوبة وأن عدد السكان يتكاثر تكاثراً مريعاً وان التوزيع في هذه الأرض يجعل من هذا العدد الأربعة ملايين لا يملكون شيئاً ومليونين لا يزيد ملكهم عن نصف فدان ومعظم الباقي لا يزيد ملكه على خمسة أفدنة علمت مبلغ الفقر الذي يعانيه الفلاحون المصريون ودرجة انحطاط مستوى المعيشة بينهم درجة ترعب وتخيف.
ويضيف الإمام البنا : إن أربعة ملايين من المصريين لا يحصل أحدهم على ثمانين قرشاً في الشهر إلا بشق الأنفس فإذا فرضنا أن له زوجة وثلاثة أولاد وهو متوسط ما يكون عليه الحال في الريف المصري بل في الأسر المصرية عامة كان متوسط ما يخص الفرد في العام جنيهين وهو أقل بكثير ما يعيش به الحمار بل إن الحمار يتكلف على صاحبه (140 قرشاً خمس فدان برسيم و30 قرشاً حمل ونصف تبن و150 قرشاً أردب فول و20 قرشاً أربعة قراريط عفش ذرة ومجموعها 340 قرشاً) وهو ضعف ما يعيش به الفرد من هؤلاء الآدميين في مصر وبذلك يكون أربعة ملايين مصري يعيشون أقل من عيشة الحيوان
كما يتعجب الإمام البنا في أحد مقالاته عن مأساة الإقطاع ورؤوس الأموال الضخمة التي يتملكها مجموعة بسيطة من رجال الأعمال والإقطاعيين فكتب البنا متسائلاً تحت عنوان( كيف تملكوا هذه الأراضي؟):
وهل في مصر مفخرة سوى الألقاب والرتب وذي إرث يكاثرنا بمال غير مكتسب بهذين البيتين يصف شاعر النيل إبراهيم حافظ هؤلاء السادة الذين وصلت أيديهم هذه الآلاف المؤلفة من الأراضي بدون جهد أو عناء ونالوا هذه الألقاب الضخمة لا لشيء إلا لأنهم ولدوا أبناء لمن تولوا فى يوم من الأيام أمرا من الأمور.

أما كيف آلت إليهم هذه الثروات ووصلت إلى أيديهم تلك الأراضي فقد تم ذلك بعدة طرق وإلى القارئ لمحة عن ذلك:

1- أراضى الرزقة: وهذه الأراضي كان يقطعها السلطان إلى بعض الأتراك أو لكبار المصريين لا لشيء… إلا لأنه يريد هكذا.
2- أراضى الأبعاديات: وكان يقطعها محمد على إلى " الذوات" من الأراضي غير المزروعة حتى يمكن استصلاحها وكان ذلك بنظام السخرة الذي استغل فيه الفلاحون.
3- أراضى الأوسية( الوسية) وكان يمنحها السلطان إلى جامعي الضرائب وكانوا يدفعون إليه مبلغا معينا نظير قيامهم بتحصيل ما يشاءون من الضرائب, من الفلاحين وبالطريقة التي يرونها وكان الفلاحون يستخدمون في ذلك بدون أجر وكانت هذه الأراضي معفاة الضرائب.
4- مسموح المصطبة! ومسموح المشايخ: وكانت تعطى لمشايخ البلد أو الرؤساء.
5- الجفالك: وتطلق على مقادير كبيرة من الأراضي وكانت تعطى للأسرة الخديوية وفى عهد عباس باشا أعطيت كذلك لكبار (الذوات)
وهكذا تملكوا هذه الآلاف المؤلفة من الأفدنة على حساب الفلاح المسكين
كما يقول الإمام البنا في حوار صحفي لجريدة روزا اليوسف فى اجابه له عن سؤال هل تستطيع الشيوعية أن تجد لها مكانا في البلاد الإسلامية؟
قال: في الإسلام ما يغنى الشعوب الإسلامية عن كل ما سواه من المبادئ.. وخصوصا وهو قد اهتم بالتقريب بين الطبقات، ورعاية المساواة والعدالة الاجتماعية وإشراب ذلك بروح العطف والتكافل..
ولو طبقت مبادئ الإسلام تطبيقا صحيحا، لما وجدت المبادئ الشيوعية أو غيرها أى مجال! ..(كما يقول الإمام البنا في حوار له مع مندوب جريدة (الإجبشن ميل):
وحين تعرض الأستاذ البنا لمبادئ "هيئة الإخوان" قال: إنها ليست دعوة سياسية صرفة، ولكنها دعوة شاملة تنادى بمبادئ إصلاحية إنسانية عامة مستمدة منالإسلام الحنيف.
وهذه المبادئ ستلزم بطبيعتها مقاومة الاستعمار أينما كان، والعمل على إقامة حكم صالح تتحقق به العدالة الاجتماعية بين الطبقات في مصر وغير مصر من الأقطار. ومن هنا شملت دعوة الإخوان الأغراض الوطنية أو السياسية كذلك، والمقصود في النهاية هو توفير الطمأنينة والخير والسلام للعالم كله.

كما كتب الإمام البنا مقال له بعنوان (ليلة السلام):

ويوم اتخذنا السلام شعارًا لم نقف عند حدوده النظرية أو مدلولاته اللفظية، ولكن السلام الذي أراده الله لعباده في ظل الإسلام يقوم على دعامتين:
على النظام الاجتماعي الكامل في القرآن الكريم الذي أنزله الله في ليلة السلام، فجاء يعلن الأخوة العالمية، ويرفع من مستوى النفس الإنسانية، ويكشف للبصائر عن حقائق الربانية، ويقيم دعائم العدالة الاجتماعية بين الحاكم والمحكوم، وبين الضعيف والقوى، والفقير والغنى، والرجل والمرأة، ويشيع في المجتمع معنى التكافل الحق الذي يشيع في كل نواحيه معاني الحب والسعادة والطمأنينة والسلام، ومن قرأ القرآن وأنعم النظر في توجيهاته وشرائعه وأحكامه عرف صدق ذلك ومواضعه من هذا الكتاب الكريم الذي لم يدع خيرًا إلا أمر الناس به، ولم يدع شرًا يؤذيهم إلا نهاهم عنه (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) [النحل: 88]
كما كتب الإمام البنا في موضع آخر للرد على اتهام الثورات الإسلامية بفقدانها لتطبيق العدالة مقارنة بالثورتين الفرنسية والروسية (فيقول تحت عنوان ثورة):
فيا أيها المنصفون، لا تظلموا الحقائق بجهلها أو بتجاهلها، واذكروا دائمًا أنه إذا كانت الثورة الفرنسية قد أقرت حقوق الإنسان، وأعلنت الحرية والمساواة والإخاء، وإذا كانت الثورة الروسية قاربت بين الطبقات، وأعلنت العدالة الاجتماعية في الناس؛ فإن الثورة الإسلامية الكبرى قد أقرت ذلك كله من قبل ألف وسبعمائة سنة، ولكنها سبقت سبقًا لن تلحق فيه في أنها جملت ذلك وزينته بالصدق والعمل؛ فلم تقف عند حدود النظريات الفلسفية، ولكن أشاعت هذه المبادئ في الحياة اليومية العملية، وأضافت إليه بعد ذلك السمو بالإنسان واستكمال فضائله ونزعاته الروحية والنفسانية؛ لينعم في الحياتين، ويظفر بالسعادتين، وأقامت على ذلك كله حراسًا أشداء أقوياء من يقظة الضمير، ومعرفة الله وصرامة الجزاء وعدالة القانون.
فهل بعد ذلك من زيادة لمستزيد؟ اللهم لا
كما كتب الإمام البنا تحت عنوان أمانة الله والرسول ليؤكد على أهمية البعد الإنساني والاجتماعي في المنهج الإسلامي فيقول:
وكل ما تحتاج إليه هذه البشرية من مثل عليا ومبادئ سامية، وخطط عملية دقيقة، وأوضاع حيوية سليمة.. كل ذلك قد تضمنته هذه الرسالة الإسلامية (أمانة الله ورسوله والمؤمنين)؛ فالربانية والأخوة العالمية والعدالة الاجتماعية والمشاعر الروحانية والعواطف الإنسانية، والرحمة والسلام والتعاطف والوئام.. كلها قد وضحت في هذه الشريعة، واستحالت بعد وضوحها إلى أعمال يومية، وخطط تطبيقية، وشرائع عملية تسوق المجتمع سوقًا إلى ما فيه خيره وسعادته في الدنيا والآخرة، وصدق رسول الله (ص) إذ يقول: "والله ما تركت من خير إلا وأمرتكم به، وما تركت من شر إلا ونهيتكم عنه"
كما كتب الإمام البنا ليوضح أن أهم أهداف التخلص من الاحتلال والهيمنة الغربية هو تحقيق العدالة الاجتماعية وأن الظلم الاجتماعي أحد أهم أسباب الثورات فكتب تحت عنوان مَطلع الفجرْ:
ولنا مع قضايانا هذه السابقة, قضية أخرى لا تقل عنها خطرًا ولا تنقص أهمية, وهى قضية أوطاننا وديارنا, التي باغتها الاستعمار الغربي بعد أن بيت لها أجيالاً طويلة. فأحاط بها, وقيد حكوماتها وشعوبها وحال بينها وبين التقدم, وبلغ ذلك مداه في نهاية الحرب العالمية الأولى, إذ كانت مصر تحت الحماية البريطانية, وفلسطين والعراق في قبضة إنجلترا، وسوريا ولبنان وتونس والجزائر ومراكش في يد فرنسا, وطرابلس وبرقة مع إيطاليا, حتى تركيا الأوروبية والآسيوية وهى دار الخلافة وقعت تحت نير احتلال الحلفاء، وأدى ذلك الاسترقاق والاستهتار بكرامات الأمم وحريات الشعوب إلى انفجار الثورات في كل مكان, واشتد النضال بين أصحاب الحق وغاصبيه حتى تحررت هذه الأوطان بعض الشيء، وتيقظت وعرفت طريقها إلى الجهاد والكفاح. وجاءت الحرب العالمية الثانية، وهذه البلاد كلها تجاهد في صف الدول الديمقراطية إذ أقسم زعماؤها وأكد رؤساؤها أنهم إنما يكافحون في سبيل الحرية وإقرار العدالة الاجتماعية فى أرض الله وكان طبيعيًا وقد وضعت الحرب أوزارها أن يطالب المظلومون بحقهم، وأن يجاهدوا في سبيل تحرير أوطانهم
كما قررت جمعية الإخوان العمومية في اجتماعها السنوي العاشر عام 1946 بعض القرارات الخاصة بالجماعة وأعضاءها لتفعيل التحرك بخصوص السعي لتطبيق العدالة الاجتماعية وإنهاء حالة الوضع الاجتماعي الفاسد من أهمها:
يعلن المجتمعون أن الإخوان المسلمين ليسوا حزبًا غايته الوصول إلى الحكم، ولكنهم هيئة تعمل لتحقيق رسالة إصلاحية شاملة ترتكز على تعاليم الإسلامالحنيف، تتناول كل نواحي الإصلاح الديني والسياسي والاجتماعي، وتسلك إلى كل ناحية سبيلها القانونية شكلاً وموضوعًا.
يقرر المجتمعون أن الوضع الاجتماعي في مصر أمام التطورات العالمية والضرورات الاقتصادية وضع فاسد لا يحتمل ولا يطاق، وأن على المركز العامللإخوان المسلمين أن يعلن برنامجه المفصل لإصلاح هذا الوضع، ولرفع مستوى الشعب أدبيًّا بالتربية والثقافة، وروحيًّا بالتدين والفضيلة، وماديًّا برفع مستوى المعيشة وتحقيق العدالة الاجتماعية التي تفرضها الاشتراكية الإسلامية، والتي يحيا في ظلها العامل والفلاح والزارع والتاجر وكل مواطن حياة مريحة كريمة، ويعمل على تنفيذه في حزم وإسراع
ويشير المستشار طارق البشرى في مقال له بعنوان (قراءة في كتابات الأستاذ حسن البنا مؤسس الحركة الإسلامية الحديثة) إلى أسس النظام الاقتصادي في فكرالإمام البنا والذي يوضح دعوة الإمام البنا فيقول البشرى:

إن أي نظام اقتصادي يستمد من الإسلام، يعتمد على جملة من المبادئ والأسس، منها:

اعتبار المال الصالح هو قوام الحياة، بما يتعين معه الحرص على هذا المال، وحسن تدبيره .وتثميره، وقد أشاد الإسلام بغنى الجماعة واستخدام المال فيما ينفع الناس ويرضي الله، فليس الزهد في الإسلام بما يعني تحبيب الناس في الفاقة والفقر، وذم الدنيا، وذم الغنى والثروة، إنما يراد به ذم ما يدعو إلى الطغيان والفتنة والإسراف، وما يدعم الاستعلاء والاستكبار، وما يعين على الإثم والمعصية والفجور والكفران بنعمة الله، والإسلام يلفت النظر إلى ما في الوجود من منابع الثروة ووجوه الخير، ويحث على العناية بها ووجوه استثمارها، لأن كل ما في الكون مسخَّر للإنسان يستفيد منه، وينتفع به.
ومن هذه المبادئ والأسس: إيجاب العمل والكسب على كل قادر عليه، فالعمل من أفضل العبادات، وهو من سنن الأنبياء، كانوا يأكلون من عمل أيديهم، وأفضل الكسب ما كان من عمل اليد، والإسلام يزرى بالبطالة وبمن هم عالة على المجتمع لا يعملون، ولوكانوا ينقطعون انقطاعا لعبادة الله. والتوكل على الله لا يكون بالتبطل، إنما يكون بالأخذ بالأسباب والنتائج، فمن فقد أحدهما فليس بمتوكل، لأن الرزق والمقدور مقرون بالسعي الدائب.
ومن هذه المبادئ والأسس: تحريم موارد الكسب الخبيثة، وتحديد الخبيث من الكسب بأنه ما كان بغير مقابل من عمل كالربا، وما كان بغير حق كالسرقة واختلاس مال الغير، فردا كان هذا الغير أو جماعة أو مالا عاما هو من حقوق الجماعة، أو كان هذا الكسب عوضا عن مال يضر، سواء كان عوضا عن محرمات كخمر وخنزير ومخدر، أو كان عوضا عن صفقات مالية أو تجارية من شأنها الإضرار بحقوق الجماعة وأوضاعها الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية.
ومن هذه المبادئ والأسس: تقريب الفوارق بين الطبقات، والحث على رفع مستوى المعيشة بين الفقراء، وتقرير حقهم في مال الدولة ومال الأغنياء، ووصف الطريق العملي لذلك.
ومن ذلك تقرير الضمان الاجتماعي لكل مواطن، وتأمين راحته ومعيشته كائنا من كان، ما دام مؤديا لواجبه، أو أن يكون عاجزا عن أداء هذا الواجب بسبب قهري لا يستطيع التغلب عليه.
ومن ذلك ما يحض عليه الإسلام من تحريم الكنز ومظاهر الترف على الأغنياء، وما يحث عليه من الإنفاق في وجوه البر، وذم البخل والرياء والمن والأذى، وتقرير التعاون والقرض الحسن ابتغاء مرضاة الله تبارك وتعالى، والدولة في ذلك مسئولة عن إنشاء نظام يقوم بهذه الأسس وحمايتها، وهي مسئولة عن حسن التصرف في المال العام، تأخذه بحقه وتصرفه بحقه، وتعدل في جبايته
العدالة الاجتماعية عند سيد قطب

يمثل الشهيد سيد قطب أحد رموز الفكر الإسلامي ورموز جماعة الإخوان المسلمين ويعد كتابه العدالة الاجتماعية في الإسلام أحد أهم الكتب التي تناولت هذا الموضوع ويعد كمرجع أساسي في تأصيل مفهوم العدالة الاجتماعية والية تطبيقها في الإسلام وكان قطب بطرحه لرؤيته حول العدالة الاجتماعية في الإسلام مواجهة الأفكار الاشتراكية التي انتشرت خلال ستينات القرن الماضي وخاصة في ظل سيطرة الفكر الاشتراكي على رؤوس قيادات ثورة يوليو، وتكمن أهمية طرح الشهيدسيد قطب لمفهوم العدالة الاجتماعية في توقيت طرحه لهذا المفهوم الذي كان بمثابة بناء فكر اقتصادي إسلامي جديد مبنى على تحقيق المساواة والعدالة.

طبيعة العدالة الاجتماعية عند قطب
يقول سيد قطب: أما عن طبيعة العدالة الاجتماعية في الإسلام، فلا يمكن إدراكها إلا ضمن التصور العام للإسلام حول الكون والألوهية والحياة والإنسان، وباعتبار أن الإسلام يمثل تصورا شاملا ومتكاملا يعالج مختلف مجالات الحياة. وهذا التصور الأصيل لا نجده عند "فلاسفة الإسلام" (ابن سينا، الفارابي، ابن رشد…) الذين قلدوا الفلسفة اليونانية ولم يتجاوزوها، إنما الأصل هو القرآن والحديث والسيرة: حيث تتجلى الصورة كاملة متناسقة.. الكون كله قائم بالقسط، والعدل بين مطالب الجسد ومطالب الروح، الفرد والجماعة، الدنيا والآخرة…. الفرد والجماعة والطائفة والأمة والجيل والأجيال كلها يحكمها قانون واحد ذو هدف واحد: أن ينطلق نشاط الفرد ونشاط الجماعة –غير متعارضين- لبناء الحياة وإنمائها، والتوجه بها إلى خالق الحياة
ويضيف قطب: أي ليس للفرد طقوسه وللجماعة طقوسها، وليس للدنيا دين وللآخرة دين، وليست العبادة وحدها والشريعة وحدها، بل الإسلام وحدة متكاملة لا تقبل الفصل بين العبادة والمعاملة، أو بين العقيدة والشريعة أو بين الدنيا والآخرة….وعن هذه الوحدة الكبرى تصدر التشريعات الاجتماعية والاقتصادية. لهذا يرى سيد قطب أن العدالة في الإسلام هي "عدالة إنسانية شاملة لكل جوانب الحياة الإنسانية".. وليست مجرد عدالة اقتصادية محدودة، لأن الحياة في الإسلام ليست علاقات مادية مقطوعة، وإنما هي "تراحم وتواد وتعاون وتكافل… بين المسلمين على وجه خاص، وبين جمع أفراد الإنسانية على وجه عام".
إذن فللعدالة الاجتماعية – وفق سيد قطب – ركيزتان أساسيتان:
1 ركيزة الوحدة المطلقة المتناسقة بين مقومات الإسلام.
2 ركيزة التكافل العام بين الأفراد والجماعات.
فالوحدة الإسلامية ضد التجزيء والانتقاء، والتكافل ضد الظلم والطغيان، فلا يقبل الإسلام طغيان الفرد على الجماعة ولا يبرر ظلم الجماعة لفطرة الفرد وطاقت ومواهبه.
لذلك أوجب حفظ كرامة الفرد ليستطيع أن يبدع ويستثمر كامل طاقته مقررا مبدأ تكافؤ الفرص والعدل بين الجميع، ولكنه ترك مجالا للمنافسة والتفاضل بالجهد والعمل. لهذا "لا يفرض الإسلام إذن المساواة الحرفية في المال، لأن تحصيل المال تابع لاستعدادات ليست متساوية، فالعدل المطلق يقتضي أن تتفاوت الأرزاق…مع تحقيق العدالة الإنسانية"
أسس العدالة الاجتماعية كما يراها سيد قطب
حصر سيد قطب رحمه الله هذه الأسس في ثلاثة عناصر هي:
1- الحرية: التحرر الوجداني المطلق.
2- المساواة: المساواة الإنسانية الكاملة.
3- التكافل: التكافل الاجتماعي الوثيق.
التحرر شعور نفسي باطن، قبل أن يكون تشريعا ملزما…. التحرر عقيدة تجمع بين الوجدان والواقع، بين التشريع والتنفيذ، وقد بدأ الإسلام بتحرير الوجدان البشري من عبادة غير الله، فلا عبادة لسواه، ولا حاكمية لغيره، حتى لا يتخذ الناس بعضهم بعضا أربابا من دون الله، فيشوه التحرر الوجداني بالضغط على الفرد وتخويفه وظلمه…
التحرر الوجداني من الجبن والخوف والشرك والطمع والكبر وعبادة المال والجاه والحسب والنسب –" إن أكرمكم عند الله أتقاكم" ويعرض علينا القرآن صورا كثيرة للتحرر الوجداني أو عدمه، كقارون مع فتنة المال والشراء حيث لم يتحرر.
أما المساواة فنابعة من الضمير ومصونة بالتشريع، انطلاقا من قاعدة: "وحدة الجنس البشري وفي المنشأ والمصير، في المحيا والممات، في الحقوق والواجبات: ص 85، أمام الله وأمام القانون. لهذا برئ الإسلام من العصبية الجاهلية والاستعباد والاستعلاء على الناس بالنسب والحسب والجنس، "كلكم من آدم، وآدم من تراب"… رجالا ونساء……….. لكل الناس نفس الكرامة. أما التكافل الاجتماعي فلا يتأتى بالتحرر المطلق من كل التزام أو بالمساواة المطلقة التي لا شرط لها لأن هذا يحطم الفرد مثلما يحطم الجماعة. لذلك فالواجب اعتبار مصلحة الجماعة/المجتمع "القبعة الجماعية" عبر: التكافل: "بين الفرد وذاته، وبين الفرد وأسرته، وبين الفرد والجماعة وبين الأمة والأمم، وبين الجيل والأجيال المتعاقبة
وسائل العدالة الاجتماعية كما حددها قطب
حدد الشهيد قطب وسائل تحقيق العدالة الاجتماعية من خلال:
الوسيلة الأولى: سياسة الحكم لما كانت العدالة في الإسلام تقوم على ركيزتين:
1- التكليف القانوني داخل المجتمع.
2- والضمير البشري داخل الفرد فهي عدالة شاملة، وتتطلب وسائل من نفس الطبيعة (شاملة)، أي:
  • وازع فردي: الرحمة، الصدقة، التسامح، العطف، الإيثار… (الضمير)
  • ووازع السلطة التشريعية:
الأحكام القانونية والتنفيذ الحكومي… (الشريعة) وبهذين الوازعين حرَّم الإسلام الاحتكار والادخار والبخل والشح والربا وأكل أموال الناس بالباطل والرشوة والاكتناز. وبالتالي فلا عدالة شاملة إلا في إطار الحكم الإسلامي. وينتقد سيد قطب تلك المحاولة المنهزمة التي تبحث فقط عن التشابه بين الإسلام والنظم البشرية، لتجد سندا تقول من خلاله:
حتى الإسلام قال كذا وجاء بكذا.
والحقيقة أن الإسلام لا يقارن بنظام من تلك الأنظمة، فهو نظام مستقل متكامل… "إنه يقوم على أساس أن الحاكمية لله وحده. فهو الذي يشرع وحده. وسائر الأنظمة تقوم على أسس الحاكمية للإنسان، فهو الذي يشرع لنفسه"
وكما أن الإسلام ليس نظاما من الأنظمة البشرية فكذلك ليس هو خليطا منها "وليس مستمدا من مجموعها". وإن كان قد "يحدث في تطور النظم البشرية أن تلتقي بالإسلام تارة، وأن تفترق عنه تارة".
إلا أنه يختلف عنها في الأصل والصميم. وبالتالي لا يجوز الحديث عن "اشتراكية الإسلام" و"ديمقراطية الإسلام"…
يقوم نظام الإسلام -حسب سيد قطب– على فكرتين أساسيتين هما:
1- وحدة الإنسانية: في الجنس والطبيعة والنشأة، والمساواة المطلقة بين جميع بني الإسلام.
2- عالمية الإسلام: هو النظام العالمي العام "الذي لا يقبل الله من أحد نظاما غيره" ص78، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أُرسل إلى الناس كافة…لكن ذلك لا يعني إكراههم على الدخول في الإسلام بل هم أحرار، والحكم الإسلامي "يضمن للجميع المساواة المطلقة والتكافل التام" مسلمين وغير مسلمين
وذلك لأنه ينطلق من قاعدتين أساسيتين هما:
  • أ‌- قاعدة الحاكمية: الحاكمية لله وحده في الخلق والمشيئة والمنهج والتشريع، وإلا وقع الناس في الشرك أو الكفر. "وبناء على هذه القاعدة لا يمكن أن يقوم البشر بوضع أنظمة الحكم وشرائعه وقوانينه من عند أنفسهم". ومنه على الحاكم والمحكوم استحضار الرقابة الإلهية في كل تصرف.
  • ب‌- قاعدة العدل: أي على الحكام أن يحكموا بعدل الإسلام {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} وعلى أساس ذلك تجب طاعة المحكومين لهم، ولا طاعة في غياب الحكم بالعدل "لأن ولي الأمر في الإسلام لا يطاع لذاته، وإنما يطاع لإذعانه هو لسلطان الله واعترافه له بالحاكمية، ثم لقيامه على شريعة الله ورسوله…ثم تنفيذه لهذه الشريعة" وإلا لما استحق السمع والطاعة.
الوسيلة الثانية: سياسة المال تقوم سياسة المال في الإسلام على تحقيق العبودية لله وحده، وذلك بالخضوع لشرعه حتى تتحقق مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة، وذلك باعتماد وسيلتين اثنتين يقوم عليهما الإسلام "في تحقيق أهدافه جميعا" هما:
  • التشريع: أي التشريع المالي الذي يرمي إلى تحقيق المجتمع الصالح.
  • التوجيه: أي توجيه التداول المالي لتطوير الحياة البشرية إلى الأحسن.
لهذا يحفظ الإسلام المِلكية الفردية ويعاقب الاعتداء عليها بأشد العقوبات، لكنها ليست حرية مطلقة على حساب مصلحة الجماعة، بل هي حرية تصرف وانتفاع تصب في بناء المجتمع التكافلي التكاملي الذي يحارب الترف والحرمان في نفس الوقت (الزكاة، الصدقة…)، وتخضع لمقومات الشرع سواء في تملك المال أو صرفه (التوسط بلا إسراف ولا تقتير)، أو تنميته (تحريم الربا والاحتكار..). ويخلص سد قطب رحمه الله إلى أن سياسة المال في الإسلام تقوم على قاعدتين هما:
  • أ- قاعدة الاستخلاف: المال مال الله، والناس مستخلفون فيه بشرط حفظ شريعة الله فيه، وكل تجاوز للشرط نقض للاستخلاف.
  • ب- قاعدة التملك المشروط: للفرد حق التملك والاستثمار بشرط الخضوع للشرع وبشرط التكافل الجماعي.
الشهيد سيد قطب ومعركته مع الإقطاع
كان للشهيد سيد قطب بعض الكتابات الأخرى التي تناولت قضايا متعلقة بتطبيق العدالة الاجتماعية وإنهاء الإقطاع وخاصة في ظل تؤخر مجلس قيادة الثورة في إنهاء الإقطاع فكان للشهيد قطب جولة لدعم الثورة لمحاربة وإنهاء الإقطاع فكتب مشيداً بقرار مجلس قيادة الثورة بإنهاء الإقطاع فكتب تحت عنوان (تصحيح للأوضاع(:

أن ما تم صبيحة يوم الأحد الماضي كان تصحيحا للأوضاع. تصحيحا لا مفر منه. فقد كان عجيبا أن تقوم الثورة لإزالة عهد الإقطاع, ثم يبقى أمراء الإقطاع طلقاء يحاربون الثورة مطلقي اليد, وفى أيديهم المال والنفوذ المأجورون. وكان عجيبا أن تقوم الملوثون والمفسدون والمرتشون طلقاء, يشترون الصحافة ويبثون الفتن والدسائس, ويطلقون الإشاعات والأراجيف. وكان عجيبا أن تقوم الثورة لإصلاح أداة الحكم, ثم يبقى الرجال القدامى الذين فسد على أيديهم الحكم, يصرفون الأمور بعقلية الروتين, يفتحون أبوابهم وصدورهم لكل من يريد تعويق حركات الإصلاح

كما نشرت مجلة الدعوة تحت عنوان (أموال تحديد الملكية):

من أهم أغراض تحديد الملكية الزراعية تقريب مستويات المعيشة بين الطبقتين الكادحة والمترفة وذلك برفع مستوى الأولى وتخفيض مستوى الثانية بحيث يهبط الفارق المادي الذي هو عنوان التفاوت بين الطبقات وهذا يحقق عدة نتائج طيبة أبرزها:
  • أ- تخفيف وطأة الحرمان الذي يدفع الطبقة الكادحة إلى التبرم والسخط وكراهية النظم القائمة .
  • ب- انعدام الجرائم التي تدفع إليها المسغبة كالسرقة والزنا والاتجار بالمحرمات.
  • جـ- صيانة فائض الدخل الذي يبدده الأغنياء لا في الكماليات فحسب بل فيما يقوض المجتمع ويتلف أفراده كالخمر والميسر والحفلات الماجنة والسهرات الخليعة.
  • د- القضاء على طغيان رجال الإقطاع.
فماذا يكون الحد المناسب للملكية الذي يتحقق به تقريب مستويات المعيشة؟ كما نشرت أيضاً بعنوان (أين قانون تخفيض إيجارات المساكن؟)
في مطلع العهد الجديد أذيع بين الناس أن الوزارة ستصدر قانونا ستخفض به إيجارات المساكن, باعتبار هذه الإيجارات العبء الأكبر على مالية الموظف والتاجر ومتوسط الحال, وأنه لا معنى لبذل الجهود لتوفير 20 قرشا في الشهر في السكر, أو قرشين في البترول أو ملاليم, وعلى المستهلك عبئ عدة جنيهات تدفعها مرة واحدة. تقضم ماليته قصما يذهب بها ويربكها إلى آخر الشهر.. وقد سبقت إحدى الجرائد الحوادث فحددت النسب… ثم قيل بعد ذلك أن القانون سيدرس وحتى الآن لم يدرس القانون ولم نسمع عنه شيئا.. إننا لا نريد لهذا العهد الكريم الذي اتسم بالسرعة والجراءة والنشاط ألا يذكرنا بالعهد القديم البائد… نريد هذا القانون الذي لن تصلح الأمور إلا به فأصدره العدالة الاجتماعية عند د. مصطفى السباعي

يعتبر العالم السوري د مصطفى السباعي أحد رموز الفكر الإسلامي الحديث ومؤسس جماعة الإخوان المسلمين بسوريا وكان كتابه اشتراكية الإسلام أحد الأسس الراسخة في تأسيس فكر الاقتصاد الإسلامي المبنى على تحقيق العدالة الاجتماعية، فقد دعا السباعي إلى التَّكافل الاجتماعي لسدِّ حاجات الفقراء واليتامى والمسنين والغارمين وأبناء السبيل، وكان يرى أن تنهض الدَّولة بكفالة هؤلاء، وإن لم تكفِ مواردها، فلها أن تصادر ما هو ضروري ولازم للحياة الكريمة، في المجتمعالإسلامي المتَّصف بالتَّكافل والعدل، وعلى الدَّولة أن تقضي على كل الأسباب التي تحول دون ذلك.

كما كان له دور بارز في إنشاء لجان لجمع التَّبرعات والإعانات وتوزيعها على المحتاجين، وكوّن (اللَّجنة التَّعاونية) لجنة دائمة تسعى لتحقيق هذا الغرض.

وتبنَّى د السباعي مفهوم الاشتراكية الإسلامية عندما كان عضواً في الجمعية التَّأسيسية، ثم كوّن (الجبهة الاشتراكية الإسلامية) في البرلمان، منطلقاً من أن الإصلاح والعدل الاجتماعيين يمثلان ركيزتين أساسيتين للفكر الإسلامي الذي يدعو إليه الإخوان المسلمون ويتبنونه.

وكان له في البرلمان، وفي أثناء وضع الدُّستور السُّوري مناقشاتٌ فعالةٌ لقانون العمل، وكان تأثيره كبيراً في النَّص على حقوق العمَّال، وضمان مصالحهم، وتحسين ظروف عملهم،كما خاض معارك ضاريةً ضد الإقطاع والإقطاعيين الذين كانوا يمثِّلون نسبةً كبيرةً في البرلمان، واستطاع هو زملاؤه في الجبهة تحقيق مكاسب مهمةٍ للفلاحين، من حماية مصالحهم، ورفع مستواهم، وتوزيع أراضي الدَّولة عليهم، كلُّ ذلك لتحقيق استثمار أرض الوطن استثماراً صالحاً، ولإقامة علاقات اجتماعية سويَّة بين أفراد المجتمع.

اشتراكية الإسلام كما يراها السباعي
يعبر الشيخ مصطفى السباعي عن الدلالة العامة المشتركة لمصطلح الاشتراكية بقوله (لقد سميت القوانين والأحكام التي جاءت في الإسلام لتنظيم التملك وتحقيق التكافل الاجتماعي باشتراكية الإسلام).
ثم يحدد خصائص اشتراكية الإسلام في النقاط التالية : إن اشتراكية الإسلام ليست اشتراكية الدراويش والزهاد، كبعض الصوفية وفقراء الهنود، الذين ينفرون من المال والتملك، جبنًا منهم عن تحمل أعباء الحياة ومسؤولياتها، وإنما هي اشتراكية حضارية إيجابية بناءة، تقيم أكمل مجتمع حضاري متمدن. وان اشتراكيةالإسلام تحارب الفقر والجهل والمرض والخوف والمهانة. وان مستوى المعيشة في اشتراكية الإسلام مستوى مرتفع. وان اشتراكية الإسلام تشرك الشعب مع الدولة في تحقيق التكافل الاجتماعي، كما في نظام نفقات الأقارب. وان اشتراكية الإسلام تحارب الترف والبذخ واللهو الماجن في السلم والحرب. وان اشتراكيةالإسلام تُخضع الحكومة لإرادة الشعب، لا العكس. وان اشتراكية الإسلام توسّع دائرة التكافل الاجتماعي، ومن ثم فهي أكثر ضمانًا لكرامة الإنسان وسعادته. وان اشتراكية الإسلام ليست نظرية ولا عاطفية، بل هي عملية.
كما يحدد د السباعي الفرق بين اشتراكية الإسلام وبين الرأسمالية في أنهما يتفقان في إعطاء الفرد حق التملك، والتنافس في الإنتاج. ويختلفان في أن حق التملك في اشتراكية الإسلام يخضع لمصلحة الجماعة، وفي الرأسمالية تخضع الجماعة لمصلحة رأس المال. كما يختلفان في أن التنافس في الاشتراكية الإسلامية يشيع الحب والتعاون في المجتمع، وفي الرأسمالية يشيع العداء والخلاف والاضطراب. وان الرأسمالية ملطخة بدماء الشعوب، والاستعمار، والاستعباد، واللصوصية، والاستغلال. ولاشيء من هذا في اشتراكية الإسلام.
أما موقفه من الدلالة الخاصة المتفردة للاشتراكية فيتمثل فى تحديده الفرق بين اشتراكية الإسلام وبين الشيوعية والتي حددها في النقاط التالية: إن اشتراكيةالإسلام تنسجم مع الفطرة الإنسانية في إباحة الملكية الشخصية. وان اشتراكية الإسلام تبيح التنافس، أما الشيوعية فترى أنه يجرّ البلاء على المجتمع. وان اشتراكية الإسلام تقوم على التعاون، والشيوعية تقوم على الصراع وحرب الطبقات، مما يؤدي إلى الحقد. وان اشتراكية الإسلام تقوم على الأخلاق، بخلاف الماركسية. وان اشتراكية الإسلام تقوم على الشورى، والشيوعية تقوم على الاستبداد والدكتاتورية والإرهاب.
ومن أقوال د. السباعي "الجهل بالدين مرتع خصيب لضلالات الشياطين، والفقر في الدنيا مرتع خصيب لمؤامرات المتربصين، وفقدان العدالة الاجتماعية مرتع خصيب للثورات والبراكين، ومخالفة دين الله مرتع خصب للهلاك المبين"
ويقول د. السباعي: إن الذين ينكرون أن يكون الإسلام عدالة اجتماعية، قوم لا يريدون أن يبهر نور الإسلام أبصار الناس ويستولي على قلوبهم، أو قوم جامدون يكرهون كل لفظ جديد ولو أحبه الناس وكان في الإسلام مدلوله، وإلا فكيف تنكر العدالة الاجتماعية في الإسلام وفي تاريخه هذه المؤاخاة الفذة في التاريخ، وهي التي عقدها صاحب الشريعة محمد صلى الله عليه وسلم بنفسه، وطبقها بإشرافه، وأقام على أساسها أول مجتمع ينشؤه، وأول دولة يبنيها؟ ..(98)
مظاهر العدالة الاجتماعية والإنسانية عند السباعي
يعرض د السباعي بعض مظاهر البعد الإنساني في الحضارة الإسلامية ومن أهمها المساواة وهى أحد أسس العدالة الاجتماعية فيقول د السباعي:
وأما النزعة الإنْسَانيَّة في تشريعنا الحضاري، فإنَّك لتلمس ذلك واضحًا في كل باب من أبواب التَّشريع:
  • في الصَّلاة: يقف الناسُ جميعًا بين يدي الله، لا يُخصَّص مكانٌ لملك أو عظيم أو عالم.
  • وفي الصَّوم: يجوع الناسُ جوعًا واحدًا، لا يفرد من بينهم أمير، أو غني، أو شريف.
  • وفي الحجِّ: يلبس النَّاس لباسًا واحدًا، ويقفون موقفًا واحدًا، ويُؤدُّون منسكًا واحدًا، لا تَمييز بين قاصٍ ودانٍ، وقوي وضعيف، وأشراف وعامة.
فإذا انتقلت من ذلك إلى أحكام القانون المدني، وجدت الحقَّ هو الشِّرعة السائدة في العلاقة بين النَّاس، والعدل هو الغَرَض المقصود من التشريع، ودفع الظُّلم هو اللِّواء الذي يحمله القانون؛ ليَفِيء إليه مضطهدٌ ومظلومٌ.
فإذا انتقلت من ذلك إلى القانون الجزائي، وجدت العُقُوبة واحدة لكل من يرتكبُها من الناس، فمَن قَتَل قُتل، ومن سَرَق عُوقِب، ومن اعتدى أُدِّب، لا فرق بين أن يكون القاتل عالمًا أو جاهلاً، والمقتول أميرًا أو فلاحًا، ولا فرق بين أن يكون المعتدي أمير المؤمنين، أو صانع النسيج، والمعتدى عليه أعجميًّا أو عربيًّا، شرقيًّا أو غربيًّا؛ فالكلُّ سواءٌ في نظر القانون؛ {الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى} [البقرة: 178].
ويسْمُو التَّشريع إلى أرفعَ من هذا، حين يُثبت الكرامة الإنْسَانية للنَّاس جميعًا، بقطع النَّظر عن أديانهم وأعراقهم وألوانهم؛ فيقول: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ} [الإسراء: 70]، هذه الكرامة هي التي تضمن للنَّاس جميعًا حقهم في الحَيَاة والعقيدة والعلم والعيش، هي للناس جميعًا، ومن واجب الدَّولة أن تكفلها لهم على قدم المُساواة بلا استثناء

وبعد عرض فلسفة الإسلام في الثروات والأموال.. وضع الشيخ الغزالي برنامجا اجتماعيا واقتصاديا ـ سبق به الحزب الشيوعي المصري وطالب الحكومة بتنفيذه, لإقامة العدل بين الناس.. وفي هذا البرنامج طالب ودعا إلي:

1- تأميم المرافق العامة, وجعل الأمة هي الحاكمة الأولي لموارد الاستغلال, وإقصاء الشركات المحتكرة لخيرات الوطن, أجنبية أو غير أجنبية, وعدم إعطاء أي امتياز فردي من هذا القبيل.
2- تحديد الملكيات الزراعية الكبري, وتكوين طبقة من صغار الملاك تؤخذ نواتها من العمال الزراعيين.
3- فرض ضرائب علي رؤوس الأموال الكبري, يقصد بها تحديد الملكية غير الزراعية.
4- استرداد الأملاك التي أخذها الأجانب وإعادتها إلي أبناء البلاد, وتحريم تملك الأرض المصرية علي الأجانب تحريما مجرما.
5- ربط أجور العمال بأرباح المؤسسات الاقتصادية التي يعملون بها, بحيث تكون لهم أسهم معينة مع أصحابها في الأرباح.
6- فرض ضرائب تصاعدية علي التركات تنفق في أوجه الخير علي النحو الذي أشار إليه القرآن, إذ يقول: (وإذا حضر القسمة أولو القربي واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا) [النساء 8]
ثم ختم الشيخ الغزالي بنود هذا البرنامج الاجتماعي الاقتصادي بقوله: إنه لو لم يبق لكل فرد من أفراد الشعب إلا قوته الضروري لما جاز أن تتراجع الدولة في تحقيق هذا البرنامج الذي تعلن به الحرب علي الظلم والجهالة والاستعمار.
هكذا تحدث الشيخ الغزالي حديث الفيلسوف الاجتماعي والخبير الاقتصادي, الذي تربي في مدرسة القرآن والذي أعلن أن مالك المال هو الله, وأن الناس ـ كل الناس ـ مستخلفون في هذا المال (وانفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه) [الحديد 7], لقد ثار الشيخ الغزالي ضد ترك الأمة أموالها ـ وأموال الله للسفهاء ـ مع أن القرآن ينهي عن ذلك, ويقول:(ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل لكم قياما) [النساء 5]
لقد كان الشيخ الغزالي واحدا من فلاسفة العدل الاجتماعي في القرن العشرين.. ولقد قال قبل وفاته: إن عندنا في الإسلام نظريات اقتصادية لو عرفها الأوروبيون لطلقوا كارل ماركس وداسو عليه بالنعال ـ كما فعلوا الآن, وأن النظام الرأسمالي المنتعش الآن ستهلكه جراثيمه وتلحقه بالنظام الشيوعي! ..العدالة الاجتماعية غاية الدولة الإسلامية في فكر الإخوان

كان للمرشد الثالث الأستاذ عمر التلمساني رؤية خاصة في مفهوم العدالة الاجتماعية فيرى التلمسانى أن تحقيق وتطبيق العدالة الاجتماعية كان هدف رئيسي وراء الفتوحات الإسلامية فيقول التلمسانى:

كما أنه في شرع الله مقاومة الاستعمار والاستغلال، وما دخل المسلمون بلدًا، فأرغموا أهلها على ترك عقيدتهم أو أموالهم، بل أبقَوْا كل فرد على ما كان عليه من دين أو دنيا، وكل ما فعله المسلمون في البلاد التي دخلوها هو إقامة العدالة الاجتماعية الصحيحة الكاملة بين الجميع. وغير المسلمين لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين. حتى الجزية منعوا أخذها من الضعفاء والفقراء والمساكين، وجعلوها على القادرين في رفق وهوادة. وهذا مما جعل أهل كل بلد دخلها المسلمون يدخلون في دين الله أفواجًا من تلقاء أنفسهم، بلا ضغط أو إكراه ..(102)

كما يبين د عبد المنعم أبو الفتوح في أحد النشرات الجامعية (نشرة صوت الحق) التي تم توزيعها على طلاب الجامعات في السبعينات أن غاية الرسل هي إقامة نظام اجتماعي عادل وتحقيق عدالة الاجتماعية منبعها الإيمان بالله ورسله:

للدولة الإسلامية القائمة إلى أساس هذا الدستور غاية ذكرها الله تعالى في كتابه في مواضع عديدة منها قوله:-" لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس" [الحديد 25]
والآية قد بينت ما تبعث الرسل لأجله, وهو أن الله قد أراد ببعثهم أن يقيم في العالم نظام العدالة الاجتماعية على أساس ما أنزل عليهم من البيانات وما أنعم عليهم في كتابه من الميزان أي نظام الحياة الإنسانية العادل. وقال في موضع آخر:" الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر" [الحج 41]
وقال: " كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله" آل عمران (110) فمن تدبر هذه الآيات اتضح له أن الدولة التي يريدها القرآن ليس لها غاية سلبية فقط بل لها غاية ايجابية أيضا أي ليس من مقاصدها المنع من عدوان الناس بعضهم على بعض وحفظ حرية الناس والدفاع عن الدولة فحسب, بل الحق أن هدفها الأسمى هو نظام العدالة الاجتماعية الصالح الذي جاء به كتاب الله.
خاتمة الجزء الثاني

ذكرنا في هذا الجزء من البحث نظرة ورؤى لبعض قيادات الإخوان التنظيمية والفكرية ورؤيتهم لمفهوم العدالة الاجتماعية وكيف وصل الاهتمام بتحقيق العدالة الاجتماعية إلى القول بأن الهدف الرئيسي من إرسال الرسل بالإضافة إلى تحقيق الوحدانية والربوبية هو تحقيق مفهوم العدالة الاجتماعية وإنشاء مجتمع متكامل مبنى على مفاهيم العدالة والحرية والمساواة.

وسنعرض في الجزء الثالث من البحث استكمال لرؤية جماعة الإخوان المسلمين من خلال برامجها الانتخابية وبياناتها السياسية حول العدالة الاجتماعية وآليات تطبيقها في المجتمع المصري.

هذا المنشور نشر في من تراث الإخوان المسلمين. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s